السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » رمضان » التعبُّد بالمعاملات

التعبُّد بالمعاملات

في رحاب شهر رمضان المبارك تزداد نفحات الإيمان والتقوى، ويبذل المؤمن جهداً مضاعفاً في التقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات وبالعمل الصالح. فرمضان شهر المغفرة والرحمة وسبيل العتق من النار، بترك المعاصي والنّهل من معين الحسنات بالصيام والقيام والتهجُّد وتلاوة القرآن والعمل الطيب، من زكاة وصدقة وتراحم وتكافل وإحياء صلة الرحم، وكلها أعمال رائعة يتقرّب بها الإنسان إلى ربه راجياً ما عنده، وسيجتهد ما وسعه للتزوُّد بزاد الآخرة من دنياه. 

هذا النهج السليم للمسلم يتطلّب منه التفاتة أخرى إلى نوع عظيم من أنواع العبادة وهو التعبُّد إلى الله بالمعاملات، ومن ذلك قضاء حوائج الناس، في هذا الشهر الفضيل، ولك أن تتصوّر أجر جلب السعادة لصاحب حاجة دخل إلى موظف في مكتبه طالباً حقاً من حقوقه، ليقضيها الموظف دون واسطة أو منّة، فما هو إلاّ مقدم خدمة مقابل أجر لكنها منّة الله عليه. وفي الحديث الشريف: (حوائج الناس إليكم، نعم الله عليكم، فلا تردّوا النعم)، وإنصاف الإنسان لنفسه ولغيره، عند طلب الشفاعة فيه أجر عظيم للصائمين، فلعلنا نتذكر أن طلب الشفاعة على حساب الآخرين فيه غمط، للحق، ظلم للغير وهو ما لا يجيزه الشرع في رمضان وغير رمضان لكنه يكون أكثر إلحاحاً في هذا الشهر الكريم. 

والعمل الجاد المخلص عبادة، فهل نكون أكثر تقرّباً إلى الله من خلال ذلك؟ إننا في حاجة إلى تغيير نمطنا الإداري، ونحن في رمضان أحوج ما نكون إلى ذلك، فالناس مع كثرة الصلاة والصوم وغيرها من العبادات يكونون أكثر خوفاً من الله، فلعل ذلك الخوف الذي تدمع منه الأعين بدفعنا إلى نمط جديد من الإدارة في عالمنا الإسلامي الذي يبعد بمراحل عن الصواب، ولا أقول غيره من الدول، لأنّ تعاليم الإسلام تهدي إلى تلمس الحق والعدل والصواب، بغضّ النظر عما يراه أو يمارسه الآخرون. 

أين الحق والعدل في الإدارة يا معشر المسلمين؟ وهل يكون هذا الشهر حافزاً إيمانياً، بعد أن عجزت الكثير من الأساليب التربوية والقيمية للتعامل مع داء الإدارة غير المنطقي في كثير من عالمنا الإسلامي، هذا النمط الذي يحتاج إلى وقفة تأمل ربما تكون أكثر فائدة في شهر يزيد فيه الإيمان ومخافة الله. 

العالم الإسلامي لو كان منصفاً لنفسه لكان أكثر شعوب العالم تقدماً في المجال الإداري وغيره من المجالات، لكنه يأبى ذلك متجاوزاً أوامر هذا الدين الإسلامي العظيم، مستهدفاً أنماطاً بالية ورثها قبل ظهور الإسلام، وظل يلتمّس المخارج والأعذار والحجج، ليطوع الكثير منها بما يناسب هواه ومصلحته، وإرث ثقافي حمله معه في عقله الباطن في تعاقب عجيب، لم تنتزعه قوّة الإيمان، أو الغيرة من الشعوب المتقدمة الأخرى، أو النظريات والتطبيقات العلمية الحديثة التي يسهل الحصول عليها من الكتب والمحاضرات والقنوات والإنترنت، وغيرها من أساليب التواصل الحديثة، التي لم تترك شاردة ولا واردة، إلاّ وقد وضعتها على طبق من ذهب للإنسان ليختار كيفما شاء ومتى ما شاء. 

إنّ في الدين الإسلامي من القيم ومكارم الأخلاق التي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليتممها، الشيء الكثير الذي يمكن أن يرشد المسلمين، إلى حسن الإدارة والإنصاف والعدل الذي ظلّ وسيظل أحد الأعمدة الراسخة في ديننا الحنيف. 

الإسلام، هذا الدين العظيم يحتاج من المسلمين أن ينصفوه ولا يؤذوه بالالتفاف عليه وتأويل أحكامه ومراميه إلى تحقيق غاية، وجلب منفعة شخصية على حساب منافع المسلمين جميعاً. 

إن من العجب أن يجني بعض المسلمين على دينهم من خلال تحقيق مصالح شخصية، رابطين ذلك بتأويل يتناسب مع تلك المصالح، ولو كانوا أكثر إنصافاً لهذا الدين حتى في العمل الخاطئ لفعلوا ما فعلوا دون أن يجعلوا ذلك فقهاً يتعبد به الناس، ورأياً يراه الإسلام، وهو ما لا يتوافق معه فنظلمه، وهو أحق ألاّ يظلم. 

ونحن في العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل، يجتهد الناس في ابتغاء فضل الله وكرمه من الحسنات والمغفرة، فما أحوجنا إلى أن نتذكّر أنّ قضاء حوائج الناس في الخير والمصلحة العامة هو من صميم واجباتنا الدينية، لأنّ الدين هو المعاملة مثلما هو الإخلاص في عبادة الخالق عزّ وجلّ بطاعته واجتناب نواهيه واتباع سنّة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د.محمد بن عبد الرحمن البشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*