السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » رمضان » رمضان وأخلاق الصائم

رمضان وأخلاق الصائم

الخطبة الأولى

الحمد لله على نعمة الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلاَّم، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه عليه أفضل الصلاة والسلام.

أما بعد، فيا أيها المُسلمون:

أُوصيكم ونفسي بتقوى الله – جل وعلا -، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].

عباد الله:

إن الإسلام شرعَ العبادات من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ وغيرها، وهي تحمِلُ المقاصِد العُظمى والغايات الكُبرى، التي ترجِع في أصلِها إلى تهذيب النفوس، وتزكية القلوب، وتطهير الجوارِح، والسير بها إلى أرفع القِيَم وأزكَى الشِّيَم.

وإن من ذلك: شهر رمضان بما تضمَّنَه من عباداتٍ جُلَّى وقُرُباتٍ فُضلَى؛ فرمضانُ بما فيه من صيامٍ وقيامٍ وإطعامٍ مدرسةٌ يجبُ أن تجعلَ المسلم في أعلى ما يكون من الأخلاق الفُضلَى والمُثُل العُليا، يقول ربُّنا – جل وعلا -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183].

ومن حقيقة التقوى: التمثُّل بالأخلاق الكريمة والصفات النبيلة فعلاً وقولاً وسُلوكًا ومنهَجًا، يقول – صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقِ الله حيثُما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن».

إخوة الإسلام:

من التوفيق للعبد: التحلِّي كل زمنٍ وحين بكل خُلُقٍ كريمٍ، وفعلٍ قويمٍ، وقولٍ جميلٍ.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه سُئِل عن أكثر ما يُدخِلُ الناسَ الجنة، قال: «تقوى الله وحُسن الخُلُق». وسُئِل عن أكثر ما يُدخِلُ النار، فقال: «الفمُ والفرْجُ»؛ رواه الترمذي، وقال: “حسنٌ صحيحٌ”.

فالإسلام يُريد من المُتعبِّد أن يتحلَّى بالأخلاق الحسنة، وأن يتَّصِفَ بالمُعاملات الكريمة، قال – صلى الله عليه وسلم -: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم»؛ رواه الترمذي، وقال: “حسنٌ صحيحٌ”.

ويقول – صلى الله عليه وسلم -: «إن المؤمنَ ليُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم»؛ رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ.

أكملُ العابدين وأفضلُ الخلق أجمعين محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -، وصفَه ربُّه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، ولهذا فأقربُ الناس محبَّةً إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأعظمهم منزلةً يوم القيامة أحاسِنهم أخلاقًا؛ عن جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن من أحبِّكم إليَّ وأقربكم مني منزلاً يوم القيامة: أحاسِنكم أخلاقًا»؛ رواه الترمذي، وقال: “حديثٌ حسنٌ”.

فيا إخوة الإسلام:

استلهِموا من العبادات كل جميلٍ رفيعٍ من الأخلاق والمُثُل والصفات، استمِدُّوا منها كل ذوقٍ سليمٍ، وكل فعلٍ جميلٍ، وقولٍ نبيلٍ، ليملأ حياتَكم حينئذٍ الحبُّ بشتَّى أشكالِه، وتسُودَها المودَّةُ بمُختلف صُورها، وتغمُرها التعامُلات الراقِية، والمبادِئُ الحياتية السامية. فذك مما أوجبَه الإسلام، وافترضَه القرآن، يقول – جل وعلا -: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83].

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! إن فلانةَ يُذكَرُ من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غيرَ أنها تُؤذِي جيرانَها بلِسانها. فقال – صلى الله عليه وسلم -: «هي في النار». فقال: يا رسول الله! إن فلانةَ يُذكَر من قلَّة صيامها وصدقتها وصلاتها وأنها تتصدَّقُ بالأثوار من الأقِط ولا تُؤذِي جيرانَها بلِسانها. قال: «هي في الجنة»؛ أخرجه أحمد، والبخاري في “الأدب المفرد”.

ومن هذا المُنطلق حذَّر النبي – صلى الله عليه وسلم – الصائمين من العُدول عن هذه المقاصِد الكريمة للعبادات الجليلة، فقال: «إذا كان يومُ صوم أحدِكم فلا يرفُث ولا يصخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتلَه فليقُل: إني صائِمٌ».

نعم، أيها المسلم! إن الفُحش ليس من أخلاق أهل الفضل والعبادة والإحسان، وإن العُنفَ ليس من سجِيَّة عباد الرحمن، قال – صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدَع قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه».

ولهذا فهِمَ الصحابةُ – رضي الله عنهم – تلك المقاصِد العظيمة فطبَّقوها، أدرَكوا تلك الأهداف فعمِلوا بها.

قال جابرٌ: “إذا صُمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولِسانُك من الكذِب والمحارِم، ودعْ أذَى الجار، وليكُن عليك وقارٌ وسكينةٌ، ولا يكُن يومُ صومِك ويومُ فِطرِك سواء”.

فالسعيد – أيها المسلمون – من عبَدَ الرحمن، والتزمَ بالأخلاق الحِسان، ففاز بالجِنان،وسلِم من النيران.

نسأل الله – جل وعلا – أن يمُنَّ علينا بكل خُلُقٍ رفيعٍ، وكل فعلٍ نبيل.

أقول هذا القول، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رِضوانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه.

أما بعد، فيا أيها المسلمون:

أُوصيكُم ونفسي بتقوى الله – جل وعلا -؛ فهي وصيةُ الله للأولين والآخرين.

أيها المسلمون:

إن الأخلاق الحسنة هي صفاتٌ سُلوكيَّة أوجبَها الإسلام، وأقرَّها ورتَّب عليها الأجرَ العظيمَ والثوابَ الجسيمَ، ألا وهي تعني: التِزامَ العبد بكل فعلٍ طيِّبٍ جميلٍ وبكل قولٍ حسنٍ نبيلٍ، وهي تعني: التحلِّي بالفضائل والتخلِّي عن الرذائِل.

ولهذا عرَّفها النبي – صلى الله عليه وسلم – وكشفَ عن ماهيَّتها بقوله: «البرُّ حُسن الخُلُق».

والبرُّ: اسمٌ جامعٌ لكل خيرٍ من الأقوال والأفعال والسلوك والمناهِج.

ثم إن الله – جل وعلا – أمرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا وحبيبنا وقُرَّة عيوننا نبيِّنا محمدٍ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه أجمعين.

اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلِح أحوالنا وأحوال المسلمين.

اللهم مُنَّ علينا في هذا الشهر بالعِتق من النيران، اللهم اغفِر لنا ولجميع المسلمين، اللهم تُب علينا وعلى جميع المؤمنين.

اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذابَ النار.

اللهم مُنَّ على المسلمين بالأمن والأمان، اللهم مُنَّ على المسلمين بالأمن والأمان، اللهم اجمَع كلمتَهم، ووحِّد صفَّهم، اللهم اجمَع كلمتَهم، ووحِّد صفَّهم يا حي يا قيوم، اللهم فرِّج همومَهم، ونفِّس كرُباتهم.

اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، اللهم اقضِ الدَّينَ عن المدينين.

اللهم احفَظ وليَّ أمرنا ووفِّقه لكل خيرٍ يا حي يا قيوم.

عباد الله:

اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-- فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*