شبهة أن الحكام قد حكموا بغير ما أنزل الله
يبرر الغلاة في خروجهم عن طاعة ولاة الأمر بأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون، فيعملون فيهم وفي المسلمين بالسيف، لكونهم كفاراً أو راضون وحامون للكفر.
فهل شبهتهم هذه مُسلَّمة، ودليلهم فيها مستقيم لا عوج فيه، لنقف مع هذه الشبهة عبر هذه النقاط:
الأولى: أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ليس على صورة واحدة، فلو كان على صورة واحدة؛ ووجه واحد؛ وحكم واحد؛ لما كان لورود الظلم والفسق في بقية الآيات معنى، كما عند قوله تعالى: (..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة : 45] وقوله: (..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة : 47]، والظلم والفسق ليس داخلاً في الكفر إلا من جهة العموم والخصوص الوجهي، فهما مفترقان لفظاً ومعنى، هذا لو اعتبرنا أن الكفر الوارد في الآية المراد به الكفر الأكبر فرضاً، مع أن الآية قد فسرها حبر الأمة وترجمان القرآن والصحابي الجليل عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما -الذي هو أعلم الصحابة بتفسير القرآن- على أن المراد بالكفر في الآية هو الكفر الأصغر وليس الأكبر.
فعن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-في قوله - عز وجل-:{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44] قال: «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه».
وفي رواية: « إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} كفر دون كفر».
أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (4/1482/749-تكملة) ، وأحمد في «الإيمان»([11]) (4/160/1419) -ومن طريقه ابن بطة في «الإبانة» (2/736/1010)-، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (2/521/569) ، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (4/1143/6434-ط الباز)، وابن عبد البر في «التمهيد» (4/237) ، والحاكم (2/313)- وعنه البيهقي (8/20)- عن سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس به.
قال الحاكم : «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
قال الشيخ الألباني- رحمه الله- في «الصحيحة» (6/113): « وحقِّهما أن يقولا: على شرط الشيخين؛ فإنَّ إسناده كذلك. ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في «تفسيره» (6/163) عن الحاكم أنه قال: «صحيح على شرط الشيخين»، فالظاهر أن في نسخة «المستدرك» المطبوعة سقطاً ، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم- أيضاً- ببعض اختصار».
ويورد الغلاة تشغيباً على صحة الرواية عن ابن عباس؛ فإن أبوا إلا تضعيف الأثر-وهم مخالفون للجهابذة من المحدثين- فقد صح عن اثنين من أصحاب ابن عباس وهما:
1. طاووس.
2. وعطاء.
صرَّحا بأن المراد بالكفر في الآية الكفر الذي لا ينقل عن الملة، (انظر ما رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (2/520)، وابن جرير في تفسيره - (10 / 355).
كما لم يفهم أحدٌ من العلماء من كلام ابن عباس -رضي الله عنه- أنه يريد بهذه الرواية الكفر الأكبر.
فهذا يغلِّب إرادة الأصغر فإن أقوال أصحاب الرجل توضِّح قوله، ومذهب الصحابيِّ يؤخذ من مذهب أصحابه.
وثمَّ أمر آخر وهو: أن ابن عباس -رضي الله عنهما- أورد كلامه في مقابل قول الخوارج الذين يكفِّرون بالآية الكفر الأكبر؛ فلا وجه لكلام ابن عباس إلا أن يكون المراد عنده الكفر الأصغر.
وقد ذهب إلى أن الآية واردة في الكفر الأصغر ثلة من العلماء الكبار؛ واعتبروا أن الاستدلال بها في الكفر الأكبر مذهب الخوارج، وهو ما يوافق استدلال ابن عباس رضي الله عنهما لها.
فمنهم إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، إذ قال إسماعيل بن سعد في "سؤالات ابن هاني" (2/192): "سألت أحمد: ? وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?، قلت: فما هذا الكفر؟ قال: "كفر لا يخرج من الملة"
ولما سأله أبو داود السجستاني في سؤالاته (ص 114) عن هذه الآية؛ أجابه بقول طاووس وعطاء المتقدمين.
وقال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله في "تعظيم قدر الصلاة" (2/520): ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين؛ إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل، لا ينقل تركه عن ملة الإسلام، من ذلك قول ابن عباس في قوله: ? وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ?.
وقال (2/523) معقباً على أثر عطاء:- "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم وفسق دون فسق"-: وقد صدق عطاء؛ قد يسمى الكافر ظالماً، ويسمى العاصي من المسلمين ظالماً، فظلم ينقل عن ملة الإسلام وظلم لا ينقل".
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: التمهيد - (17 / 16) وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله عز و جل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.
وقال الإمام الآجري رحمه الله: في كتاب الشريعة (1 / 24) ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . ويقرؤون معها : (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق؛ قالوا : قد كفر. ومن كفر عدل بربه، فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية.
بل نقل الإمام ابن عبد البر الإجماع على أن الجور في الحكم من الكبائر؛ إذ قال رحمه الله: التمهيد - (5 / 74) وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به، رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف، وقال الله عز و جل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (والظالمون) (والفاسقون) نزلت في أهل الكتاب،
قال حذيفة وابن عباس: وهي عامة فينا، قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء..انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (7/312): "وإذا كان من قول السلف: (إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق)، فكذلك في قولهم: (إنه يكون فيه إيمان وكفر) ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملّة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتّبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة".
ونكتفي بهذه الأقوال لهؤلاء الأئمة العظام، وفيهما مستكفى لمن أراد الهداية في هذه المسألة، وإن كنا قد تركنا أكثرهم لأن القصد هو إقامة الحجة وبيان المحجة، وإلا فمن لم يصغ للحق وأذعن له؛ فلا يزده إيراد الأقوال إلا ضلالا وغياً.
الثانية: أن مدار الغلاة في تشغيبهم على بلاد الحرمين الشريفين، والتي شهد لها العلماء الثقات المعاصرون بأنها تحكم بالشريعة الإسلامية، وأقرت الدولة نفسها في أنظمتها الأساسية بأن مرجعها الكتاب والسنة، وبذلك نطق جميع حكامها، فهل يُترك هذا اليقين وهذا الإقرار بظنون كاذبة وأوهام فاسدة وتتخذ ذريعة لاستحلال الدماء المحرمة المعصومة.
وفيما يلي أنقل بعض تلك الشهادات العلمية من العلماء ليتضح الحق لكل طالب له:
قال مفتي عام المملكة العربية السعودية الإمام محمد بن إبراهيم -رحمهُ اللهُ-: " والحكومة بحمد الله دستورها الذي تحكم به هو كتاب الله وسنه رسوله وقد فتحت المحاكم الشرعية من أجل ذلك تحقيقا لقول الله تعالى : {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}. فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم(12/288)
وقال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمَهُ اللهُ- : " وهذه الدولة السعودية دولة مباركة نصر الله بها الحق, ونصر بها الدين, وجمع بها الكلمة, وقضى بها على أسباب الفساد وأمن الله بها البلاد, وحصل بها من النعم العظيمة ما لا يحصيه إلا الله, وليست معصومة, وليست كاملة, كل فيه نقص فالواجب التعاون معها على إكمال النقص, وعلى إزالة النقص, وعلى سد الخلل بالتناصح والتواصي بالحق" مجموع فتاوى ابن باز (9 / 98)
وقال الشيخ العلامة الفقيه محمد الصالح ابن عثيمين -رحمه الله-:ونحن في هذا البلد -ولله الحمد- كما قال السائل بلد آمنة ومطمئنة، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وهي من خير ما نعلمه في بلاد المسلمين تطبيقاً للشريعة، وهذا أمر مُشاهد، ولا نقول: إنها تامة مائة في مائة، بل عندهم قصور كثير، ويوجد ظلم، ويوجد استئثار، لكن الظلم إذا نسبته إلى العدل وجدت أنه لا شيء، ومن الظلم أن ينظر الإنسان إلى الخطأ، ويغمض عينيه عن الصواب، فإذا كان كذلك فالواجب أن الإنسان يحكم بالعدل لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [النساء:135] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8] وشنئان يعني: بغض، ويجرم بمعنى يحمل -أي: لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:8]. فأقول: إننا -ولله الحمد- في بلاد آمنة ولله الحمد والمنة، وهي خير ما نعلمه في بلاد المسلمين في تطبيق الشريعة. لقاءات الباب المفتوح - (32 / 8)
و يقول الشيخ رشيد رضا في مجلته المنار : "وأما معيد هذه النهضة -أي إحياء مذهب أهل السنة والجماعة الذي كان عليه السلف الصالح- ومجدد دولتها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود فهو على شدة تمسكه بالسنة ونشرها واسع الصدر عارف بحاجة الأمة العربية والشعوب الإسلامية إلى التعاون" عناية الملك عبد العزيز بالعقيدة السلفية ودفاعه عنها (ص/27)
وقال الشيخ محمود شكري الألوسي – رحمه الله – لما عاد من نجد : (وأما ما يكذب عليهم سترا للحق، وتلبيسا على الخلق، بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس له شفاعة وأن زيارته غير مندوبة، وأنهم لا يعتمدون أقوال العلماء ... فكل ذلك زور عليهم وبهتان وكذب محض من خصومهم أهل البدع والضلال، بل أقوالهم وأفعالهم وكتبهم على خلاف ذلك كله. فمن روى عنهم شيئاً من ذلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، ومن شاهد حالهم وحضر مجالسهم وتحقق ما عندهم علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه عليهم وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله على أنه لا يغفره). تاريخ نجد : 49-50.
و قال الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي رحمه الله -القاضي بالمحكمة الشرعية بقطر-: (وبفضل ما اتصفت واشتهرت به الدولة السعودية من التوحيد، وتحكيم الشرع المبين، وإقامة شعائر الإسلام، وإقامة الحدود الشرعية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العدل والأمان، وتمسكها بالسنة الصحيحة والقرآن ومحاربة أهل البدع، والاهتمام بالعلم والتعليم، ونشر المدارس والمعاهد والكليات في سائر أرجاء المملكة العربية السعودية). الشيخ محمد بن عبد الوهاب : 12.
وهذه الأقوال كافية من هؤلاء العلماء الثقات لإثبات تحكيم هذه الدولة المباركة للشريعة، وبيان حالها.
وأما من لم يقنع بأقوالهم فلأنه قد ركب هواه (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله).
النقطة الثالثة-وهي على جهة الاختصار-: بأنه لو سلمنا جدلاً –وغير مُسَلِّمين قطعاً- بأن الحكام كفرة، لكونهم حكموا بغير ما أنزل الله؛ فقد قرر العلماء بأنه لا يجوز إزاحة مفسدة بمفسدة أعظم منها، والواقع والتاريخ شاهد بأنه لم يحدث خروج على حاكم إلا وكان من الفساد الذي حصل من جراء ذلك الخروج أعظم من مفاسد ذلك الحاكم.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مُشيراً إلى شيءٍ من التلازم بين الخروج والمفسدة ( المنهاج 3/391 ) :" ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته " انتهى .
وقال العلامة الشيخ ابن باز - رحمه الله - ( فتاواه 8/203 ) :" . . . إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان : فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة , أما إذا لم يكن عندهم قدرة : فلا يخرجوا . أو كان الخروج يُسبّب شراً أكثر : فليس لهم الخروج ؛ رعايةً للمصالح العامة .
والقاعدة الشرعية المُجمع عليها أنه ( لا يجوز إزالة الشرّ بما هو أشرّ منه ) ؛ بل يجب درء الشرّ بما يزيله أو يُخفّفه . أما درء الشرّ بشرٍّ أكثر : فلا يجوز بإجماع المسلمين .
فإذا كانت هذه الطائفة - التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً - عندها قدرة تزيله بها وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشرّ أعظم من شرّ هذا السلطان : فلا بأس ,
أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحقّ الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم : فهذا لا يجوز . . . " انتهى .
وفي هذا القدر كفاية لإزالة هذه الشبهة التي يتعلق بها الغلاة في استحلال دماء المسلمين وينتهكون بها أعراضهم.














ارسل إلى صديق
طباعة الصفحة
نسخة نصية
حفظ بصيغة PDF
حفظ بصيغة WORD
اضف إلى المفضلة