الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » رمضان » رمضان والتيسير في العبادة

رمضان والتيسير في العبادة

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي حكَمَ فأحكَم، وحلَّل وحرَّم، أحمدُه على ما عرَّف وعلَّم، وفقَّه في دينه وفهَّم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه صلاةً وسلامًا دائمَين مُمتدَّين إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

اتقوا الله؛ فبالتقوى تحصُل البركة، وبالعلم تندفعُ الفوضَى والهلَكة، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

أيها المسلمون:

ليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يحِنُّ إلى رؤية الكعبة المُشرَّفة والطواف بها، وحجّ التطوُّع وعُمرة التطوُّع وتكرارُهما فضيلة، والطوافُ بالكعبة لغير المُحرِم قُربة، والعُمرة في رمضان سُنَّة تعدِلُ حجَّةً مع النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وتركُ ذلك كلِّه بقصد التوسيع والتخفيف في وقت شدَّة الزِّحام المُفضِي إلى الضرر والمشقَّة والحرَج، وتعسُّر الحركة، وحُصول الأذَى والفوضَى والضَّوضاء المُنافِية للعبادة أولَى في السعي، وأقربُ إلى البرِّ والخير.

والتوسيعُ للضعفاء والمرضى وكِبار السنِّ وغيرهم ممتن يُؤدُّون حجَّة الإسلام والعُمرة الواجِبة صنيعُ أهل الفقه والعقل، والحِكمةُ والبصيرةُ والفقهُ في الدين تحمِلُ المرءَ على ترك ما يُفضِي إلى إيذاء نفسِه أو غيره، وإن كان تحصيلَ سُنَّة. والتركُ إذا كان مقرونًا بقصدٍ حسنٍ عبادةٌ وقُربةٌ.

قال شيخُنا ابن باز – رحمه الله تعالى -: “تركُ الاستكثار من الحجِّ لقصد التوسِعة على الحجَّاج وتخفيف الزِّحام عنهم نرجُو أن يكون أجرُه في الترك أعظمَ من أجره في الحجِّ، إذا كان تركُه له بسبب هذا القصد الطيب”. اهـ كلامُه – رحمه الله -.

وقد تركَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – الإطالةَ في الصلاة وكان يُريدها، لما سمِع بُكاءَ الصبيِّ دفعًا لمشقَّة أمِّه.

فعن أبي قتادة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إني لأَقوم في الصلاة أُريد أن أُطوِّل فيها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأتجوَّز في صلاتي، كراهيةَ أن أشُقَّ على أمِّه»؛ أخرجه البخاري.

أيها المسلمون:

ومُراعاة العوارِض والطوارِئ والظروف والأحوال مطلوبٌ شرعًا، ومُستحسَنٌ عقلاً. وقد نصَّ الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على أن الطائِف يترُك استِلامَ الحجر الأسود وتقبيلَه في حال شدَّة الزِّحام، دفعًا للأذى عن نفسه وعن غيره، ويُشيرُ ويُكبِّر.

فعن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – قال: قال لِي النبي – صلى الله عليه وسلم -: «كيف صنعتَ في استِلام الحجَر؟». فقلتُ: استلمتُ وتركتُ. قال: «أصبتَ»؛ أخرجه ابن حبان.

والمعنى: أنه استلمَ في غير زِحام، وتركَ في زِحام. فصوَّبَه النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وعن عطاء عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “إذا وجدتَّ على الرُّكن زِحامًا، فانصرِف ولا تقِف”.

وسُئِل ابنُ القاسِم: أكان مالكُ يأمرُ بالزِّحام على الحجر الأسود عن استِلامه؟ قال: “نعم، ما لم يكُن مُؤذِيًا، ما لم يكُن مُؤذِيًا”.

وقال الإمام الشافعيُّ – رحمه الله تعالى -: “وأحبُّ أن يستلِم الرجلُ إذا لم يُؤذِ ولم يُؤذَ بالزِّحام، ويدَعُ إذا أُوذِي أو آذَى بالزِّحام”.

وقال السَّرخسيُّ: “ثم ابدأ بالحجر الأسود فاستلِمه إن استطعتَ من غير أن تُؤذِي مُسلمًا؛ لأن استِلام الحجر سُنَّة، والتحرُّز عن أذَى المسلم واجبُ، فلا ينبغي له أن يُؤذِي مسلمًا لإقامة السنَّة”.

وقال البَهوتيُّ: “فإن شقَّ استِلامُه وتقبيلُه لم يُزاحِم”. وفي “الفروع”: “ولا يُزاحِم فيُؤذِي أحدًا”.

والرَّملُ في الأشواط الثلاثة من الأُوَل سنَّة في حقِّ الرجال دون النساء، وهو: المشيُ خبَبًا يشتدُّ فيه دون الهروَلَة قليلاً.

وقد نصَّ الفقهاء على أن الطائِف إذا لم يطمَع بفُرجةٍ لكثرة الزِّحام، ولم يجِد مسلَكًا، وخافَ إن رمَلَ أن يُؤذِيَ الناسَ أو يدفعَهم، تركَ الرَّمَلَ؛ لأنه سنَّة، والأذِيَّةُ مُحرَّمة.

ويتركُ الطائِفُ صلاة ركعتَي الطواف خلفَ المقام في شدَّة الزِّحام، وإن كان ذلك سنَّة، إذا ترتَّبَ على أدائِها أذًى للطائفين، ويركعهما حيثُ شاء بعيدًا عن الزِّحام. ومن أصرَّ على صلاتِهما خلفَ المقام وأعاقَ حركةَ الطائِفين وآذاهم، فقد ظلمَ واعتدَى وأثِم.

والقاعدة: ن ما أُبيحَ للمرء شرعًا لمنفعة نفسه يتقيَّدُ بشرط السلامة؛ أي: بألا يترتَّب على فعله ضررٌ يُصيبُ غيرَه، والضررُ في الشرع ممنوعٌ ومرفوعٌ ومدفوعٌ. وكل ما يُؤذِي المسلمين يجبُ الكفُّ عنه وتركُه.

أيها المسلمون:

والمصلحةُ العامة والضرورة الشرعية تُؤيِّد القرارَ الحكيم الذي اتَّخذَته حكومة الحرمين الشريفين – أيَّده الله تعالى – بتخفيض أعداد الحُجَّاج والمُعتمِرين بنسبةٍ مُحدَّدة، ولفترةٍ مُؤقَّتة، حتى انتِهاء مشروع توسِعة المطاف؛ رعايةً لمصالِحهم، وحِرصًا على سلامتهم.

والامتِثالُ لهذا القرار واجبٌ شرعًا، والاستِجابةُ له دليلُ العقل والحكمة والأمانة والمسؤولية.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ؛ فاستغفروه، إنه كان للأوابين غفورًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله بارِئ النَّسَم، ومُحيِي الرِّمَم، أحمده على ما أولَى من الفضل والكرَم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

أيها المسلمون:

والصدقةُ أفضلُ من حجِّ التطوُّع وعمرة التطوُّع إذا كان ثمَّ رحِمٌ مُحتاجة، أو زمن مجاعَة، أو كان هناك مُسلمون مُضطرُّون إلى صدقته، ومُحتاجُون إلى نفقَته، في أصحِّ أقوال الفقهاء.

خرج عبد الله بن المبارك مرةً إلى الحجِّ، فرأَى جاريةً تأخذ طائرًا ميتًا قد أُلقِي على مزبَلة، فسألَها. فقالت: أنا وأختي ها هنا، ليس لنا قُوتٌ إلا ما يُلقَى على هذه المزبَلة. فأمرَ ابنُ المبارك بردِّ الأحمال، وأعطاها نفقَة حجِّه وقال: “هذا أفضلُ من حجِّنا في هذا العام”، ثم رجَع.

وسُئِل الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -: أيحجُّ نفلاً أم يصِلُ قرابتَه؟ قال: “إن كانوا مُحتاجِين يصِلُهم أحبُّ إليَّ”. وقال: “يضعُها في أكبادٍ جائعة أحبُّ إليَّ”. وظاهرُه العموم في القرابَة وغيرهم.

فادفَعوها – يا عباد الله -، فادفَعوها – يا عباد الله -، فادفَعوها – يا عباد الله – في المُجاهِدين والمُشرَّدين واللاجِئين والمنكوبِين والفقراء والمعدُومين من المسلمين، وها أنتم ترَون ما يحِلُّ بإخوانكم في الشام وفي بُورما وغيرهما من الظلَمة المُعتدين. والحالةُ في الدلالة أبلغُ من المقالة.

كتبَ الله نصرَهم، وأخذَ عدوَّهم.

أيها المسلمون:

النفوسُ تترقَّبُ هلالَ الشهر الكريم، بلَّغنا الله وإياكم بمنِّه وكرمِه شهرَ رمضان المُبارَك. فليكُن شهرُ رمضان عنوان توبتِكم، وإشراقَ أوبَتكم، وليكُن حاملاً لكم على نبذِ القطيعة، وإنهاء الخُصومة، وتصافَحوا يذهبُ الغلُّ والحقدُ، وتسامَحوا تزولُ الكراهيةُ والعداوة، ويحلُّ الحبُّ والوُدُّ والصفاء والوِصال، في أُسَركم ومُجتمعاتكم.

وخيرُكم الذي يبدأُ بالسلام، ويأمرُ بالوِئام.

ثم صلُّوا وسلِّموا على أحمدَ الهادي شفيعِ الورَى طُرًّا؛ فمن صلَّى عليه صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائِه الأربعة، أصحاب السنة المُتَّبعة: أبي بكر، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآل والصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمِك وجُودِك وإحسانِك يا رب العالمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وانصُر عبادكَ المُوحِّدين، ودمِّر الطُّغاةَ والظلَمة والمُعتَدين يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود الغاصِبين، والصهاينة الغادرين يا رب العالمين.

اللهم انصُر إخواننا في فلسطين عليهم عاجلاً يا كريم يا رب العالمين.

اللهم انصُر المُجاهدين في الشام، اللهم انصُر المُجاهدين في الشام، اللهم انصُرهم على أعداء السنَّة، اللهم انصُرهم على أعداء السنَّة، اللهم انصُرهم على أعداء الصحابة، اللهم انصُرهم على الكفَرة الحاقِدين يا رب العالمين.

اللهم تقبَّل موتاهم في الشهداء، وداوِ جرحَاهم، واشفِ مرضاهم يا سميع الدعاء.

اللهم ما انقطَع الرجاءُ إلا منك، وخابَت الظُّنُون إلا فيك، وضعُف الاعتمادُ إلا عليك، اللهم عجِّل بنصرهم وتفريج كروبهم، ودحر عدوِّهم يا رب العالمين.

اللهم مُنَّ على جميع أوطان المسلمين بالأمن والاستقرار يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ بناصِيته للبرِّ والتقوى، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده لما فيه العزُّ الإسلام وصلاح المسلمين يا رب العالمين.

اللهم اشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، وفُكَّ أسرانا، وارحم موتانا، وانصُرنا على من عادانا يا رب العالمين.

عباد الله:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكُركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنَعون.

-- فضيلة الشيخ صلاح البدير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*