السبت , 27 مايو 2017
الرئيسية » مناقشة الشبهات » مناقشة شبهة : تعطيل الجهاد واستهداف المجاهدين
مناقشة شبهة : تعطيل الجهاد واستهداف المجاهدين

مناقشة شبهة : تعطيل الجهاد واستهداف المجاهدين

يردد الغلاة ضمن شبهاتهم وطرحهم الفكري في تبرير تكفير الحكام والدول والأنظمة وما يتعلق بها من جند ومصلحين وناصحين وعلماء : أن هذه الأنظمة عطلت الجهاد وتلاحق المجاهدين.
ومناقشة ذلك من وجوه :
1- الكلام في الجهاد لمن في الثغور وليس في القصور
الجهاد حكم شرعي، والأحكام الشرعية، إنما يتكلم فيها أهل العلم، فالعالم يتكلم عن أحكام الزكاة مثلا، وإن كان فقيرا، وصاحب الأموال الكثيرة لا يجوز أن يتكلم بأحكام الزكاة، إذا كان جاهلا.
وهكذا الجهاد هو حكم شرعي، يتكلم فيه أهل العلم، وإن كانوا في بيوتهم ومساجدهم، ولا يتكلم عن أحكامه الجهال، وإن كانوا في مواقع القتال.
2- شروط وضوابط الجهاد
الجهاد له شروطه وضوابطه، والدعوة إليه موكولة لولي الأمر، وهي من اختصاصه، وليست لآحاد الرعية، ولا لشيخ، ولا لخطيب مسجد، وقد قال النبي: “الإمام جُنّة، يُقاتل مِن ورائه”، وقال ابن قدامه في المغني: “وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك”.
فالذي يلزم الرعية، هو طاعة الإمام، فيما يراه محققا للمصالح الشرعية، وليس لهم الافتئات عليه، أو الذهاب إلى أماكن الصراع بدون إذنه، فضلا عن منازعته الأمر، واتهامه بتعطيل الجهاد.
والجهاد الشرعي، الذي يكون تحت راية ولي أمر المسلمين، للدفاع عن دينهم وبلادهم، لم يُعطّل، فها هم جنودنا البواسل، على حدود وطننا –المملكة العربية السعودية- يُدافعون عن الدين والوطن والحرمات.
وأما ما تفعله التنظيمات الجاهلة، من تفخيخ للشباب الصغار بالأحزمة الناسفة، والسيارات المفخخة؛ ليقتلوا أنفسهم وأهليهم، ويزعزعوا أمن وطنهم، فليس ذلك من الجهاد في شيء، وإنما هو بغي وعدوان، وإجرام وإفساد، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء والشعارات.
3- قمع المجاهدين
نقول: أما المجاهدون: الذين يدافعون عن دينهم ووطنهم، تحت راية ولي أمر المسلمين، فهؤلاء لهم المكانة العالية، والسمعة الطيبة، والتقدير البالغ، من الراعي والرعية، وهذا أمر معلوم لا حاجة للتفصيل فيه، ونرجو أن ما عند الله لهم خير وأبقى.
وأما الذين يُفجرون المسلمين: بأحزمة ناسفة، وسيارات مفخخة، ويزعزعون الأمن، ويُثيرون الرعب في بلاد المسلمين، ومساجدهم، فما هؤلاء بمجاهدين، وإنما هم مفسدون في الأرض، لهم خزي في الحياة الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إن لم يتوبوا.
4- الجهاد لا يقتصر على القتال فقط
الجهاد أعم من ذلك، فهو يشمل كذلك جهاد النفس: على تعلم العلم، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.
ويشمل: جهاد الشيطان: بدفع ما يلقيه الشيطان من خُطوات، تؤدي إلى الغلو في الدين، وسلوك مسلك الخوارج، أو الانفلات من الدين، وسلوك مسلك أهل الشهوات.
ويشمل: جهاد أهل الأهواء والبدع: بالرد عليهم، وكشف شبهاتهم، وإقامة الحجة عليهم، كما قال تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، أي: بالقرآن.
ومن الجهاد في سبيل الله: طاعة الوالدين، والإحسان إليهما، كما في قوله: “ففيهما فجاهد”، فما بال هؤلاء الذين يدعون حب الجهاد، لا يُجاهدون في طاعة والديهم؟! لماذا يخرجون إلى أماكن الصراع، بدون إذن والديهم، ويُذيقون والديهم أصناف الهموم والغموم والعذاب والأمراض؟
ألم يعلموا أن رجلا رغب الجهاد مع النبي، وتحت رايته -وليس تحت راياتِ تنظيمات عِمِّية- أمره رسول الله أن يرجع إلى والديه، اللذين خلفهما يبكيان، وقال له: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما.
هذه نصوص واضحة محكمة في شأن الجهاد، لكن أهل الزيغ، ممن يزجون الشباب إلى أماكن الصراع، أعرضوا عنها، وصاروا يبحثون عن المشتبهات في كلام العلماء، ليُعارضوا بها المحكم من كلامهم، بل ويُعارضون بها الأدلة الشرعية.
ومن ذلك: نقلهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه قال في بعض كتبه: “لا يشترط إذن الوالد والغريم”، وكذا نقلهم عن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب: أن القول: أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع، يُعدّ من الفرية في الدين.
وهذان النقلان، لا حُجة فيهما لمن أراد تهييج الشباب على والديهم، وولاة أمرهم، وبلادهم.
فالنقل الأول: يتحدث فيه شيخ الإسلام عن الفرض العيني، وهو ما إذا دهمه العدو، أو حضر في الصف، أو استنفره الإمام، وهذا لا واقع له الآن..
فها هي بلادنا المملكة العربية السعودية، تحارب الأعداء الآن على حدودها، ومع هذا فليس المشاركة في القتال فرض عين على كل مواطن قادر، فكيف يكون فرضَ عين في بلاد بعيدة عنا، لها حدودها، وجيوشها، وراياتها العِمّية؟
ثم إن بعضا من هؤلاء الذين يذهبون إلى تلك البلاد، يرجع يُقاتل أهله ووطنه، فأين الجهاد؟
وكيف يُنزّل كلام العلماء على هذه الوقائع المخالفة المؤلمة؟
وأما النقل عن الشيخ عبدالرحمن بن حسن: فإنما هو يتحدث عن قصة “أبي بصير” و”أبي جندل”، فإن رسول الله ردّهما إلى الكفار، بمقتضى المعاهدة، فكانا تحت قبضة وولاية الكفار، وليس تحت قبضة النبي صلى الله عليه وسلم.
فوقع بينهما وبين الكفار قتال، ودافعا عن نفسيهما، ولم ينصرهما رسول الله بسبب المعاهدة والمواثيق مع الكفار، رغم حاجتهم للنصرة، عملا بقوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)، فلا يقال: إن أبا بصير وأبا جندل، لا يجوز أن يُدافعا عن أنفسهما؛ لعدم وجود إمام يُقاتلون معه.
يدل على ذلك قول الشيخ عبدالرحمن بن حسن نفسه: “فهل قال النبي: أخطأتم في قتال قريش؛ لأنكم لستم مع إمام؟”.
وعليه، فلا يجوز الاستدلال بهذه النقولات وأمثالها على وقائع مختلفة تماما.
5- تنزيل الآيات التي نزلت في الكفار والمنافقين على المسلمين:
الآية الكريمة: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)، نزلت في المنافق الذي اعتذر عن جهاد بني الأصفر تحت راية النبي، معتذرا بخشية الافتتان بنساء بني الأصفر.
وقد دأب الزائغون على تنزيل الآيات التي نزلت في الكفار والمنافقين، على المسلمين.
فهل تُقاس راية الجهاد التي رفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانضم لها الصحابة والمؤمنون، برايات أحزاب وتنظيمات عِمّية متصارعة، تديرها جهات معادية؟!
إن الفرق واضح، ولا قياس مع الفارق، ولو سكت من لا يعلم، لسقط الخلاف.

فضيلة الشيخ الدكتور: أحمد الرضيمان

التعليقات

  1. المشكلة انني حيمنا احاور البعض واقول له قال ابن باز او ابن عثيمين يقول الدليل الكتاب والسنه وليس العلماء

  2. نعم أخي محمد، الدليل في الكتاب و السنة لا في ابن باز و العثيمين رحمهم الله لأن ابن باز قد يخطىء كما وقع منه في حرب العراق الأولى و قد ردّ عليه الشيخ الألباني رحمهم الله جميعا، الحجّة في إجماع هؤلاء لا في اختلافهم و لا يجتمعون إلا على الكتاب و السنّة، أما في ما جاء في هذا المقال، وددت لو كان أكثر تفصيلا و تأصيلا حتى ينجلي كلّ سوء تفاهم و إدراك كامل و شامل للموضوع، فالذين يعتبرون أنفسهم في الثغور يتكلمون على جهاد الدّفع و يعتقدون أنه لا يلزمهم ما يلزم جهاد الطلب من الشروط كالتي ذكرت هنا و هذا حقّ لا ريب، فكيف نريد دفع الشّبه بالرّد على موضوع جانبيّ لا يهمّنا أصلا ؟؟ البلاد الإسلامية كلها واحدة و لا فرق بين الحجاز و العراق أو أفغانستان إن كان العدوّ قد استحلّ حرمتهم من أرض أو دماء أو عرض و المسلمين عامة ضعفاء ماديا و نصرتهم واجبة، فإذا دخل الأمريكان الديار ثمّ سكت عن ذلك الكبار، فلا تلومنّ الأحرار في دفاعهم عن الأعراض و هم و الله في ذلك أبرار، و لو صدر منهم بعض المجاوزات فالنصيحة و الإرشاد لا الفضيحة و الخذلان، و لو كان كلّ من تكلّم من أهل العلم لا يقصد إلا وجه الله لما صدّق الكاذب و ائتئمن الخوان و الله المراد و هو أعلى و أعلم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*