الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » تربية الشباب على الإيمان

تربية الشباب على الإيمان

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعدُ
فإن الإسلام هو دين الله الذي أكمله وأتمه ورضيه لعباده، قال سبحانه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا المائدة
والإسلام هو الدين الصالح لكل زمان ومكان في عقيدته وعباداته ومعاملاته، ففي شرعه الهداية والرحمة في الدنيا والآخرة فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى طه

وقد عُني الإسلام بكل جوانب الحياة، وأولى اهتمامًا خاصًّا للإنسان، قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً الإسراء

فتحدث القرآن عن الإنسان طفلاً وشابًّا وشيخًا، بل واهتم به قبل خروجه إلى الدنيا، قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا غافر

وإن غفل كثيرٌ من الناس فأهملوا دور الشباب ومكانتهم، وانتبهوا فجأة لذلك، فمردُّ ذلك للبعد عن فهم القرآن الكريم الذي بيَّن احتضان الشباب لدين الله، وحملهم لراية الدعوة، وحفاظهم على سلامة العقيدة، ففي قوله تعالى في سورة الكهف إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ الكهف ، قال الإمام البقاعي «إنهم فتية أي شباب»، وقال الفخر الرازي «كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله»، وقال ابن كثير رحمه الله «إنهم فتية هم الشباب ، وهم أقبلُ للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يُسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا»

هؤلاء هم شباب التوحيد الذين رفضوا صرف العبادة لغير الله، فقاموا وبيّنوا ضرورة صدق العبادة لله تعالى؛ لأنه المستحق لذلك، فهو رب السماوات والأرض، وكان الإعلان عن معتقدهم ومطالبهم كما جاء في سورة الكهف إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا الكهف

فلما سلمت عقيدتهم، وصحت نواياهم، ودعوا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة كان لطف الله بهم، قال تعالى وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ، وقوله تعالى وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا الكهف ، كيف لا والشباب هم أساس المجتمع، فمنهم يكون القادة والعلماء،

بصلاحهم يكون صلاح المجتمع، لذا أشار القرآن الكريم إلى ما كان من شأن خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في شبابه من غَيْرة على عبادة الله، ودعوته إلى توحيده سبحانه، حتى قام يحطّم أصنامهم، تاركًا كبيرهم؛ علّه يكون عبرةً وعظة لهم، ودليلاً عمليًّا على بطلان ما هم عليه، وعلى عدم قدرة هذه الأصنام على الدفاع عن نفسها، فضلاً عن غيرها، قال سبحانه فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ الأنبياء ، قال ابن عطية في تفسيره فجعلهم جذاذًا قِطعًا صغارًا

وقال صاحب اللباب في تفسيره «ثم إن إبراهيم عليه السلام دخل بيت الأصنام فوجد سبعين صنمًا مصطنعة، وعند الباب صنم عظيم من ذهب، مستقبلاً الباب، وفي عينه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الكبير، علق الفأس في عنقه، فلما عادوا ووجدوا ما حلَّ بأصنامهم من الدمار قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ الأنبياء قال ابن كثير رحمه الله سمعنا فتى أي شابًّا

وفي بيان القرآن الكريم لاستجابة الشباب ودفاعهم عن الحق تأتي قصة كليم الله موسى عليه السلام، ووقوفه أمام طاغية نصب نفسه إلهًا من دون الله، وذلك في مواضع كثيرة، منها ما جاء في الآيات من سورة يونس، وفيها إشارة إلى سُنة ماضية من سنن الله في عباده، وهي قلة أتباع الحق، قال الله تعالى فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ يونس ، قال الزمخشري في تفسيره فَمَا آمَنَ لِمُوسَى في أول أمره إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ، إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفًا من فرعون، وأجابه طائفة من أبنائهم مع الخوف، وقال ابن جزي ومعنى الذرية شُبّان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا على خوف من فرعون

هذه حكاية القرآن الكريم عن بعض مواقف الشباب الذين كان لهم دور بارز في تغيير المنكر، ألا ترى أيها الأخ الكريم إلى دور الشباب يوم هجرة النبي ، إن الذي نام في فراشه مُعرّضًا نفسه فداء للنبي واحد من الشباب، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الشاب الذي لم يتجاوز يومها العشرين من عمره، وكذا أول سفير للإسلام من الشباب، وهو مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكذا صاحب أول دار احتضنت رسول الله ومن معه هي دار أحد الشباب وهو الأرقم بن أبي الأرقم

كما أن أول من جهر بكتاب الله تعالى في المشركين، وهو يعلم ما الذي سيلحق به من أذى من جراء ذلك، هو الشاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ لأجل هذا وتقديرًا لدور الشباب أسند رسول الله راية جيشٍ لأسامة بن زيد فيه كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا حرص الإسلام على الشباب، والحفاظ عليهم، وتوجيههم إلى مكارم الأخلاق، وتحذيرهم من مغبة الوقوع في الشهوات، ففي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء» متفق عليه

وكما حرص الإسلام على الشباب وحذّرهم ووجّههم؛ فإنه بشّرهم كذلك إن ساروا في طاعة الله، ففي قوله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم «شاب نشأ في طاعة الله» البخاري

ولقد علم أعداء هذا الدين من شياطين الجن والإنس خطورة وأهمية مرحلة الشباب، فأوحى بعضهم إلى بعض وسائل كثيرة لإفساد الشباب، وإبعادهم عن دينهم رجالاً كانوا أو نساءً، بحجة الحرية أو غيرها، مما أوقع كثيرًا من الشباب في شباك الرذيلة، وجعلهم يقلدون غير المسلمين، ويفخرون بهم، ويتخذونهم أسوة وقدوة، قال «لتتبعن سَنَن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ خَرِب دخلتموه» قالوا اليهود والنصارى؟ قال «فمن» البخاري

فاللهم احفظ شبابنا، ووفّقهم لما تحبه وترضاه، وجنّبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

-- مجلة التوحيد: احمد يوسف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*