الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » رمضان » رمضان وتعزيز الجانب الروحي

رمضان وتعزيز الجانب الروحي

رمضان بوابة مشرعة نفرح فيها بعودتنا إلى ربنا والتزامنا على اختلاف مذاهبنا وتياراتنا ومشاربنا بلحظة واحدة للإفطار، وفترة زمنية نمسك فيها عن كل شهواتنا الصغيرة والكبيرة

لعل من أبرز سمات الأديان السماوية تعزيز مبدأ الجانب الروحي والتواصل بين الخالق والمخلوق، وليس غريبا أن شهر رمضان بات من أبرز الأمور المعرِّفة بالإسلام من خلال شعائره العلنية التي تجعل أي باحث يقف عندها ويتأملها.

الشعور الغريب الذي يحس به الجميع عند دخول شهر رمضان ليس شيئا عابراً، بل هو استنهاض لبواقي التواصل الروحاني مع الخالق سبحانه وتعالى، نسرف على ذواتنا بالظلم والآثام والمعاصي، وإذا ما أقبل رمضان تكسرت تلك الشهوات وانكمشت ترسانة الظلم والحسد في نفوسنا المنهكة والتاعبة من رتم الحياة السريع، الذي لا يجعل للروح مجالاً وحيزاً!

المادة هي المسيطرة على كل المجريات الحياتية اليوم، وفي لحظة من الزمن وفي أوج انشغال النفس في متع الحياة تتوقف ساعة الزمن المادي لتفسح نفحةً روحانيةً تسير إلى قلب الإنسان اللاهث خلف الحياة، لتوقفه في كل مكان من هذا الكون وتحرمه من أغلى شهواته الإنسانية.

هذا الحرمان من الأكل والشرب والجنس في رمضان هو المؤشر الذي يزداد الإنسان من خلاله صلة بربه، عن طريق إمساكه عن الأكل والشرب دون رقيب ولا حسيب سوى الله سبحانه وتعالى.

فبذلك يقيس مدى التزامه وصلته بمولاه جل وعلا، ومدى قربه منه. (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها قيل سبعمئة ضعف قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلى، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).

في رمضان تزكى النفوس المريضة بعفن الدنيا وأوساخها من غش ورذيلة، فتتعالى في هذا الشهر لقدسيته ومكانته العظيمة عند الله تعالى، وتتقرب له بالمغفرة والطاعة معلنين أن ثمة خيراً باقياً في نفوسنا يزهر في موسم الخير (رمضان)، وإن خبا في غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصيام جنة يستجن بها العبد من النار”.

في رمضان تتساقط صنوف الجشع والنزعة إلى المال وحب الدنيا، فتتسارع النفوس إلى الصدقة والزكاة لتفرّغ أوساخا رانت عليها خلال عام كامل، وأيد تلوثت بالحرام فكان رمضان بوابة التوبة لها، والصدقة تطهر وتزكي قال تعالى: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.

هنيئا لكل صائم وإن أسرف في ذنبه، هنيئا لكل صائم وإن تجاوز في شهوته، هنيئاً لكل صائم وإن طغى في معاملته، لأن الالتزام بالصيام يبعث الأمل في النفوس في قدرتها على الالتزام لخالقها.

الالتزام بالصيام يجعل القلب أكثر قربا من ربه، الالتزام بالصيام يفتح الباب للتوبة من كل ذنب ومن كل هاجس ومن كل فكرة خبيثة تسربت إلى نفس مؤمنة مطمئنة، رمضان بوابة مشرعة نفرح فيها بعودتنا إلى ربنا والتزامنا على اختلاف مذاهبنا وتياراتنا ومشاربنا بلحظة واحدة للإفطار، وفترة زمنية نمسك فيها عن كل شهواتنا الصغيرة والكبيرة.

العالم والجاهل الغني والفقير الزعيم والكادح، ساعات الاشتراك في الجوع والإحساس بالحرمان توحد القلوب، وتهذب النفوس، وتبعث الأمل بالعودة بالتعاضد والتكافل، في شهر رمضان يصطف الجميع في صلاة التهجد كلهم دون فروقات وتصنيفات متدين وغير متدين سوى الطمع في ثواب الرحمان.

فعسى أن يكون رمضان زاداً وعوناً لنا ورصيداً باقياً في حسناتنا يوم القيامة، عسى أن يوحدنا قبل أن يرحل، ويهذبنا قبل أن يغادر، فيقتل الجشع والظلم ويهدم أسوار الفتنة والجهل.

-- الوطن أونلاين : خالد بن عبدالله المشوح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*