الإثنين , 23 يناير 2017
الرئيسية » مناقشة الشبهات » الغلاة .. وخسران العمل
الغلاة .. وخسران العمل

الغلاة .. وخسران العمل

 (من أبرز ما يُدلِّس به الغُلاة على أتباعهم تعلُّقهم بالظاهر ببعض العبادات، ورفعهم لشعارات دينية، وتلَبُّسهم بمعانٍ شرعية، فتَجِدُ أحد الأتباع عندما تنتقد أفعال وجرائم ومناهج الغلاة يقول: فلان يفعل كذا، ويعمل كذا، وترك بلده ووطنه وماله للجهاد، ورأيته يفعل ويفعل، وسمعت عنه كذا وكذا من أنواع التعبُّد والتنسُّك. فهذه الأعمال مع تنوعها لا تدل على صحة المنهج والسلوك، ولا على صحة العبادة ذاتها، فالجهادُ وإن كان عبادة عظيمة لكن له شروط وأحكام، والعبادات وإن كثرت لا بُدَّ أن تكون صحيحة وسليمة ولا عبرة بالشعارات والادعاءات، إنما العبرة بموافقة هذه الأعمال الشرع والأصول العلمية).

 (ألا وإنَّ ضلالَ السعيِ ضروبٌ وألوان لا يكاد يحدُّها حدّ أو يستوعِبها بيان، غير أنَّ من أقبحها وأشدِّها نُكرًا وأعظَمِها ضَررًا شقَّ عصا الطاعة، ومفارقةَ الجماعة، والتردِّي في حمأة التمرُّد والعِصيان واستباحةِ الدِّماء المعصومةِ، وقتلِ النفس التي حرَّم الله قتلَها إلا بالحق، بالتأويلات الباطِلةِ والآراءِ الفاسدة المدخولة والفتاوَى الخاطِئة المغرِضة، التي لا تستنِد إلى دليلٍ صحيح ولا ترجِع إلى فقهٍ ولا نظرٍ سليم قويم).

هذه مقتطفات من خُطْبَةٍ لفضيلة الشيخ أسامة خياط –وفقه الله – يُسَلِّطُ الضوء على خُسران العمل وبطلانه، وعَدم الاغْتِرَارِ بكثرة الأعمال والشعارات.

إنَّ الحذَرَ من خُسران العمل والنّفرةَ من ضَلالِ السَّعْيِ نهجُ أولي الألباب، وسبيلُ عباد الرحمن، وطريقُ الرّاسخين في العِلم، يبتَغون به الوسيلة إلى ربهم، ويرجون به الحُظْوةَ عندَهُ ونزولَ دار كرامته إلى جوارِ أوليائه والصفوةِ مِن خلقه؛ لأنهم يستيقِنُون أن سعادةَ المرء هي في توفيقِ الله له إلى إصابةِ الحقِّ، ولزوم الجادّةِ، والاهتداء إلى الصراطِ المستقيم، والسلامةِ من العِثَار والنجاةِ من الزّلَل بعبادةِ الله على بصيرةٍ، والازدلاف إليه بما شرَعَه –سبحانه- مما أنزله في كتابِه أو جاءَ به رسوله صلى الله عليه وسلم.

ففي هذا صيانَةٌ للعبد ووقايةٌ له من أن يُضَمَّ إلى زمرةِ الأخسرين أعمالًا الذين نبَّأنا –سبحانَه- بأحوالهم، وأوضَحَ حقيقتَهم بقولِه عزَّ اسمه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]، وهم -كما رجَّحَ العَلَّامة الإمام ابن جرير رحمه الله-: كلُّ عامِلٍ عملًا يحسَبه فيه مصيبًا، وأنّه لله بفعلِه ذلك مطيعٌ مرضٍ له، وهو بفعلِه لله مُسخِط، وعن طريق الإيمان به جائِرٌ من أهلِ أيِّ دينٍ كان. وبنَحْوِ هذا أيضًا قال العلَّامة ابن كثير -رحمه الله-.

فهو تَعْبِيرٌ ربَّانيٌّ عن حال أولئِك الفاشلين في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فهم يخدَعون أنفسَهم باعتقادٍ لا يُسْنِدُهُ واقِعُهم، ولا يَشْهَدُ له حالُهم، ولا تُصَدِّقُهُ أعمالهم.

ألَّا وإنَّ ضلالَ السعيِ ضروبٌ وألوان، لا يكاد يحدُّها حدٌّ أو يستوعِبها بيان، غير أنَّ من أَقْبَحِهَا وأَشَدِّهَا نُكرًا وأعظَمِها ضررًا شقَّ عصا الطاعة ومفارقةَ الجماعة، والتردِّي في حمأة التمرُّد والعِصيان واستباحةِ الدِّماء المعصومةِ، وقتلِ النفس التي حرَّم الله قتلَها إلا بالحق بالتأويلات الباطِلةِ والآراءِ الفاسدة المدخولة، والفتاوَى الخاطِئة المغرِضة التي لا تَسْتَنِدُ إلى دليلٍ صحيح، ولا ترجِع إلى فقهٍ ولا نظرٍ سليم قويم.

ومن ذلك ما حدَثَ من جرائم للغلاة مما جاء لكم خبرُه واتّصل بكم نبَؤُه فأحدَث شرًّا مستطيرًا، لا يمكن لمؤمن صادقٍ يحذَر الآخرةَ ويرجو رحمةَ ربِّه أن يقبلَ به أو يدعوَ إليه أو يحضَّ عليه، كلا والله لا يمكن ذلك أبدًا؛ إذ متى كان القتلُ والترويعُ أمرًا مشروعًا في هذا الدِّين الذي يقول كتابُه المنزَّل:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…} الآية [المائدة:32]؟! ومتى كان البَغيُ والعُدْوان على الناس مسلِمِهم ومستأمَنِهم طريقًا إلى رِضوانِ الله وسبيلاً إلى جنَّاتِهِ؟!

ومَنِ المُنْتَفِعُ بهذه الأعمالِ على الحَقِيقَةِ يا عباد الله؟! وكيف يرضَى أحد لنفسِه أن ينقلبَ إلى أداةٍ بيد أعداءِ دينِه وخصوم وطنِه وأمّته، يبلغون بها ما يريدون من الشَّرِّ والخَبالِ، وهم قارُّون مَوفُورون لم يمسَسهم سوء؟ وكيف لا تقَرَّ أعينُ هؤلاء الموتورِين وهم يرَونَ من يُقاتل عنهم ويضرِبُ بسلاحِهم ويتحيَّز إلى فئتهم؟!

ألم يحذِّرنا ربُّنا من طاعة الشيطان واتِّباع خطواتِه فقال عز من قائل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6]، وقال –سبحانه-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}[البقرة:208]؟! وما عسى أن يكونَ هذا العمل وأمثالُه مما سبقَه؟!ما عساه يكون إن لم يكن موالاةً للشيطان وطاعةً له واتّباعًا لخطواته؟!

عبادَ الله، إنَّ لِنِيرانِ الحقدِ ضِرامًا تطيش معه العقول وتصمُّ الآذان وتعمَى الأبصار، فلا ينتفِع صاحبه بعَقْلِه ولا بسَمْعِه ولا ببصره، لا ينتفع بعقلِه حين لا يضَع الأمورَ في نِصابها ولا يتفكَّر في مآلها ولا ينظر في عواقِبِها، ولا ينتفع بسمعه حين يصم أُذنَيه عن سماع النصح ويولِّي مستكبرًا معرِضًا عن قَبول التّذكير الذي ينفَع المؤمنين، ولا ينتفِع ببصرِه حينَ يغلِق عينَيه عن النَّظر إلى البيِّنات والهدى الذي يبصِر به طريقَ الحقّ، هنالك تكون العاقبة شرًّا ووبالاً عليه وخسرانًا، يبوء به وضلالَ سعيٍ لا يغادِره ونهايةً تعِسةً مظلِمة خائبة تنتظِره.

إن الحِقدَ لن يكون مطيّةً إلى الخير ولا طريقًا إلى الرَّشَد ولا سببًا إلى نفعٍ عاجل أو آجِل، وما هو إلا مركَب مآلُ راكِبِه الغَرَق هو ومن مَعه، بغير أسَفٍ عليه ولا ذكرٍ حسَن له ولا ثناءٍ جميل عليه، وإنها لعَاقبةٌ يا لها من عاقبة، وإنه لمآلٌ يا له من مآل، وقانا الله جميعًا شرَّ ذلك المصير، وجنَّبنا أسبابَ سخطه، وختَم لنا بخير، آمين آمين.

ألا وإنَّ من مقتضياتِ الإيمان الحقِّ ومن حقوقِ الأخوَّة الصادقة تضافر كلِّ الإخوةِ في الدِّين، في جميعِ أقطارهم وفي كافَّة دِيارِهِمْ، وعلى مختَلف فئاتهم الرَّسمية والشعبيَّة في الوقوفِ صفًّا واحدًا مع هذهِ البلاد الطيِّبة المباركة التي تتعرّض لهذا العدوانِ الجائر، وهذا الظّلم السافِر الذي يَأْبَاهُ الله ورسولُه وصالح المؤمنين في كلّ الديار وفي جميع الأمصار في مشارقِ الأرض ومغاربها إنكارًا لهذا المنكَر الذي يجب إنكارُه؛ كما يجِب إنكارُ جميع المنكرات، وتحقيقًا للمَثَل النَبَوِيِّ الرَّفِيع الذي وصَفَ به رسولُ الهُدَى -صلى الله عليه وسلم- واقعَ المؤمنين الصّادقين بقولِه -عليه الصلاة والسلام-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» أخرجه الشيخان في صحيحيهما(1).

وفي الصَّحِيحين أيضًا عن أبي مُوسَى الأشعريِّ -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ(2).

ويتأكَّدُ وجوبُ هذه الوَقْفَةِ المُتضَامِنة بتَذَكُّر ما كان لهذهِ البلادِ على جميع المستويات الرسميةِ والشعبية من وقفاتٍ إسلامية ثابتَة دائمة مع الإخوةِ في الدِّين في مختلفِ ديارهم في جميعِ الشدائد وفي كلِّ الأزمات؛ مما هُوَ معلوم مشهور، ليس في الإمكانِ جَحده ولا إنكارُه، وقد قال ربُّنا –سبحانه-: {وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:237]

المُلقي : فضيلة الشيخ الدكتور: أسامة بن عبدالله الخياط.

—————————————————————-

(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم (481)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم (2585).

(2) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم (6011)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم (2586).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*