الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الأقلية المسلمة في صقلية

جزيرة صغيرة تنحصر بين شبه جزيرة إيطاليا وتونس، وتقسم البحر المتوسط إلى حوضين شرقي وغربي، ومن هذا الموقع تستمد أهميتها الإستراتيجية بين اليابسين الأوروبي والإفريقي ولهذا احتلها الرومان، وعندما اتسعت الدولة الإسلامية فشملت شمالي إفريقيا وسيطرت على الأندلس حرص العرب على فتح صقلية، واستمر الحكم الإسلامي للجزيرة أكثر من قرنين، ثم تعاقب عليها الحكام حتى أصبح سكانها ينفرون من الأجانب.

الأرض:

صقلية جزيرة مثلثة الشكل، قاعدة هذا المثلث نحو الشرق على مقربة من شبه جزيرة إيطاليا، ورأسه ناحية الغرب قرب تونس، ويفصلها عن إيطاليا مضيق مسينا، وعن تونس ممر صقلية وتبلغ مساحتها 25.696 كم2، وأرض صقلية جبلية في جملتها، وأعلى مناطقها الركن الشمالي الشرقي وحيث جبل “أتنا” ويزيد ارتفاعه على ثلاثة آلاف متر (3340م)، وهو بركان ثائر، وصفه بعض الجغرافيين العرب قديما، وتحيط بالمرتفعات سهول ساحلية تتسع في غربي الجزيرة، وعاصمة صقلية مدينة بالرمو على الساحل الشمالي، وإلى شمالي صقلية توجد جزيرة ليباري وبها بركان سترمبولي الدائم الثوران.

المناخ:

مناخ صقلية ينتمي إلى الطراز المعروف بمناخ البحر المتوسط، فالصيف معتدل والشتاء دفئ، وأمطار الجزيرة وفيرة في الشتاء والربيع، ويسودها الجفاف في فصل الصيف.

النشاط البشري:

إنتاج الجزيرة أغلبه من الحاصلات الزراعية، مثل القمح والفاكهة والزيتون، ويزيد سكان صقلية على خمسة ملايين نسمة، والكثافة السكانية عالية ويهاجر العديد من السكان، وأخصب جهاتها الشمالية، وهي أكثر المناطق ازدحاما، وتمارس حرفة الرعي في حدود ضيقة على المنحدرات الجبلية، ويعمل عدد من سكان صقلية بالصناعات التقليدية، ومن أبرز ثرواتها الكبريت، ويقوم سكان صقلية بصيد الأسماك التي تقوم عليها بعض الصناعات المحلية، هذا إلى جانب بعض الصناعات الحديثة.

كيف وصل الإسلام إلى صقلية؟

عرف العرب جزيرة صقلية قبل فتحها في سنة 212 هـ، ذلك أنها كانت تتبع الروم، وكانوا يشنون منها الغارات على تونس وشمالي إفريقيا، لذا أغار عليها العرب في حملات تأديبية، فاضطر قسطنطين بطريق صقلية إلى عقد صلح مع إبراهيم بن الأغلب والي إفريقيا، وكانت مدة هذا الصلح عشر سنوات.

وفي سنة 211هـ استعان أهل صقلية بالأغالبة حكام تونس من قبل العباسيين، وكان رسول الجزيرة إلى الأغالبة إيفيميوس، فطلب العون ضد حكام صقلية، فجند له زياد الله الأغلب عشرة آلاف رجل بقيادة أبي عبد الله أسد بن الفرات، وانتصر المسلمون على حكام صقلية واستولوا على بلدة مازارا، واستمر تقدم المسلمين عبر الجزيرة، وأحرزوا الانتصارات المتتالية على الروم حتى استكملوا فتح جزيرة صقلية في سنة 289هـ. 

وخضعت صقلية لحكم المسلمين، وحكم بنو الأغلب صقلية حتى سنة 297هـ، ثم حل الفاطميون محلهم في حكم الجزيرة، وظل الفاطميون يحكمون الجزيرة حتى منتصف القرن الخامس الهجري، وتمتعت صقلية بشيء من الحكم الذاتي في أثناء هذه الفترة، فحكمها الكلبيون فترة استقلت فيها الجزيرة، وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري بدأت غارات الروم على شمالي الجزيرة، ثم ظهرت الفتنة واستشرت بين أهل الجزيرة في سنة 431هـ، وفتحت هذه الفتنة ثغرات في صفوف المسلمين، ونفذ من خلالها النورمانديون حكام جنوب إيطاليا فعاونوا بعض الفئات المتخاصمة، وتم استيلاء النورمانديين على صقلية في سنة 484هـ بعد سقوط آخر مقاومة في الجزيرة، وبعد حكم إسلامي دام 267 سنة، وبدأت فترة من التحدي، إذ أخذ النورمانديون يشنون ألوانا من الاضطهاد والتعصب ضد المسلمين، وشهد الحكم النورماندي بن جبير، حيث مر بصقلية في عودته من الحج، فكان الناس يكتمون إسلامهم سرا خوفا من بطش النورمانديين، وقال ابن جبير واصفا أحوال المسلمين: (هم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفر، ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريتهم وأبنائهم). 

وهكذا وصف ابن جبير اضطهاد المسلمين في صقلية في أثناء حكم النورمانديين للجزيرة، ونتيجة هذا الاضطهاد هاجر الكثير من المسلمين إلى خارج صقلية فرارًا بدينهم فقل عدد المسلمين بالجزيرة، واستسلم الضعفاء للتحديات الصليبية، وتعرض المسلمون بالجزيرة لحملات شرسة من الضغط والكبت، وأصبح عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف، ولا يتناسب هذا العدد مع حجم الآثار الإسلامية التي تركت بصماتها على سائر فنون الحياة بصقلية، وبرغم الحملات التي قادها الكونت روجر الفاتح النورماندي لصقلية، فلقد دامت حرب الصراع تسعين عامًا، وأخيرًا نقل الملوك النورمانديون عشرين ألفًا من مسلمي صقلية إلى جنوبي إيطاليا ليكملوا حركة التشتيت.

والآثار الإسلامية بالجزيرة لا تحصى، فلقد تركت بصماتها على أسلوب العمارة والفنون الزخرفية وأسلوب الكتابة والصناعات التقليدية، ولقد كان بصقلية عدد قياسي من المساجد، فكان في مدينة بالرمو ومدينة الخالصة المجاورة لها ثلاثمائة مسجد ذكرها ابن حوقل، وعدد أنواعها من المساجد الكبيرة والصغيرة والمعلقة التي بنيت فوق بعض القصور، وأشار ابن جبير إلى كثرة المساجد فقال: أما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن الكريم: “أي كتاتيب لتعليم القرآن الكريم”، وإلى جانب المساجد عدد من القصور التي بنيت على نسق إسلامي، وتمثل مصدرًا سياحيًّا للجزيرة، وهكذا ترك الإسلام بصمات معمارية على مختلف الفنون في حياة صقلية. 

ونتيجة للتحديات التي فرضت على المسلمين بالجزيرة نقص عددهم إلى حد التلاشي، بحيث يوحي التشابه بصور مؤلمة حدثت بنفس المقياس في الأندلس. 

وذكر ابن جبير أسماء مدن عديدة تحمل السمات الإسلامية كما ذكر العديد من القصور الإسلامية من بقايا الحكم الإسلامي، ومن المدن التي ذكرها مدينة ثرمة، وقصر سعدة، ومدينة أطرابنش، وكانت مدينة بالرمو تسمى المدينة قبل استيلاء النورمانديين عليها، ومن مدنها شغلودي، وكل هذه المدن كانت تعج بالآثار الإسلامية التي ذكرها ابن جبير، ومن المدن التي تغيرت مسمياتها مرسى على “مرصالا” ورعوض “راجوسا”، وهكذا كانت الحضارة الإسلامية التي خربها التعصب الصليبي.

-- خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*