السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » الهدي النبوي في رعاية الطفل

الهدي النبوي في رعاية الطفل

اهتم الإسلام برعاية الطفولة- في جميع مراحلها- اهتماما لا يتصور فوقه اهتمام، ولا تبدأ رعاية الطفولة في الإسلام منذ لحظة الولادة، بل ولا حتى منذ لحظة تلقيح البويضة بالحيوان المنوي حينما تتكون النطفة الأمشاج، بل تمتد هذه الرعاية منذ لحظة التفكير في الزواج الذي حث عليه الإسلام، فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باختيار الزوج الصالح والزوحة الصالحة: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” ، وقال صلى الله عليه وسلم: “تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين” .
قيل لعمر بن الخطاب: أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قيل فما هي؟ يا أمير المؤمنين، قال عمر: أن ينتقى أمه ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (أي القرآن).
ومن اهتمام الإسلام بالمولود رعايته من أمه أثناء الحمل، قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمه كرها، ووضعته كرها، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) (الأحقاف: 15).
فإذا ولد الطفل فإن على والده أن يؤذن في أذنه اليمنى، وأن يقيم في اليسرى، (وهو مستحب)لكي يسمع – أول ما يسمع- كلمة التوحيد، فيعيش بالتوحيد وعلى التوحيد.
والكتاب والسنة زاخران بما يدل على رعاية الإسلام العظيمة للطفل، وسنتعرض- فيما يلي- لمناذج من الرعاية النبوية الكريمة للطفل.
صور من الرعاية النبوية للطفولة
إن السيرة النبوية العطرة تغطي جميع جوانب الحياة، فما من ناحية من نواحي الحياة إلا ونجد فيها توجيهات وإرشادات ونصائح نستنير بها فيما يهمنا من الأمور والقضايا والمراحل من الحياة، وها نحن الآن نرى كيف كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال والأولاد، وكيف كان يشملهم بعطفه وحنانه الأبوي، ويهتم بتربيتهم، ومراعاة نزعاتهم الفطرية، وغير ذلك.

بداية الرعاية الكريمة للطفل منذ لحظة الميلاد

1- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم” ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له أبو سيف، قال أنس: فانطلق يأتيه، واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانا، قال أنس: فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أبا سيف: أمسك- جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي، فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول.
كان النبي صلى الله عليه وسلم صاحب أعباء جسام، تثقل كاهله أعمال الأمة لكونه إمامها وقائدها، ولكن هذه المسؤوليات العظيمة لم تمنعه من العناية بطفلة الوليد ورعايته، فالحديث يحمل درسا وتحذيراً لأولئك الآباء الذين يتشاغلون عن أولادهم، فهم يجرون- لاهثين- وراء جمع أكبر مقدار ممكن من المال، ولا يجدون فرصة لرعاية أفلاذ أكبادهم..!
2- الاهتمام النبوي بالتربية الحسنة والقدوة الصالحة:
لقد اعتنى الإسلام بتربية الطفل عناية عظيمة، نذكر فيما يلي أحاديثاً كريمة تدل على ذلك:
(1) “ما نحل والد نحلا أفضل من أدب حسن” .
(2) “حق الولد على والده أن يعلمه كتاب الله عز وجل والسباحه والرمي” .
(3) “وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترا من النار” .
ومن المؤثرات المهمة في تربية الطفل القدوة، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” أي أن الإنسان مفطور على التهيؤ للإسلام بالقوة، لكن لا بد من تعلمه بالفعل، فإن صلاح البيئة له أثر على صلاح الطفل وحفظه مما ينعكس سلبا على عقيدته أو سلوكه.
لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تأديب الأطفال وغرس الأخلاق الكريمة في نفوسهم، وترسيخها في أذهانهم، فقال: “الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم” (8)، وعن عمران ابن أبي سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: “ياغلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك”.
ودعا الصغار إلى أن يوقروا الكبار، والكبار إلى أن يرحموا الصغار فقال: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا” كما اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بتعليم الأطفال، فقال: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” ، ويدل على عنايته- صلى الله عليه وسلم- بتعليم الأطفال أنه أطلق سراح بعض أسرى بدر مقابل تعليم الأطفال القراءة والكتابة، وقال: “الناس عالم ومتعلم، ولا خير فيما عدا ذلك”.
فالسنة النبوية زاخرة بما يدل على عظيم عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأمر تربية الأطفال وتعوديهم على اكتساب العادات الاجتماعية الطيبة كصلة الأرحام، والإحسان إلى الوالدين، والإنفاق عليهما، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير، والتعاون على البر والتقوى.

3- تلبية النزعات الفطرية للأطفال

لقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم حق الطفل في الاستمتاع بالراحة واللعب البريء فقال: “من كان له صبي فليتصاب له” .
“روى أبو قتادة- رضي الله عنه- قال: بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال للصلاة، إذ خرج علينا وأمامة بنت أبي العاس بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه، قال فكبر فكبرنا، قال حتى إذا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ذلك في كل ركعة، حتى فرغ من صلاته”.
“وعن جابر قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي على أربعة، وعلى ظهره الحسن والحسين، ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما” .
هذه نماذج عملية من عناية النبي صلى +الله عليه وسلم بمشاعر الطفل ورعاتيه لنزعاته الفطرية إلى آخر حد لا تيصور فوقه حد، حيث حمل النبي صلى الله عليه وسلم الطفلة على عنقه وهو يصلي تلبية لمشاعر طفولتها البريئة ورأفة بها، كما أجلس سبطيه على ظهره الشريف- وهو يمشي على أربعه- مراعاة لمشاعرهما أيضا.

4- العنايه النبوية بصحة الطفل

لم تقتصر عناية النبي صلى الله عليه وسلم على الأطفال روحيا ومعنويا وخلقيا فحسب، وإنما تعدت ذلك إلى الاهتمام بصحتهم وتقوية أجسامهم، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بتحنيك الأطفال المواليد بالتمر، “عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت قباء، فولدت بقباء، ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله عليه وسلم ثم حنّكه بالتمر، ثم دعا له فبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام ففرحوا به فرحا شديدا، لأنهم قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم” وهذا التحنيك علاج وقائي ذو أهمية بالغة، وهو إعجاز طبي لم تكن البشرية تعرفه وتعرف مخاطر نقص السكر (الجلوكوز) في دم المولود، وأن المولود خاصة إذا كان خداجا يحتاج دون ريب بعد ولادته مباشرة إلى أن يعطى محلولا سكرياً”.
فقد حرص الإسلام على تعليم الأطفال أمورا تنشط قواهم وتقوي أجسامهم، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: علموا أولادكم السباحة، والرمي، ومروهم فليثبوا على الخيل وثبا.

5- المداعبة النبوية مع الأطفال

إن لمراعاة مشاعر الطفولة في السيرة النبوية صورا ونماذج، منها مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع صغار السن، فعن أبي هريرة: قال: بصر عيناي هاتان، وسمع أذناي النبي صلى الله عليه وسلم وهو أخذ بيد الحسن والحسين، وهو يقول: “ترق عين بقه” قال: فيضع الغلام قدمه على قدم النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرفعه فيضعه على صدره، ثم يقول: “افتح فاك” قال: ثم يقبله ثم يقول: اللهم أحبه فإني أحبه” .
انظر كيف كانت مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لعواطف الطفولة فالطفل لا يأنس إلا أن يتصابى الرجل معه، ويأتي بحركات تماثل حركاته فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يمازح الأطفال ويداعبهم إيناسا لهم وتقريبا إياهم إليه، وهذا لا يتعارض مع الجد، والسمت والوقار والرجولة كما يظن بعض المتكابرين أن اللعب أو المزاح- حتى مع الأطفال- لا يتلاءم مع من كان ذا وقار وهيبة وشخصية، فهل هناك أحد أعظم وقارا، وأكبر شخصية من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يعد المزاح مع الأطفال خلافا للوقار.

-- بقلم:محمد نعمان الدين الندوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*