السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » فقه الحقوق » حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة » المسؤولون عن دمج المعاق في المجتمع

المسؤولون عن دمج المعاق في المجتمع

بعد مرور عدة عقود من التعليم الذي يقوم على العزل والمؤسسات المعزولة المخصصة للتلاميذ المصابين بإعاقات، أصبحت معظم البلدان وبالأخص المتقدمة منها تمر اليوم بمرحلة انتقال من نظام العزل في التعليم والرعاية إلى نظام الدمج الكامل قدر الإمكان. 

من هم المسئولون عن سياسة الدمج؟

إن تطبيق سياسة دمج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس العادية لا يقع على عاتق المدرسة أو المؤسسات ذات الصلة لوحدها , ولكن لابد من مشاركة الآباء والمتخصصين الآخرين، بل والمجتمع عامة من أجل تحقيق ما نرجوه من نتائج إيجابية لهذه السياسة، إذاً فالمسئولية مشتركة وعلى كل طرف أن يتعرف على دوره لكي يتم العمل بين تلك الأطراف لتحقيق الغاية المنشودة \”وهي دمج وإشراك المعاقين في حركة الحياة \” 

والمحاور القادمة ستوضح لنا دور كل من المدرسة والأسرة والمجتمع في العمل معاً في إطار سياسة الدمج: 

أولاً: دور المدرسة في تحقيق سياسة الدمج: 

يمكن أن تسهم المدرسة بدور فعال في تحقيق سياسة الدمج من خلال محورين متكاملين 

أولاً: إعداد وتدريب المدرسين المهرة

تمشياً مع مبدأ المدرسة للجميع فإنه يجب العمل على تدريب المعلمين العاديين على العمل مع التلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة، وينبغي توجيه برامج التدريب التربوي بحيث تناسب الاتجاهات التربوية الموجودة، أي بالنظر والتوجه نحو التربية المتكاملة الواسعة والعمل على التأهيل في إطار المجتمع. 

ولعل من أهم ملامح هذا الإعداد والتدريب للمدرسين يتلخص فيما يلي: 

1- أعداد وتدريب المختصين الأكفاء يعد أحد المفاتيح لنجاح البرنامج التعليمي الموجه للأشخاص شديدي ومتعددي الإعاقة 

2- من الضروري أن يأخذ المعلمين في اعتبارهم مفهوم الحاجات التعليمية الخاصة أو النوعية للأطفال والمراهقين من المعاقين الذين يتم دمجهم في المدارس العادية، وأن يعمل المعلمين على تبين الفروق الفردية بين التلاميذ، ليس بهدف أن نتقبل التباين بينهم، ولكن بهدف حشد أفضل الوسائل الممكنة للتعامل معهم، ولكي تبتكر الطرق والأساليب لصقلهم بعيداً عن عزلتهم. 

3- تشجيع برامج التدريب المفتوحة التي تعد المعلمين للتعامل مع الأطفال المصابين بأنواع مختلفة من الإعاقة، كما ينبغي التشجيع على توفير إمكانية التخصص للمعلمين في مجال واحد أو أكثر من المجالات المحددة للإعاقة. 

4- أن تتضمن البرامج التدريبية لمعلمي المعاقين تدريباً نفسياً بهدف تنمية اتجاهات صحيحة نحو الأشخاص المعاقين، وتحقيق فهم أفضل للعجز والإعاقة بشكل عام. 

ثانياً: إعداد التلاميذ المعاقين لمرحلة ما بعد المدرسة

إن مرحلة ترك المدرسة مرحلة حرجة في حياة الأسرة ككل، فبعد عدة سنوات من التزام الطفل أو الشاب المعاق في المدرسة أثناء النهار تجد كثير من الأسر نفسها مضطرة للعناية به طوال الوقت، حيث يترك الشخص المعاق المدرسة في سن يتراوح بين 16 إلي 21 سنة وفقا للقوانين المنظمة لذلك في البلدان المختلفة، وإن كان معظم المعاقين ينهون دراستهم تماما عندما يبلغون حوالي 12 عاماً.

والحقيقة أن هناك قصوراً شديداً في كثير من المدارس، سواء الخاصة أو العامة في الاهتمام بالمعوقين، وإعدادهم وتأهيلهم لمواجهة متطلبات الحياة وصعوبتها، فهي لا توفر المناخ للطلبة لمناقشة إعاقتهم وآثارها في حياتهم المقبلة كما أنها لا تتيح لهم الفرصة كي يتكلموا عن مخاوفهم، وعن قلقهم بالنسبة للمستقبل، ومدى قدرتهم على العثور على عمل والاحتفاظ به، ومدى إمكانياتهم لإقامة حياة عائلية مستقرة في استقلال عن الآخرين. 

وحتى تقوم المدارس بدورها المأمول في إعداد المعاقين لأن يحيوا قدر استطاعتهم حياة متكاملة مستقلة في مجتمع الكبار فإنها يجب أن تسعي إلى تحقيق الإجراءات التالية: 

1- إعداد التلاميذ المعاقين للتوافق مع المجتمع: 

من الضروري أن تهيئ المدرسة الفرصة للتلاميذ المعاقين كي يتعلموا كيف يواجهون المشكلات في المجتمع، فبالإضافة إلي تعلم المهارات الدراسية الأساسية مثل القراءة والكتابة، فإنه من الضروري أيضا أن يتعلموا السلوك الاجتماعي الطبيعي والقواعد العامة للتعامل الاجتماعي في المجتمع( البيئة المحيطة بهم) وكيف يطهون طعامهم، وكيف يستعملون وسائل النقل وغير ذلك. 

2- إعداد التلاميذ المعاقين للتعايش مع العجز أو العاهة التي تلازمهم: 

يجب العمل على تعليم الأطفال المعاقين كيف يستطيعون التعايش مع العجز، وبذلك يمكن منعه إن استطعنا من أن تشكل الإعاقة لهم الم نفسي، ولكي يمكن مساعدة الأطفال المصابين بإعاقات خطيرة على استخدام الإمكانيات الاحتمالية للنمو الكامنة فيهم، فمن الضروري عدم التركيز كثيراً على نواحي العجز، بل يجب التركيز بالأحرى على كيفية تعلم المهارات اللازمة. 

3- إعداد التلاميذ المعاقين للعمل: 

يتم ذلك من خلال التعليم والتدريب المهني، ويجب أن يوضع في الاعتبار الصعوبات الخاصة بنواحي العجز، بحيث يتم التدريب على المهن البسيطة والنمطية، كما يجب أن يصمم البرنامج التدريبي بحيث يبدأ بالإمكانات البسيطة لدى الفرد، ثم يتقدم إلى أقصى الإمكانيات الكامنة لدى الشخص المعاق، ولابد أن تتلاءم البرامج المتاحة مع الاحتياجات الصناعية والزراعية والخدمية و…. 

4- تشجيع المشاركة بين الآباء والمهنيين:

إن التنسيق و المشاركة هي المبدأ الأساسي الذي تستند عليه تنمية علاقات العمل بين المهنيين ووالدي الطفل المعوق، وتتخذ المشاركة أشكالاً متعددة، إلا أنها تركز جميعها على إقرار أساسي وهو أن كلاً من الطرفين له مجالات في المعرفة والدراية يمكنه أن يساهم بها في مهمة التعاون لمصلحة الطفل، ومن ثم يجب العمل على تشجيع الوالدين والمهنيين على تنمية علاقات عمل طيبة بينهم، وذلك لمصلحة الطفل المعاق، حيث يتم تبادل المعارف والمهارات والخبرات لتلبية حاجات الطفل الخاصة، ولاشك أن هذا التعاون بين الوالدين والمهنيين سوف يساعد على تعلم الطفل المعاق وتقدمه بصورة أفضل مما لو عمل كل من الطرفين على انفراد.

ثانيا ً: دور الآباء في تحقيق سياسة الدمج

لقد لوحظ أن الآباء يلعبون درواً لا غنى عنه في المساعدة من أجل دمج الأطفال المعاقين داخل المجتمع، ويمكن أن يدربوا ليس فقط كي يجيدوا التعامل مع مشكلات الحياة اليومية التي تظهر مع الإعاقات الخطيرة ولكن لكي يصبحوا مدرسين أكفاء لأطفالهم كذلك، ولهذا الغرض لابد أن يشمل التدريب كل أفراد الأسرة وليس فقط الأمهات. 

والى جانب تدريب الآباء على القيام بدورهم فإنه يجب تدعيمهم من خلال توفير أكبر قدر من الخدمات الاجتماعية لهم، بما فيها توفير الأخصائيين الاجتماعيين والموظفين الأكفاء الذين سوف تشجع نصائحهم وتوجيهاتهم الآباء والمعاقين الصغار كي يستفيدوا من إعادة التأهيل والعملية التعليمية، ذلك أن آباء الأطفال المعاقين هم في حاجة ماسة إلي المعلومات والتوجيهات الخاصة بكيفية تعاملهم مع أطفالهم المعاقين، ولذا فهم في حاجة إلي دورات تعليمية يأخذون خلالها المعلومات والنصائح في كيفية مساعدة الطفل المعاق. 

ويمكن تحديد أهم ملامح دور الآباء في تحقيق سياسة الدمج في النقاط الآتية:

(أ) تقبل الآباء لأطفالهم المعاقين: 

على الوالدين أن يتقبلا طفلهما المعاق، لأن ذلك سوف يكون له أثره الإيجابي في مفهومه عن ذاته واستشعاره بقيمته ومكانته داخل الأسرة، وبأنه طفل مرغوب فيه، الأمر الذي يساعد علي اندماجه داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع عامة، ومن ثم سيسعى نحو بذل قصارى جهده لاكتساب المهارات اللازمة، والسلوك التكيفي المطلوب تعليمه إياه عند إجراء أي محاولة لتعليمه وتدريبه. 

(ب) قيام الآباء بدور المعلم لأطفالهم المعاقين: 

يمكن أن يقوموا آباء أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بدور أساسي في تعليمهم، فمن الملاحظ أنه بالرغم من أهمية مشاركة الآباء إلا أنها مازالت في نطاق ضيق وليست في شكلها المثالي المطلوب، وربما كان ذلك مرجعه في أغلب الحالات أنه ليس هناك دور محدد لمشاركة الآباء وإسهاماتهم.

(ج) أهمية التوافق الأسري للأطفال المعاقين: 

لقد تبين من الدراسات أن البيئة المنزلية الجيدة والتوافق الأسري الذي يسود بين جميع أفراد الأسرة، وخاصة الوالدين يزيد من كفاءة الأطفال المتخلفين عقلياً، كما اتضح أيضا أهمية الأسرة ككيان اجتماعي وكمؤسسة تربوية لا غني عنها من أجل النمو النفسي السليم، حيث وجد أن مفهوم الذات لدى الأطفال المصابين بالتخلف العقلي المقيمين مع أسرهم كان أكثر إيجابية بشكل دال بالمقارنة بأقرانهم الذين يتواجدون داخل مؤسسات خاصة، كذلك وجد أن تبني بعض الأسر لأطفال متخلفين عقليا قد ساعد على توافقهم الاجتماعي.

ثالثاً: دور المجتمع في تحقيق سياسة الدمج

إن ترك الأشخاص المعاقين للمدرسة كان من المفروض أن يتبعه إسهامهم ومشاركتهم في حياة مجتمعهمٍٍٍ، تماماً كما يفعل أي شخص آخر بلغ سن الرشد، حيث يتوجه إلى العمل وترك منزل الأسرة للزواج، غير أن هناك من المعوقات داخل المجتمع تحول دون أن يحقق غالبيتهم ذلك، ومن ثم فهم مغيبون ومقعدون في البيت، وكثير منهم يتساءل لماذا لا يذهبون إلى المدرسة كما كانوا يفعلون من قبل، ولما تغير نظام الحياة والوتيرة التي تعودوا عليها بهذا العنف، ولماذا يلازمون المنزل ليلاً ونهاراً، ويعيشوا في عزلة دائمة، وقد تؤدي الحياة الجديدة إلى الإحباط وسيادة جو من التوتر في المنزل.

إن المسؤولية الملقاة على الأسرة أكبر من طاقتها المحدودة، ولذا فإن الأمل أن يساعد المجتمع بكافة مؤسساته في تشجيع دمج الأطفال المعاقين في كافة نواحي الحياة، ولاشك أن هذا الدمج سوف يكون له أثره في تقبل الأسرة لطفلها المعاق، حيث تشعر الأسرة بأن لطفلها المعاق مكاناً بين الأطفال الأسوياء، ولهم ما لهم من حقوق، وبذالك تطمئن الأسرة على مستقبل ابنها في المجتمع. وقد وجد أن استقرار الأسرة واطمئنان الآباء على مستقبل طفلهم المعاق عقلياً ذو علاقة إيجابية بتحصيل القراءة والتحصيل العام لديه.

ولكي نخفف من المسئوليات الملقاة على عاتق الأسرة التي بها طفل معاق، فإن المهتمين بسياسة الدمج يدعون المجتمع لأن يساهم بدور فعال من أجل العمل نحو تشجيع دمج الأطفال المعاقين في مجالات الحياة المختلفة من خلال السعي نحو تحقيق الإجراءات التالية:

أ- ينبغي أن يوفر المجتمع الخدمات التعليمية والنفسية الملائمة للأسر التي بها أطفال معاقين، وأن يعمل على تحسين الخدمات الإرشادية والتعليمية للآباء، ويكون هناك تعاون تام بين الآباء والمدرسين لكي نساعد الطفل على إنماء طاقاته الكامنة. 

ب- على المجتمع أن يضع في خططه لدمج الأطفال المعاقين داخل المجتمع، وتنفيذ البرامج الموضوعة من أجل تحقيق وذلك لتخفيف عزلتهم، وتيسير المشاركة الكاملة في كل جوانب الحياة. 

ج- من الاعتبارات الهامة العمل على دمج الأطفال شديدي ومتعددي الإعاقة في أنشطة المجتمع وقت الفراغ، فهذه الأنشطة يمكن أن تكون بمثابة السبيل نحو حياة عادية لهؤلاء الأشخاص. هذا بجانب تشجيع الأنشطة التي يشترك فيها الأشخاص المعاقون مع الأسوياء. 

د- على المجتمع تشجيع قيام المنظمات التطوعية التي تهدف نحو مساعدة الآباء والأمهات في كيفية التعامل مع أبنائهم المعاقين، وتوفير وتنظيم دورات التدريب المهني للمعاقين لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع. 

هـ- ينبغي أن تعمل الجهات المعنية على توفير أكبر عدد من الوظائف للأشخاص المعاقين وتشجيع ذلك. وفي بعض الحالات فإنه من الضروري توفير فرص عمل مخصصة للمعاقين لتيسير توظيفهم كالمصانع الآمنة أو المجهزة للأشخاص المعاقين. لأنهم في حاجة إلى عون خاص، ويتوقعون أن يلعب الآخرون في المجتمع دوراً فعالاً كي يشركوهم في العملية الإنتاجية، فإذا ما فعلوا ذلك فهم يتيحون لهم البداية لحياة لها معنى وهدف يعيشون من أجله. 

ز- لا بد من تدريب أشخاص من المجتمع المحلي ومن أسرا لمعاقين، بواسطة متخصصين في مجالات الإعاقات المختلفة (سمعية، بصرية، ذهنية،حركية ) مما يساعد على زيادة التكيف السلوكي والمهارات السلوكية لدى الأطفال المعاقين وتعديل اتجاه أولياء أمور الأطفال المعاقين تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه.

ختاماً: مع التسليم بأن هناك فروقاً فردية، قد تكون مبرراًً لعزل الأطفال المعاقين إعاقات معقدة في مدارس خاصة، فإن هذا لا يتناقض مع سياسة دمج الأطفال الآخرين في المدارس العادية، لأن الهدف من الدمج أساساً هو العمل على تقليل هذه الفروق، وكذلك هناك ضرورة لإجراء الدمج من أجل تحقيق التطور والتنمية للأشخاص المعاقين، هذا التطور المرغوب فيه هو في الواقع مازال محدوداً بسبب عدم إتاحة النظام المدرسي العادي الفرصة للأطفال المعاقين كي يندمجوا لينسجموا ويتغلبوا على هاجس الإعاقة، فهؤلاء الأطفال يستبعدون دوماً من المدرسة العادية لكونها لا تناسبهم وبالتالي تفشل في تأمين حاجاتهم، وهذا لا يعد فشلا للطفل المعاق بقدر ما هو فشل للمدرسة.

لهذا فمن الضروري أن نعمل من خلال سياسة الدمج على إعادة تنظيم المدارس بهدف إنشاء مدرسة عامة توفر مختلف أشكال التعليم التي تتلاءم مع القدرات المتباينة والاحتياجات الخاصة لأفراد المجتمع داخل نظام تعليمي واحد يلبي احتياجات الكل.

—————-

المصدر منتدى علم النفس

-- خاص للسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*