الجمعة , 24 فبراير 2017
الرئيسية » مناقشة الشبهات » رد شبهة الغلاة للخروج بتعدد الدول وتعدد الحكام
رد شبهة الغلاة للخروج بتعدد الدول وتعدد الحكام

رد شبهة الغلاة للخروج بتعدد الدول وتعدد الحكام

يتداول الغلاة مسألة تعدد الولاة والحكام وتعدد الدول ضمن آسبابهم ومبرراتهم للخروج ونزع الطاعة والبيعة .
– ورد ذلك فيما يلي من أمور:
الأمر الأول: الأولى من الخروج بحجة الحاصل الآن: العودة إلى روح الشرع وأصوله، فإن الاعتصام بالكتاب والسنة، والعمل على عدم بث الفرقة والفتنة، والتعاون على البر والتقوى، وإحلال الأمن والأمان في المجتمع المسلم، وعدم ترويع الآمنين، وعدم الإفساد في الأرض، كل هذا أولى من الخروج المحرم فالخروج يعني ارتكاب كبائر وجرائم .
الأمر الثاني: اقرؤوا قول الحق سبحانه: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾.
فإن عدم العمل بهذه النصوص وتجويز الخروج يترتب عليه مفاسد عظيمة؛ الأمر الذي لا يجيزه أهل السنة، فهم يجيزون أن يسمعوا لكل حاكم في المعروف بغض النظر عن كون الأمة دويلات، فتكون الطاعة في حدود حكمه أي دولته، وأن يتعاونوا معه على البر والتقوى، ونصرة المظلوم، وردع الظالم،… إلى غير ذلك مما يجب على ولاة الأمور.
ولنا في ذلك أثر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقد قال: « إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدا منكم، فإذا مررتم براعي الإبل فنادوا يا راعي الإبل، فإن أجابكم فاستسقوه وإن لم يجبكم فأتوها فحلوها واشربوا، ثم صروها» قال البيهقي: هذا عن عمر رضي الله عنه صحيح بإسناديه جميعًا(11).
فهذه الوصية من الفاروق تدل على أن الظروف لو ألجئت جماعة المسلمين إلى أن يؤمروا عليهم أميرًا منهم، وبالتالي سيتعدد الأمراء كما هو حاصل الآن، فيكون الحال السمع والطاعة لهذا الأمير، على حسب ما جاء في تربية النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ لأمته في حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ موعظة ذرفت منها العيون، ووجَلَتْ منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذا لموعظة مودع، فإذا تعهد إلينا قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، عضوًا عليها بالنواجذ»(12).
أوليس تقسيم الأمة إلى دول من جملة ما قاله نبينا عليه الصلاة والسلام: « ومن يعشْ منكم فسيرى اختلافا كثيرا» ؟ ولم يترك نبينا عليه الصلاة والسلام الأمر هكذا وإنما أردف بالعلاج الذي منه: « وعليكم بالطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًا ».
الأمر الثالث: تكلم العلماء الثقات عن قضية تفرق الأمة إلى دويلات، وكان المتفق عليه بينهم أن كل إمام على قُطْر له حكم الإمام الواحد على الأمة، وذلك كما يلي:
1- قال الإمام ابن تيمية: «والسنة أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد، والباقون نوّابه، فإذا فُرِض أن الأمة خرجت عن ذلك- لمعصية من بعضها، وعَجْزٍ من الباقين – فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق»(13).
وهذا الكلام من شيخ الإسلام يقابله ما انطوى فيه من وجوب طاعته، وعدم الخروج عليه؛ لأنه وجب عليه أن يحكم بين الناس ويستوفي الحقوق، قتأمل كلامه رحمه الله.
2- قال الأمير الصنعاني في شرح قوله ‏صلى الله عليه وسلم‏: « من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات؛ فَمِيتته جاهلية » قوله: « عن الطاعة »: أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجماع عليه، وكأنَّ المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذْ لم يجتمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلَّت فائدته»(14).
3- قال الإمام الشوكاني: بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار- الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهله؛ كان الحكم فيه أن يُقْتل، إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانه، ولا يُدرى من قام منهم أو مات، فالتكاليف بالطاعة –والحال هذا– تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فاعرف هذا، فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودعْ عنك ما يقال في مخالفته؛ فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام، وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يُخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها(15).
وكأن الشوكاني في ختام كلامه يخاطب المغالي ويوصيه بالفهم وعدم مخالفته، ويكثر من حثه بما هو أوضح من شمس النهار من فروق بين ما كانت عليه أمة الإسلام أولا وما صارت إليه آخرًا.
وقد أعجبني تعليق على كلام الشوكاني الذي يفيد: أن طاعة الإمام الواحد غير ممكنة لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانه، ولا يُدرى من قام منهم أو مات، فالتكاليف بالطاعة – والحال هذا – تكليف بما لا يطاق.
فقال: وما ذكره الإمام الشوكاني من علة في ذلك الأمر منتفٍ الآن؛ لسهولة الاتصال بأطراف العالم في أقل زمن وتكلفة، لكن بقي أمر العجز عن الاجتماع، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فبقي الحكم قائمًا أيضًا، والله أعلم(16).
4- وقد تكلم على مسألة تعدد الدول علماء الإسلام من المعاصرين منهم:
(أ) الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: سمى الحكومات بأنها حكومات مؤقتة للضرورة، ولها السمع والطاعة، فإن زالت الضرورة وجبت الوحدة، فقد قال: إن جمهور المسلمين أجمعوا على أن تعدد الإمامة الإسلامية غير جائز، ومقتضاه أن الحكومة الإسلامية التي تتعدد للضرورة وتعذر في ترك اتباع الجماعة هي حكومة ضرورة، تعتبر مؤقتة وتنفذ أحكامها، ولكن لا تكون مساوية للأولى، وإن كانت مستجمعة لشروط الإمامة مثلها، وظاهر القول الآخر الذي عدوه شاذًا أنها إذا كانت مستجمعة للشروط كانت إمامة صحيحة، وهذا هو التعدد الحقيقي، ولكن لم يختلف اثنان في أنها للضرورة، فإذا زالت وجبت الوحدة(17). وأسهب رحمه الله في الكلام على هذه «الضرورة» وتأسى وتحزن على أنها شقت وحدة المسلمين.
(ب) وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: “الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبد الله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام، وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه، ويبايعونه، ويدْعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاقٌّ لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة، ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم.. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: « اسمعوا وأطيعوا؛ وإن استعمل عليكم عبد حبشي»…”(18).
فهذه أقوال أئمة من عصورنا الحديثة، وسبقهم كلام للعصور السالفة، أدركنا جميعًا بعد قراءتنا لها أن الأمة سلفًا وخلفًا اهتموا بوحدة هذه الأمة، ووجدوا لها المخرج الشرعي عند تفرقها إلى دويلات، فلِمَ العناد والتكبر من المغالين مع وضوح الدلائل والعبارات، أنت معي أنهم يبحثون عن مأرب سياسي، وظهر لنا أن هذا المأرب طبقوه في الصحراء وفي بطون الجبال، فمع تفرقهم إلا أن لكل جماعة منهم أميرا يسوسهم، ويعطيهم الأوامر، ويمدهم بالقنابل، فالذي من أجله خرجوا، هم فيه قد وقعوا.

للإطلاع على سلسلة الرد على الشبهات ، فضلاً قم بزيارة الرابط التالي:
سلسلة مناقشة الشبهات – 7 – شبهة الخروج على الحاكم وتبريره بكفره وتعدد الدويلات
————————

*******
الهوامش:
(11) انظر: سنن البيهقي الكبرى (9/359).
(12) انظر: المستدرك على الصحيحين (1/175، رقم: 331).
(13) انظر: مجموع الفتاوى (34/ 175- 176).
(14) انظر: سبل السلام (3/499).
(15) انظر: السيل الجرار (4/512).
(16) انظر: التفجيرات والاغتيالات (ص 115) لأبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني.
(17) انظر: كتاب الخلافة (ص 59).
(18) انظر: الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية (ص 81 – 82).

–***—***—

الكاتب:الشيخ الدكتور/ عثمان بن عبدالرحيم  القميحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*