جديد الموقع
الرئيسية » دراسات تربوية وسلوكية » تساؤلات نقدية حول التربية والتعليم

تساؤلات نقدية حول التربية والتعليم

هل هما في وضع تطابق أم يعيشان حالة تباين؟

”تشكل التربية النقطة التي يتقرر فيها ما اذا كنا نحب هذا العالم بما يكفي لنتحمل مسؤوليته“[1] استهلال:

شاع خلط كبير عند عامة الناس بين التربية والتعليم واعتبر التقريب بينهما معطى بديهي ومسألة متداولة وهذا صنيع غير مفهوم وأمر غريب نظرا للاختلاف التخصصي بينهما وانتماء الطرف الأول إلى دائرة الأخلاق والطرف الثاني إلى دائرة المهنة وقد عزز هذا الخلط وقوع غالبية العلماء والمفكرين في نفس الحكم المسبق وقولهم بأن كل فعل تربوي يرتكز بالضرورة على تجربة تعليم معمق ومتدرج وكل مراحل تعليمية يمر بها الإنسان تفضي إلى امتلاك المرء لتربية متوازنة وعقلانية.
 
لكن التعليم في حد ذاته قد يعني التكوين والتبليغ والتلقين وتصنيع الذكاء واكتساب الخبرة في مجال معين والمهننة، أما التربية فهي تجربة سلوكية تقوم على التسديد والنصح والإرشاد وقد تتطلب الآداب والتنوير والإضاءة والتثقيف والصلاح وتعني السمو الروحي والارتقاء الأخلاقي والتحلي بالفضيلة وطلب الخير.
 
ان التعليم يرتبط بالمعرفة النظرية وعند ابن خلدون هو ”ملكة تختلف عن الفهم والوعي“ وعند بياجي هو ”النشاط الذي يكتسب به المتعلم مجموعة من المعارف والمهارات بشكل تدريجي ووفق مراحل ويأخذ بعين الاعتبار النمو العضوي والعقلي للشخص“. أما التربية فهي الإصلاح والرعاية والتقويم والتأديب وترتبط بالمسلك العملي وبتهذيب الفعل البشري.
 
فما مرد هذا الخلط بين التربية والتعليم؟ وما هي الوسائل الكفيلة بالتمييز بينهما؟
وما المقصود بالتربية؟
وما هي مميزات التعليم؟
وماذا لو شخصنا المسالة التعليمية عند العرب وقلنا انه متردي؟
وكيف نفسر تدهور الوضع التربوي اليوم؟ وهل يمكن الحديث عن أزمة حقيقية يمر بها هذا القطاع؟
وما هي أسباب هذه الأزمة؟
وهل يمكن تصور بدائل ومخرج منها تبعث على الأمل وتحفز نفوس الناشئة على الفعل وعلى الإبداع؟
وماذا يمكن للتفكير الفلسفي المعاصر أن يقدم بهذا الصدد؟
 وما العمل لكي تتفادى التربية السقوط في هاوية التقليد وإعادة إنتاج النظام القائم؟
وكيف نتفادى تحول سلطة التعليم إلى نوع من الدكتاتورية والوصاية؟
ومتى تبدأ مرحلة التربية والتعليم بالنسبة للمرء؟
 وفي أية زمانية يجب أن تتوقف؟
 وماذا نحتاج بالضبط في الوقت الراهن؟
 هل الأمر يتعلق بتطوير المناهج التربوية عن طريق علوم التربية أم إبداع نمط فلسفي ما بعد حديث في التعليم؟
 وما هو تأثير التغيرات التاريخية والتحولات السياسية على هذا المجال؟
وإلى أي مدى يتأثر الفعل التربوي بالتدافع الاجتماعي والمتطلبات الاقتصادية؟
وما السبيل إلى أحداث ثورة في قطاعي التربية والتعليم؟ وألا تقتضي المسألة التمييز بين التعليم بخبير والتعلم الذاتي؟
ومتى نشهد ميلاد طريقة جديدة للتعلم نابعة من تراثنا ومخزوننا الثقافي؟ وكيف يمنح الفضاء التربوي فرصة للناشئين لتنمية المهارات وتهذيب الاستعدادات ويكون مناسبة لانخراط المرء في عالم مختلف؟

ان رأس الأمر هنا ليس إصلاح المنظومة التربوية وإيجاد حلول ترقيعية للتعليم تخدم النظام السياسي وتبشر بخياراته الايديولوجية وإنما إعادة بناء المرجعية التربوية برمتها على أسس علمية وموضوعية والحرص على تحييد المؤسسة التربوية عن التجاذبات وابعادها عن كل توظيف وكل استغلال سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
 
1- المراهنة على التعليم:
 
”السلم الاجتماعية لا تتحقق إلا إذا وضع كل واحد بين قوسين الحركيات العميقة التي تبرر هذه القيم المشتركة“[2]من العلوم أن العناية بالتربية والتعليم يمثل رهانا حقيقيا بالنسبة إلى كل الدول التي تنشد النهوض والتقدم وذلك لما يفضي إليه من حسن التصرف في الموارد البشرية وتهيئة مدنية متبصرة للأجيال المستقبلية من أجل أخذ المشعل وتحميلها مسؤولية تنظيم الشأن العام والارتقاء بالحياة المؤسساتية نحو الأفضل وتوفير أطر وكوادر قادرة على تسيير شؤون المجتمعات.
 لقد مثل الاعتناء بالتربية والتعليم الجسر الذي يوصل الأنظمة السياسية إلى الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي وذلك بتنوير الجموع وتثقيف الجماهير وتحسين وسائل الاتصال بالناس وقدرتهم على الإقناع والسير بهم نحو احترام القوانين والتشريعات واستبطان جملة القيم الحداثية التي تسعى الدولة إلى غرسها في المجتمع المدني عبر مؤسساتها الثقافية.
 ان الخروج من حالة البداوة إلى حالة الحضارة ومن الحالة الطبيعية التي تتميز بالتلقائية واتباع الغريزة إلى الحالة المدنية التي تتميز بالاهتداء بنور العقل يقتضي امتلاك العلم والفنون والتقنية والتمرس على ذلك ضمن مؤسسات تعليمية متطورة ولذلك كانت الإنسانية ولا تزال هي موضوع التربية المفضل وكان التعليم موجه بالأساس نحو الإنسان قاصدا إخراجه من التوحش إلى التأنسن.
 على هذا النحو تساعد كل من التربية والتعليم الإنسان على تحصيل المعرفة وصناعة الذكاء واكتساب الوعي وفي نفس الوقت تدربانه على أن يكون حرا ومسؤولا وعلى امتلاك القيم الأخلاقية وجعل الحياة الاجتماعية التي ينخرط فيها حياة هادفة وذات غائية وقصدية نبيلة.
 ولئن حاولت بعض الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال المراهنة على هذا القطاع الاستراتيجي وقامت بإصلاحات هيكلية في نظم التعليم وتجاوزت الازدواجية وأرست برنامجا موحدا وتخطت المسالك الموازية والطرق التقليدية إلا أن البعض الآخر ركز انتباهه على مشاكل أخرى وتعامل ببرودة مع ملف التربية والتعليم وكان الحصاد هو بقاء نسب الأمية مرتفعة وفقدان الكفاءات وتدني مستوى الثقافة والوعي لدى عامة الناس.

 ان النظام السياسي الديمقراطي ينشد تربية جيدة من أجل خلق بيئة ثقافية منتجة واقتصاد مزدهر ونسيج مجتمع متماسك ولذلك كان التعليم هو الإطار الذي تشكل فيه الدولة الإنسان الذي تريده. وقد قال روسو في ايميل: ”الحكومة تصنع المواطن والتربية هي أداة صنعه. من هنا تتأتى أن تحكمه“.[3] لكن ألا يجب ان نعود إلى الحياة اليومية للمدرسة والتدريس من أجل وصف أزمة التعليم كما هي في الواقع دون أحكام مسبقة وحتى يتسنى لنا فهم الأزمة التي يعاني منها هذا القطاع؟
 2- تشخيص الأزمة:
 ”ان الإنسان لا يستطيع أن يصبح إنسانا إلا بواسطة التعليم. وهو لا يكون إلا ما تصنع التربية منه“[4] هناك تراجع في المردود في البلدان التي عنيت بالتربية والتعليم وظهرت بوادر أزمة خانقة في مستوى الجودة والنوعية وتجلت الأزمة أكثر في مجال الانقطاع المبكر عن الدراسة عند الذكور وتفشي ظاهرة التغيب المتعمد والعزوف عن المواظبة والحضور وضعف نسب التمدرس في بعض الجهات الداخلية وقلة التجهيزات وتدني معدلات النجاح وقيمة الشهائد العلمية بالمقارنة مع بقية بلدان العالم وتأخر في ترتيب المؤسسات الجامعية على الصعيد الدولي وتقلص نسب صناعة الذكاء وتزايد هجرة الأدمغة إلى دول المركز وتصحر ثقافي وتقلص مساحة التربية في التعليم. فما هي أسباب تردي الوضعية التي تحيط بالعملية التربوية؟ ولماذا بات تعليمنا لا يخرج سوى الفاشلين العاطلين عن العمل؟
 إن أسباب الأزمة عديدة ويمكن أن نذكر منها ما يلي:
 - افراغ البرامج من المضامين والمبادئ المتوازنة التي تقدر على بناء مواطن متصالح مع ماضيه ومتطلع إلى المستقبل عبر قراءة نقدية لواقعه. ما نلاحظه هو تركيز مختلف البرامج المدرسية على الجانب الشكلي وإسقاط جملة من المقررات دون مراعاة خصوصية البيئة الاجتماعية والنسيج النفسي والثقافي الذي تتنزل فيه.
 - فوضى القرارات التنظيمية وارتجالية التدابير وضعف في المناهج والأسانيد البيداغوجية وغياب الرؤية الإستراتيجية والتخطيط العلمي والإبقاء على الطرق التقليدية التي تكرس نفس الذهنية القروسطية وتشجع على الإتباع والتلقين.
 - تدهور قيمي كبير وأزمة روحية وأخلاقية تمظهر في بروز العنف اللفظي والبدني في الوسط التربوي بين جميع مكونات العلمية التربوية وتوتر العلاقة بين المربين والتلاميذ والمشرفين.
 - سلعنة التعليم وربطه بسوق الشغل واختزاله في عملية التكوين وتفشي ظاهرة الدروس الخصوصية والتعويل على الحلول التسكينية من أجل تحقيق أعلى نسب النجاح كميا دون مراعاة الكيف والدرجة.
 - الوضعية الاجتماعية الصعبة للمربي وتشوه صورته في المجتمع وتدهور طاقته الشرائية ومحدودية إمكانياته المادية مما يفتح الباب بالنسبة إليه لتقديم تنازلات على حساب آداب المهنة والتضحية برسالة العلم من أجل ضمان لقمة العيش.
- تراجع التعويل على اللغة العربية الفصحى وضعف الناشئة في مستوى تعلم اللغات الأعجمية وميل المربين إلى استعمال اللهجات الدارجة حرصا على التبليغ والإفهام.
 - استخفاف بالمواد الإستراتيجية التي تمتلك تأثيرا مباشرا على شخصية التلميذ وتشكل النواة الروحية التي يتغذى منها والتي تحدد رؤيته الإجمالية للعالم ونذكر منها الإنسانيات وخاصة بالتفكير الديني والعلوم الاجتماعية والمدنية والفلسفة.
هذه بعض من مظاهر الأزمة التي تعصف بالتربية والتعليم وذلك من خلال تشخيص جزئي. لكن ما الحل للخروج من هذا المستنقع ومواجهة مشكل تردي وضع التربية والتعليم لدينا؟
 3- مقاومة الأزمة التربوية:
 ”الهدف الذي ينبغي أن نفترضه في تربية طفل صغير هو أن نشكل له القلب والحكم والروح“
 يمكن معالجة هذه الأزمة لو اتخذت الحكومات الناشئة عن الثورة الخطوات التالية واستعاد الرأي العام الشعبي الرغبة في التعلم وأدرك أهمية احترام العلم وأهله وتقديس المؤسسات التربوية:
 - العناية الدقيقة بالبرامج ومحاولة التأليف بين تحقيق التجذر وتحصيل التحديث والابتعاد عن البرامج الجاهزة التي تملى من الخارج وكذلك تفادي البرامج الماضوية التي تكرس الجمود وتعيد إنتاج نفس البضاعة المعرفية وتشد الناشئة إلى الخلف.
 - الكف عن النظر إلى المربي بوصفه مصدر المعلومات والمعارف وملقن جملة من الأفكار ووسيلة وموظف والتعامل معه بوصفه محور العملية التربوية وقطبها الروحي والأخلاقي ومرسل المعرفة ومدربا على التفكير وموجها للتلاميذ نحو طريق النظر ومسايرا لهم في طريق العمل.
 - اعتماد تصور متكامل وبناء مشروع ثوري يتخلى عن شعار التعليم من أجل التكوين والتشغيل واستبداله بشعار التعليم من أجل التربية والتنوير وذلك بجعل مقاصد العملية التربوية تدور في فلك تنمية المهارات وتفجير الطاقات وشحذ الاستعدادات نحو العمل والخلق وتحقيق الاستقرار والمداومة في نفس التمشي التربوي مما يعزز الثقة ويقوي اللحمة والتفاهم بين مكونات العملية التربوية.
 - أحداث ثورة أخلاقية في الفضاء التربوي وذلك بإعادة الاعتبار إلى القيم الأصيلة والمبادئ الكونية وحث الناشئة على التمسك بها واستخدام أساليب التوعوية الكافية والترغيب السلمي الهادئ وجعل التعليم يهدف إلى التخلق.
 - الكف عن ربط التعليم بالاقتصاد وتنظيم الدروس الخصوصية والتفكير بجدية في منعها والتأكيد على الرسالة التربوية السامية للتعليم والفائدة الوجودية منه والتمسك بمبدأ التعليم من أجلى تحصيل العلم وليس التعليم من أجل الحصول على شغل.
 - توجيه الاستثمار نحو قطاع التربية والتعليم ورصد اعتمادات كافية والترفيع في النسب المخصصة من الميزانيات إلى هذا القطاع مما يحسن من التجهيزات والمرافق ويطور من مداخيل المربين ويقيهم من كل ضروب الاحتياج.
 - تضافر الجهود من طرف كل مكونات المجتمع من أجل إعادة الاعتبار للمؤسسة التربوية وللمربي باعتباره محور العملية التعليمية وتدخل وزارات الإعلام والثقافة من أجل توفير كل المستلزمات المرئية واللامرئية وأحداث مكتبات متطورة تضم الدوريات والمنشورات الجديدة وتشجع على التعريب والترجمة وتعزيز مكانة الفصحى والتمكن من اللغات الأجنبية والمطالعة والتثقيف وتقوم بعصرنة التعليم مما يواكب مجتمع الفرجة وزمن الصورة.
 - دمقرطة التعليم والحفاظ على مجانيته والتشجيع على الخلق والابتكار واحتضان المواهب وصقلها وتلازم التقدم في المسار الديمقراطي بالارتقاء بمستوى المؤسسة التربوية وعصرنتها وتجويد طرق التدريس فيها.
 - علمنة الفضاء التربوي وتحريره من الوصاية السياسية والايديولوجية للدولة: إذا كانت التربية من المنافع الاجتماعية الأولية التي يتعين توزيعها وفق الأدوار والامتيازات والحقوق والالزامات فإن انجاز هذه المهمة يدخل ضمن وظائف المجتمع المدني وليس ضمن مهمة الدولة فحسب. عندئذ ان الاعتراف بحرية التعليم وانجازه يعود إلى واجب التوافق مع تعددية الآراء المتعلقة بالمجتمع المدني ويتعلق باختبارات التأهيل ويشترط التوافق الضروري على إدراج الرموز الكبرى التي أسست ثقافتنا في التعليم العمومي وعلى تمكين المتعلمين من معرفة ماضيهم الخاص وتراثهم الثقافي الأصيل واستخلاص الرهانات الحضارية والمكاسب الفلسفية من تاريخ الحروب الدينية والجدل بين الفرق الكلامية.
 
- اتباع فلسفة معاصرة للتربية وليس تطبيق نظرية تربوية تزعم العلمية والموضوعية دون أخرى.
 ان مدار النظر في أي محاولة لتثوير التعليم هو ايلاء عناية خاصة بالكيف والنوع ضد منطق الكم والحساب والتركيز على الفعل تطوعي والعمل الرسالي ضد المنفعة المادية والحساب الخاص واعطاء قيمة للعمومية وتدخل الدولة المكثف ضد الخوصصة واحكام تنظيم الاستثمار الفردي والانتصاب الحر.
 ان تغيير الذهنية يسمح للأفراد بمواجهة المشاكل الحقيقية التي تطرح في حياتهم الخاصة والمهنية وانه لن يتم الا من خلال تفجير ثورة عارمة في مجال التربية. ان ما يعاني منه تعليمنا هو البرمجة الأحادية والمسقطة والفصل بين المعارف والاختصاصات والعلوم وان ما ينتجه هو عقول غير قادرة على الربط بين المعارف وليس بمقدورها معرفة الحاجيات الحقيقية للمتعلمين وتحديد المشاكل الجوهرين للمتعلمين.
هكذا يجب أن يتأسس النظام التربوي الجديد على مبدأ مغاير للمبدأ الحالي المستهلك وينبغي أن يسمح هذا النظام الجديد بتنمية مهارات الفكر ويفجر طاقاته الكامنة ويبعث على التفكير في مصير الشخص والمجتمع في تعقده. وان المرجو من هذا النظام التربوي هو التركيز على دوره التمدني والحضاري ومحاولة إدماج التفاهم بين الأشخاص والشعوب والاثنيات في صلب العملية التربوية والوعي بتحديات المرحلة واستحقاقاتها والتعرف على الحاجيات السياسية والاجتماعية والأخلاقية للأفراد والجمع بين التقاليد العلمية في البحث والثقافة الانسية وشروطها التحررية ورسالتها الوجودية والايكولوجية.
 ان تثوير التعليم وتغيير الذهنية يسيران جنبا إلى جنب بل هما مسار واحد ويكملان بعضهما البعض بحيث لا يتحقق واحد منهما الا بحضور الآخر. ان اهتمام الفكر بالتربية والتعليم يندرج ضمن معرفة المعرفة. وان المنطلق الأول الذي يلزم الشروع به هو التسلح بالنقد والنقد الذاتي والحذر حتى يتزود التعليم بالمحصنات ويقي نفسه من الوقوع في الأوهام والأخطاء وحتى يتغذي من ثقافة تمرست على النقد والتنوير والعقلانية والتحديث والعصرنة.
 ان مهمة التربية والتعليم هو اخراج الفكر البشري من مرحلة دونية إلى مرحلة أخرى أكثر تطورا وازدهارا وتنمية الحياة وتدبير المنزل وتهيئة المجتمع نحو مواجهة مظاهر الاستهلاك والاغتراب واقامة علاقة تناغم مع المحيط واقامة علاقة جمالية مع الجسد وتغليب البعد الكيفي على البعد الكمي في الوجود. يا ترى كيف يؤثر تطوير التعليم والتطوير على الجو العام في الثقافة والحضارة والسياسة؟
 خاتمة:
 ”تصبح الغاية الكلية لسياسة الحضارة هو تحضير الأرض وذلك بضمها ضرورة إلى سياسة الإنسانية“.[5]خلاصة القول أن أزمة التعليم عند العرب هي عينة من أزمة التعليم في العالم بما في ذلك الدول المتقدمة إذ يشهد الكون اليوم تراجعا رهيبا للعلوم الإنسانية في ظل تفجر الثورة الرقمية وحلول المرئي والصورة بدل المكتوب والشفوي، كما أن المحاولات المبذولة من طرف بعض الهيئات المشتركة سواء العربية كالأسيسكو أو الدولية مثل اليونسكو لا يمكن أن يستهان بها وقد حققت نتائج محدودة، ورغم ذلك تظل غير كافية وغير بريئة وخدمت بعض المشاريع الاختراقية والعولمية وقد ضاعفت من الأزمة عوض حلها، وفي الواقع تظل تحتاج إلى حراك سيادي داخلي ينقدها ويراقبها وتعويل على الذات من خلال الكفاءات والخبرات المحلية وتشجيع المربين أنفسهم على تحمل المسؤولية والتفكير في مستقبل التربية والتعليم لديهم وتوفر قابلية ذاتية للتنمية والنهوض.
 ان المطلوب هو التمييز الإجرائي والضروري بين التربية والتعليم. فالتربية تنشد العمل وإصلاح الأفعال وزرع الشيم الأخلاقية وتهذيب النفوس على السلوك القويم والالتزام بمبادئ الاحترام والإخلاص والوفاء. أما التعليم فينشد الحقيقة ويهتم بما هو نظري ويبحث عن المناهج التي تعصم العقول من الوقوع في الغلط.
 يقول المعلم الثاني: ”والتعليم الذي يكون باحتذاء هو الذي يلتئم بأن يرى المتعلم المعلم بحال ما في فعله أو غيره فيتشبه به في ذلك الشيء أو يفعل مثل فعله فيحصل للمتعلم القوة على ذلك الشيء أو الفعل“.[6] ان تحرير التعليم وعلمنة التربية حسب بول ريكور يقتضي النهوض بالقطاع الإعلامي داخل المؤسسات وربط جسور التواصل بينها وبين المحيط الخارجي والهيئات السياسية والحقوقية والاعتراف بالوضع الصعب وغير المستقر الذي تمر به المدرسة وفتح باب التفاوض والمداولة بين العقلاء والحكماء حول نموذج التعليم الواجب التوجه نحوه والإصغاء إلى آراء مخالفة واعتماد أساليب حجاجية مضادة وتدعيم التربية على النقاش لدى المتعلمين عبر إطلاعهم على الاشكالية التعددية للمجتمع المعاصر وترسيخ علمانية المواجهة بين قناعات وازنة ومقاومة الفقر الثقافي. انه ”يلزم أن نملك هيئة لمناقشة مشاكل التعليم الديني في المدرسة بحيث تتألف من ممثلين عن الدولة والمجتمع المدني“.[7] لكن ما العمل بعد الثورة العربية في مجال التربية والتعليم؟ ألا يجب إيقاف حمى سلعنة التعليم وجعل التربية مادة قابلة للترويج والبيع بمقابل مادي؟ أليس من المفروض فصل التعليم عن سوق الشغل والايمان بالعلم للعلم وفصل البحث الجامعي عن حاجيات المجتمع الآنية؟ هل ننتج نموذجا خاصا بنا من خلال مخزوننا التراثي وبديلنا الحضاري أم نظل نجتر النماذج الجاهزة ونطبق ما هو مستورد وفاشل في عقر داره؟ ومتى يعود البريق إلى المدارس والمعاهد والجامعات في حضارة اقرأ؟ وما السبيل إلى جعل الناشئة تشد الرحال إلى العلم دون من تلقاء أنفسهم ودون اكراه؟ ومتى يعلمون أن المعلم كاد أن يكون رسولا وبأن العلماء هم ورثة الأنبياء؟ وكيف ينتصر التعليم بما هو أسوة واحتذاء واقتداء على التعليم بما هو برمجة وتلقين وتكوين؟ وهل يقبل الطفل بمبدأ التعليم للتعليم والمعرفة للمعرفة؟
 ******
 المراجع:
 Edgar Morin، la méthode 6، Ethique، éditions du Seuil، Paris، 2004.
 J. j. Rousseau، Projet pour l’éducation de M. de Sainte- Marie.
 E. Kant، Traité de pédagogie، Traduction de Jules Barni.
 أبو نصر الفارابي، كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق بيروت، الطبعة الثانية، 1986.
 بول ريكور، من النص إلى الفعل. ترجمة محمد برادة وحسان بوريقة، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية والإنسانية، الطبعة الأولى 2001،
 بول ريكور، الانتقاد والاعتقاد، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2011.
مجلة الأزمنة الحديثة المغربية، العدد 3- 4- أكتوبر، 2011.
 *******
 الهوامش
 [1] حنا أرندت، أزمة التربية، ترجمة حماني أقفلي، عز الدين الخطابي، مجلة الأزمنة الحديثة المغربية، العدد 3646 أكتوبر، 2011. ص. 17
 [2] بول ريكور، من النص إلى الفعل. ترجمة محمد برادة وحسان بوريقة، عين للدراسات والبحوث الاجتماعية والإنسانية، الطبعة الأولى 2001،
 [3] E. Kant، Traité de pédagogie، Traduction de Jules Barni،
 http://fr. wikisource. org/wiki/Trait% C3% A9_de_p% C3% A9dagogie
 [4] J. j. Rousseau، Projet pour l’éducation de M. de Sainte- Marie،
 http://gallanar. net/rousseau/education. html
 [5] Edgar Morin، la méthode 6، Ethique، éditions du Seuil، Paris، 2004، p. 193.
 [6] أبو نصر الفارابي، كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق بيروت، الطبعة الثانية، 1986. ص. 86
 [7] بول ريكور، الانتقاد والاعتقاد، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2011.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى