الأحد , 21 ديسمبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » مناقشة الشبهات » شبهات في السياسة الشرعية » الرد على شبهة: كيف نؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة أن يكون حراً، قرشياً، سليم الأطراف؟

الرد على شبهة: كيف نؤمر بالسمع والطاعة للعبد مع أن شرط الخليفة أن يكون حراً، قرشياً، سليم الأطراف؟

الجواب من وجهين ذكرهما أهل العلم:

  • أحدهما: أن هذه الشروط وغيرها إنما تُشترط فيمن تُعقد له الإمامة باختيار أهل الحل والعقد، وأما من قهر الناس لشوكته وقوة بأسه وأعوانه واستولى عليهم وانتصب إمامًا فإن أحكامه تُنفذ وتجب طاعته وتحرم مخالفته في غير معصية؛ عبدًا كان أو حرًّا أو فاسقًا، بشرط أن يكون مسلمًا. قاله النووي(1). وقال ابن حجر: «وهذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإن طاعته تجب؛ إخمادًا للفتنة، ما لم يأمر بمعصية»(2).
  • والثاني: أنه ليس في الحديث أنه يكون إمامًا، بل هو محمول على من يفوض إليه الإمام أمرًا من الأمور أو استيفاء حق أو نحو ذلك. قاله النووي(3). وقال ابن حجر: «وقيل: المراد أن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشي على إمارة بلد مثلًا وجبت طاعته، وليس فيه أن العبد الحبشي يكون هو الإمام الأعظم»(4).

والوجه الأول أظهر، قال العلامة ابن عثيمين شارحًا لحديث العِرباض رضي الله عنه: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ»(5): «السمع والطاعة يعني لولي الأمر، وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشيٌّ، سواء كانت إمرته عامة، كالرئيس الأعلى في الدولة، أو خاصة كأمير بلدة، أو أمير قبيلة، وما أشبه ذلك، وقد أخطأ من ظن أن قوله: «وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» أن المراد الأمراء الذين دون الولي الأعظم الذي يسميه الفقهاء الإمام الأعظم؛ لأن الإمارة في الشرع تشمل الإمارة العظمى، وهي الإمامة وما دونها، كإمارة البلدان والمقاطعات والقبائل وما أشبه ذلك»(6).

وقال أيضًا شارحًا حديث أنس رضي الله عنه: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ»(7): «قوله: «وإن استعمل» فيشمل الأمير الذي هو أمير السلطان، وكذلك السلطان، فلو فرض أن السلطان غلب الناس واستولى وسيطر وليس من العرب، بل كان عبدًا حبشيًّا فعلينا أن نسمع ونطيع؛ لأن العلة واحدة، وهي أنه إن لم نسمع ونطع حصلت الفوضى، وزال النظام، وزال الأمن، وحلَّ الخوف، فالمهم أن علينا أن نسمع ونطيع لِوُلاة أمورنا، إلا إذا أمروا بمعصية»(8). والله أعلم.

ومارد الحديث أنه إذا توفرت فيهم الشروط، كما في الحديث الآخر: «ما أقاموا الدين» فإذا وُجد من يقوم بالدين وكان الاختيار للمسلمين اختاروا القرشي، فإن لم يوجد من يقوم بالدين من القرشيين يختار من غيره، كما ثبتت الخلافة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بالاختيار، فالخلافة تثبت بالاختيار، كما ثبتت لأبي بكر، وبولاية العهد كما ثبتت لعمر بولاية العهد من أبي بكر، والأمر الثالث إذا ثبتت بالقوة، تثبت له إذا غلب الناس بقوته وسلطانه واستتب الأمر وجب السمع له والطاعة، وثبتت بالاختيار والاتفاق في عهد الخلفاء الراشدين، ومن عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم ما ثبتت بالاختيار والاتفاق.

في بعض الأحاديث أن قريشاً تضمحل في آخر الزمان، فقد لا يجد الناس في فئة من الفئات أو في مكان من الأمكنة الكفء من قريش فيولون من تتوفر فيه الصفات ولو لم يكن قرشياً.

إذاً: هذا في الغالب أنه شرط كمال.

الأمر الثاني: هل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، من باب الأمر أو من باب الخبر؟ هذه مسألة لا تزال محل خلاف، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأئمة من قريش)، قد يكون من باب الخبر؛ لأن أغلب الخلافة الكبرى التي قامت على مدى تاريخ الإسلام الطويل كانت في بني أمية وبني العباس، ثم إن الولايات التي قامت في تاريخ الإسلام أغلبها من قريش حتى افترقت الأمة الإسلامية وصارت دويلات متفرقة متمزقة، فمن هنا قد لا تتحقق القرشية في بعض البلاد فتكون الولاية فيمن تتوفر فيه شروط الولاية أو تتحقق له الإمامة ولو بالغلبة بمقتضى الأحاديث الأخرى.

فعلى هذا فالظاهر أنه يمكن أن يحمل الحديث على أنه من باب الخبر، أو أنه من باب الأمر لكن من باب الأمر فيما إذا تمكن المسلمون، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وفيما إذا وجد القرشي الكفء الذي يختاره أهل الحل والعقد، ولا تحدث بسببه فتنة، وهي الصورة الثانية.

هناك صورة ثالثة للخلافة: وهي فيما إذا كان الإمام أو الوالي غالباً على الناس، فتجب طاعته بصرف النظر عن كونه قرشياً أو غير قرشي، وقد حدث هذا في طيلة تاريخ التاريخ الإسلامي، بل حدثت دول كبرى في تاريخ الإسلام ليس الإمام فيها قرشياً، فلا يعني ذلك أنه يتحقق ذلك في كل الأزمان وكل الأمكنة بل ربما لا يتحقق.

_____________________

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 149).

(2) فتح الباري ( 13/ 131).

(3) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 149).

(4) فتح الباري ( 13/ 131).

(5) أخرجه أحمد (28/ 373، رقم 17144)، وأبو داود (4/ 300، رقم 4607)، والترمذي (5/ 44، رقم 2676)، وابن ماجه (1/ 15، رقم 42).

(6) شرح رياض الصالحين (3/ 331).

(7) أخرجه البخاري (9/ 62، رقم 7142).

(8) المصدر السابق. وانظر المزيد في الرد على شبهة: الطعن في بيعة الحاكم الذي ليس من قريش، أو على مسألة: إذا لم يستجمع المتغلب شروط الإمامة، في كتاب: معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة (ص/ 29-32) للأخ الفاضل عبد السلام بن برجس، رحمه الله، وكتاب: وجادلهم بالتي هي أحسن (ص/ 24-28)  للأخ الفاضل بندر بن نايف العتيبي، حفظه الله، وكتاب: التفجيرات والاغتيالات (ص/ 165-168) للشيخ الفاضل أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل، حفظه الله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>