السبت , 25 مارس 2017
الرئيسية » مناقشة الشبهات » شبهات في السياسة الشرعية » الحدثُ التأريخيُّ بينَ الخطابِ الحزبيِّ الانتهازيِّ والخطابِ الشَّرعيِّ العقلانيِّ

الحدثُ التأريخيُّ بينَ الخطابِ الحزبيِّ الانتهازيِّ والخطابِ الشَّرعيِّ العقلانيِّ

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

الحمدُ للهِ وحدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن لا نَبِيَّ بعدَهُ، أمَّا بعدُ:

فَإِنَّ العالَمَ كُلَّهُ كانَ يشهدُ بترقبٍ بالغٍ الأحداثَ الجاريةَ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ بعد أَنْ ضربَ زلزالُ الثوراتِ الدَّاميةِ بعضَ الدُّولِ العربيةِ المجاورةِ، ووضعتْ بعضُ الجهاتِ في حسبانها أَنَّ هذا الزلزالَ الهائلَ سيمتدُّ ليصلَ إلى بلادِ الحرمينِ حرسها اللهُ، وفي غُضونِ ذلكَ برزَ إلى أعينِ النَّاسِ نوعانِ منَ الخطابِ؛ كانَ كُلُّ واحدٍ منهما يُغايرُ الآخرَ في أصلهِ ومضمونهِ:

أحدهما: خطابٌ حزبيٌّ انتهازيٌّ.

والآخرُ: خطابٌ شرعيٌّ عقلانيٌّ.

أَمَّا الخطابُ الأولُ فإِنَّ المراقبَ للأحداثِ يَلحَظُ أَنَّ هذا الخطابَ قدِ ارتكبَ أخطاءً فادحة؛ سيظلُّ التأريخُ كُلُّهُ يُسجِّلها لَهُ أبدَ الدَّهرِ؛ ليكونَ سُبَّةً في حقِّهِ؛ حَتَّى ينزجرَ عنْ غَيِّهِ، ويئوبَ إلى رشدهِ.

خطؤهُ الأوَّلُ: يتجَسَّدُ في طريقةِ توصيلِ الخطابِ وبثِّهِ؛ حيثُ أطبقَ الخطابُ الحزبيُّ بكافةِ أطيافهِ ومختلفِ أشكالهِ على أن يكونَ الخطابُ معلَنًا في الهواءِ الطلقِ؛ بحيثُ يتداولهُ الجميع، ويُنقلُ عبر وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ بشكلٍ سافرٍ صريحٍ، وفي هذا مصادمةٌ لأصولِ النصيحةِ الشرعيةِ، وضربٌ لها في الصميمِ؛ إذ إِنَّها تَقْضِي بأن تكونَ النَّصيحةُ لوليِّ الأمرِ سِرًّا لا جهرًا.

كما أَنَّ فيها لونًا من ألوانِ الفضيحةِ والتشهيرِ بهِ؛ إذْ لا يرضَى أحدنا أن تُذكرَ مثالبهُ أمامَ الناسِ، ويرى في ذلك إسقاطًا لمكانتهِ، وطعنًا في حرمتهِ؛ فما بالكم بولي الأمرِ الَّذي بسطَ اللهُ له يده على البلادِ، وفرض سلطانَهُ على العبادِ؟!

أضِفْ إلى ذلكَ أنَّ في النَّصيحةِ الجهريةَ تهييجًا للجماهيرِ، وإثارةً للضغائنِ والحقدِ في نفوسهم.

والأصل أن يسعى المرء لو كان يريد لحق ومصلحة الأمة لا مصلحته الحزبية، أن يوصل نقده لولاة الأمور عن طريق القنوات الشرعية لنصح ولي الأمر، قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الضياء اللامع من الخطب الجوامع (1/ 498): «إن الواجب علينا إذا رأينا خطأ من ولاة الأمور أن نتصل بهم شفويا أو كتابيا ونناصحهم سالكين بذلك أقرب الطرق في بيان الحق لهم وشرح خطئهم ، ثم نعظهم ونذكرهم فيما يجب عليهم من النصح لمن تحت أيديهم ورعاية مصالحهم ورفع الظلم عنهم».

أَمَّا خطؤهُ الثاني: فقد كانَ في المضمونِ والمحتوى؛ إذْ إنَّ في جُلِّهِ من خلالِ البياناتِ والخطاباتِ الصادرةِ عنه مخالفةً لأحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وفتحًا لأبوابِ الشَّرِّ والفسادِ على مصراعيها؛ علاوةً على أنَّ فيه افتئاتًا على ولي الأمرِ.

والخطأُ الثالثُ: خطأٌ في التوقيتِ؛ إذْ ظَنَّ هؤلاءِ الحزبيونَ-هداهم الله- أنَّ الوقتَ باتَ مناسبًا لفرضِ ما يُريدونهُ على السُّلطةِ الشَّرعيةِ، ولإملاءِ ما يرومونهُ منها، وأَنَّ ما يحدثُ خارجيًّا يُشكِّلُ ورقةَ ضغطٍ على الدَّولةِ، وفقها اللهُ؛ وهذا -كما لا يخفى- ضربٌ من ضروبِ الانتهازيةِ المقيتةِ التي لا تصدرُ إلا عنْ مريضٍ أو صاحبِ هوى.

والخطأُ الرَّابعُ: أَنَّ كُلَّ الاتجاهاتِ الدَّائرةِ في فلكِ الخطابِ الحزبيِّ إمَّا أَنَّها مُؤَيَّدةٌ من جهاتٍ أجنبيةٍ خارجيةٍ أو مدعومةٌ منها، تسعى لنشرِ الفسادِ والشَّرِّ في البلادِ، وترمي إلى إيقادِ نارِ الفتنِ والحربِ، ولا ترقُبُ في مؤمنٍ إلًّا ولا ذِمَّةٍ.

فهل يسوغُ لعاقلٍ، والشَّأنُ هكذا، أنْ يسيرَ وراءَ عَدُوِّهِ، أو يُسلمَ له قيادَ نفسهِ؟!

من أجلِ هذهِ الأخطاءِ الأربعةِ؛ طُوِيتْ صفحةُ هذا الخطابِ، ولم يكتبِ اللهُ -جلَّ وعلا- لهُ أنْ ينجحَ، وكانَ الفشلُ الذَّريعُ عاقبةَ أمرهِ، ونزعَ اللهُ عنهُ البركةَ والقبولَ بينَ النَّاسِ؛ لأَنَّهُ كانَ فاقدًا للشَّرعيةِ في أصلِ انطلاقتهِ، وفي كثيرٍ من محتواهُ.

الخطأ الخامس: عدم الموضوعية في النقد، فنجد في هذا الخطاب تركيزا على أخطاء ولاة الأمور دون النظر إلى حسناتهم، ولا شك أنهم بشر يكون لهم أخطاء، لكن ولله الحمد هذه الأخطاء مغمورة في حسناتهم وخدماتهم الجليلة للمجتمع، وقد قال فضيلة الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في لقاءات الباب المفتوح، اللقاء رقم (99): «إذا ذكرت المثالب، مثالب الحكام دون محاسنهم، فإن هذا ليس منهجاً سليماً».

أَمَّا الخطابُ الثَّاني (الخطابُ الشرعيُّ العقلانيُّ) فهو خطابُ أهلِ العلمِ من هيئةِ كبارِ العلماءِ ومنْ غيرهم من طلبةِ العلمِ والمشايخِ الفضلاءِ، وقد كانَ له -بفضلِ اللهِ- الكلمةُ الحاسمةُ في حياةِ الناسِ؛ إذْ كانَ في أصلِ تأسيسهِ وانطلاقتهِ وفي مضمونهِ ومحتواه جامعًا للأصولِ الشَّرعيةِ، مناديًا بالجماعةِ والرحمةِ، منابذًا للفرقةِ والفتنةِ، منسجمًا مع مَنطِقِ العقلِ ونداءِ الفِطرةِ، ألقى اللهُ له القبولَ في الأرضِ؛ ما جعلهُ مباركًا في حياةِ الناسِ، فتلقفوه وأخذوا به عن طواعيةٍ، وانتشرَ في الأرضِ كُلِّها؛ وتناقلتهُ وكالاتُ الأنباءِ العالميةِ، وكان له الصوتُ المدوِّي في أرجاءِ الدُّنيا كُلِّها، وبه جمعَ اللهُ القلوبَ، والتحمَ الشَّعبُ بالقيادةِ الشَّرعيةِ، وجدَّدوا له الولاءَ والبيعةَ في حدثٍ تأريخيٍّ عظيمٍ؛ أرهبَ الأعداءَ، وأغاظَ كُلَّ منْ كانَ في قلبهِ مرضٌ، ولله الفضلُ والمنَّةُ.

وهكذا يَجري قَدَرُ اللهِ المحتومُ وفقَ مشيئتهِ النَّافذةِ، وحكمتهِ البالغةِ في مثلِ هذه الأحداثِ؛ لِتستبينَ الحقائقُ، وتنكشفَ الخفايا، ويُعلمَ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وصدقَ اللهُ العظيمُ إذ يقولُ في مُحْكَمِ التنزيلِ:

{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3].

ورحمَ اللهُ الإمامَ الشَّافعيَّ إذْ يقولُ:

جَــــــــــــــــــــزَى اللهُ الشـــــــــــــــــــــــــــــدائدَ كُـــــــــلَّ خيـــــــــــــــــــــــــــــــرٍ

عـــــــــــــــــــرفتُ بهـــــــــــــــا عَـــــــــــــــــدُوِّي مـــــــن صَديــــــــقي

 

-- السكينة - أ.النميري بن محمد الصَّبار

التعليقات

  1. من أعضاء الدعوة في داخل المملكة

    الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :
    فإن هذا المقال القيم الجليل القدر للأستاذ الفاضل النميري بن محمد الصبار قد قرأته سابقا عبر هذا الموقع الإسلامي الرائد وأوردت عليه تعليقا متواضعا في جينه وما يتضمنه هذا المقال العلمي الجليل البليغ من حقائق ساطعة أكدتها الوقائع التي مرت بالأمة خلال العامين الماضيين ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( ليحق الله الحق بكلماته ويبطل الباطل ) و ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسلنا ونعم الوكيل .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*