الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » ضرورة التعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع وتقدمه

ضرورة التعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع وتقدمه

عناصر البحث:

1.الزواج المثالي وارتباطه بالتربية

2.مفهوم الأسرة المسلة

3.مسؤوليات الأسرة في الإسلام

4.التعاون بين البيت والمسجد والمدرسة

5.دور المدرسة في بناء المجتمع

الحمد الله الذي أرشد الإنسانسة إلى ما فيه خيرها وصلاحها، وهدها إلى ما يحقق سعادتها ويضمن لها البقاء في صحة وعافية لتعمر هذه الأرض وتستمر في أداء مهمتها التي هيأها الله لها من الاستخلاف في الأرض، والانتفاع بما في الكون من خيرات ونعيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الأمين الذي أرسله الله بالبشارة الكبرى وأيده بالمعجزة العظمى:القرآن الكريم بما فيه من آيات بينات تتضمن التشريع الصالح لكل زمان ومكان وبما يحتوي عليه من قواعد عامة وشاملة تنظم حياة الناس في جميع المجالات وتبني المجتمع على أسس ثابتة ومتينة وتعطي كل فرد من أفراد الأسرة ما يستحقه من الاهتمام والرعاية.

فقد هدانا الله سبحانه بواسطة هذا القرآن وجعل أفضل رابطة تربط بين الرجل والمرأة هي رابطة الزواج الذي تسوده المودة والاحترام لقوله تعالى: « ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة » الروم الآية 21. 

كما أوصى الإنسان رجالا كانوا أو نساء بالإحسان إلى الوالدين والبرور بهما من أجل استمرار الرابطة الأسرية وتقوية أواصرها فقال عز وجل:«وقضى ربك ألا تعبد إياه وبالوالدين إحسانا» (الإسراء).

ورفع عن المرأة ما كان يقع لها من إذيات وسوء معاملة فقال عز وجل: « وعاشروهن بالمعروف، فإن كرتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا…» إلى غير ذلك من التعاليم التي تجعل الإنسان يعيش حياة هادئة سعيدة يتحمل فيها كل فرد من أفراد الأسرة ما تهيئه له طبيعته وينال ما يحتاج من حقوق في ظل التفاهم والتسامح والحلم والإيثار… 

ومن فضل هذا الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج شامل قويم في تربية النفوس، وتنشئة الأجيال وتكوين الأمم وبناء الحضارات وإرساء قواعد المجد والمدنية… وماذا إلا لتحويل الإنسانية التائهة من ظلمات والشرك والجهالة والضلال والفوضى إلى نور التوحيد والعلم والهدى والاستقرار.

فقال عز وجل: « قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط المستقيم » المائدة.

« التعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع وتقدمه» موضوع اجتماعي أساسي يهمنا اليوم وغدا وبالخصوص في هذه المراحل الحرجة التي نحياها وتحياها أمتنا العربية الإسلامية، لذلك فإن الموضوع يحتاج إلى دراسة عميقة من خلالها نعمل بالشكل الصحيح على تطبيق مبادئها وتقريريها من أجل النهوض فعلا بالمجتمع العربي الإسلامي.

إذن: وتحت هذا العنوان والذي سنعيش لحظات أتوخى من سبحانه أن تكون ممتعة وشيقة في تحليلنا ومناقشتنا له. وقبل والولوج في الموضوع لابد من وضع منهجية وأرضية نسير عليها في تحليلنا لهذا العرض إذن: فما هو مفهوم الأسرة؟ 

وفيما يتجلى دورها في بناء المجتمع؟ وهل هناك تعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع؟ وما السبيل إلى إصلاح والبناء؟.

وما البداية الصحيحة في تكوين المجتمع الصالح؟ وما المهمة الملقاة على كاهل الآباء والمربين ورجالات التربية والتعليم في هذا العصر؟ كل هذه التساؤلات تدور حول منطلق واحد هو: « التعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع وتقدمه ».

I .الزواج المثالي وارتباطه بالتربية:

قبل الشروع في الحديث عن التعاون بين الأسرة والمدرسة في بناء المجتمع وتقدمه يحسن أن نتعرض باختصار لمسألة الزواج.

فالزواج هو صيلة شرعية بين الرجل والمرأة بنية الدوام والبقاء على المودة والمساكنة وغايتها: الإحصان والعفاف وذلك لاستمرار النوع البشري بكيفية سليمة في ظل أسرة متماسكة ومستقرة ولهذه الاعتبارات حث الشرع الإسلامي الحنيف على الزواج واعتبره من مكملات الدين وسنة من سنن الأنبياء والمرسلين ومن رغب عنها فليس من ملة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقوله(صلى الله عليه وسلم): “ومن رغب عن سنتي فليس مني”. 

ولكي يقوم الزواج على أسس شرعية سليمة وتدوم العشرة والألفة بين الزوجين لابد أن تسبقه بعض الترتيبات الاجتماعية والإجراءات الإدارية ومن هذه الترتيبات: الخطبة الشرعية التي تأتي قبل الزواج وهي تصرف أساسي ليتعرف الرجل والمرأة على ما يدعوهما إلى الاقتران ببعضهما. 

كما يعتبر مرحلة أساسية للتعارف والتشاور حتى لا يفاجئ كل من الزوج والزوجة ليلة الزفاف بأمور قد تحدث أثارا سلبية على حياة الأسرة ومعلوم أن الخطبة لا تعتبر زواجا ولكنها وعد بالزواج. وللزواج نواحي ثلاثة: الزواج فطرة إنسانية – الزواج مصلحة اجتماعية – الزواج انتقاء واختيار والأن التعرض لمثل هذه النواحي يبين وجه ارتباط التربية بتحمل المسؤولية وإنجاب الدرية والاعتراف بالنسب وسلامة الأجسام والأخلاق.

وبالزواج يتعاون الزوجات على بنا الأسرة وتحمل المسؤولية…فكل منهما يكمل عمل الآخر. 

فالمرأة تعمل ضمن اختصاصها وما يتفق مع طبيعتها وأنوثتها وذلك في الإشراف على إدارة البيت والقيام بتربية الأبناء والأولاد والرجل كذلك يعمل ضمن اختصاصه وما يتفق مع طبيعته ورجولته وذلك في السعي وراء العيال والقيام بتربية الأبناء وتفقد أحوالهم وحماية الأسرة من عوادي الزمن ومصائب الأيام وفي هذا يتم روح التعاون ما بين الزوجين ويصلان إلى أفضل النتائج وأطيب التمرات في إعداد أولاد صالحين وتربية جيل مؤمن يحمل في قلبه عزمة الإيمان وفي نفسه روح الإسلام بل ينعم البيت بأجمعه ويرتع ويهنأ في ظلال المحبة والسلام الاستقرار.

II. مفهوم الأسرة المسلمة:  

الأسرة في الإسلام هي تلك هي تلك الأسرة التي تتكون من الزوج والزوجة والأولاد والأحفاد والأجداد والأقرب، فهي أسرة ممتدة تضمن بامتدادها لكل فرد منها الطمأنينة والأمان، والطفل في هذه الأسرة الممتدة بشرط أن تكون متعلقة وواعية ينمو متشبعا بالحنان والعطف و مؤزرا بعصبة تمنحه القوة وتهبه الشجاعة، فينشأ سليم البدن والوجدان، وشتان بينه وبين الطفل الذي يربى في دور الحضانة، فينمو سليم البدن، لكنه مهتز الروح مضطرب النفس وشتان ما بين شيخ يعيش هاجس الشيخوخة، لأن هذا الهاجس يعني النبذ والوحدة والعزلة وهجرة الأبناء والأحفاد فالأسرة المسلمة بنية تربوية للتضامن والتآخي والرحيم وهي بذلك تكون أن أصلح لبنة أساسية لبناء مجتمع إسلامي متكامل متضامن فيما بينه، تسوده المودة والاحترام. 

والأسرة في المنهج الرباني ضرورية للحياة النظيفة إذ هي تعد المحضن الطبيعي لتكوين الأجيال، والمدرسة الأولى لتنشئة الشعوب بل هي الخلية الأساسية المسؤولة عن مولد الأمة الرشيدة وبإخراجها للوجود والطريق الطبيعي لذلك هو الزواج، ولذلك امتن الله على الإنسان بقوله: « ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا…» الروم 21 وكما رغب الرسول (صلى الله عليه وسلم) في زواج رغب أيضا في اختيار الزوجة الصالحة لأنها المربية الصالحة للمجتمع وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:«الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» وعن أبن عباس (ض) عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: « خيركم خيركم لأصله وأنا خيركم لأصلي » أخرجه ابن ماجه ، لقد أعطى الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذا الحديث المثل الأعلى في المودة وحسن المعاشرة والعفة. فكان عليه أفضل الصلاة والسلام الزوج المثالي، العادل بين أزواجه والأب الرحيم، شفق على الصغير، ويوقر الكبير ويصل الرحيم… وقد سئلت عائشة (صلى الله عليه وسلم) عن خلقه (صلى الله عليه وسلم) ” فقالت كان خلقه القرآن” أخره مسلم.

وقد بلغ من خلقه أنه أثنى الحق عليه في كتابه بقوله: « وإنك لعلى خلق عظيم » سورة القلم الآية4. كما بين عليه أفضل الصلاة والسلام سلوك الزوجة المجس للخيرية كخلق نبيل في قوله (صلى الله عليه وسلم) «ما استفد المؤمن بعد تقوى الله خير له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وأن نظر إليها السرته وأن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله » رواه ابن ماجة. 

III. مسؤوليات الأسرة:

للأسرة المسلمة مسؤوليات تتحملها إزاء أفرادها، كما تلعب دورا مهما تجاه الأبناء فهي التي تنجب الأطفال وتمنحهم الاسم والنسب وهي التي ترعاهم منذ ولادتهم إلى سن الرشد، فتوفر لهم الغذاء والمسكن وتسهر على رعاية صحتهم وتلقنهم اللغة والدين والأخلاق والسلوك الحسن وتلحقهم بالمدارس حين بلوغهم السن القانوني وهذه المسؤوليات هي:

1.المسؤولية الدينية: فالأطفال وديعة وأمانة لدى الأسرة، وهي مسؤولة عن إرشادهم إلى ما يزكي فطرتهم الدينية وينظم سلوكهم ـ قال (صلى الله عليه وسلم) « كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه…» أخرجه مسلم ويقول عز من قائل: « يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة…» التحريم 6. 

فالمسلم كما هو مأمور بحفظ نفسه من النار مأمور كذلك بحفظ أهل بيته منها فيحملهم على عبادة الله وطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

2.المسؤولية التربوية: تقوم الأسرة بدور كبير في التنشئة الاجتماعية للأطفال وتربيتهم على القيم الرفيعة وتمكينهم من أسس المعرفة التي تفتح لهم أبواب العلم، حنى إن بعض المفسرين فسروا قوله تعالى:« قوا أنفسكم وأهليكم » بأن الوقاية من النار لا تكون إلا بالتعليم فالتربية والتعليم مسؤولية الأسرة وسوف تحاسب عليها يوم القيامة فالتعليم حق الجميع ومن حقوق الأبناء على الآباء خاصة ويؤكد ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) «حق الوالد ثلاثة: أن يحسن أسمه وأن يعلمه الكتابة وأن يزوجه » وقوله تعالى: « اقرأ باسم ربك الذي خلق…» سورة العلق الآية 1 وغيرها من الآيات الدالة على وجود التعليم والبحث عن الدين.

3.المسؤولية الاجتماعية: الإسلام يؤكد على صلة الرحيم وإيثاء ذي ألقربي والهدف الاجتماعي من هذا التأكيد هو بقاء الأسرة المسلمة متضامنة، مشبعة بروح الود المتواصل. 

وذو القربى في المنظور الإسلامي هم قربى النسب والمصاهرة فأهل الزوج قربى للزوجة وآهل الزوجة قربى للزوج والإحسان يشمل النسب والمصاهرة وقد قرن الإسلام الإحسان ذوي القربى بالإحسان إلى الوالدين مما يؤكد موقعهم ضمن الأسرة. والإحسان إليهم يكون بزيارتهم وتفقد أحوالهم ورعايتهم وتقديم العون لهم وهذا أكبر مثال للرعاية الاجتماعية في الإسلام. 

4.المسؤولية الاقتصادية: الأسرة مسؤولة عن الرعاية الاجتماعية والاقتصادية للطفل، فهي مسؤولة عن احتياجات أبنائهم المادية وإذا كان الأمر بالإنفاق موكلا إلى الأب بحكم قوامته على البيت فإنه لا يضر إذا تعاون أفراد الأسرة النشيطين على مسؤولية الإنفاق ويكون ذلك بالمعروف وفقا للقاعدة الإسلامية المنصوص عليها في سورة البقرة: الآية 36 «وعلى المُوسِعِ قَدْرُهُ وعلى المُقْتِر قَدْرُهُ » كما يلزم أن يكون من الرزق الحلال لقوله (صلى الله عليه وسلم) « أفضل دينار ينفقه الرجل، دينار ينفقه على عياله » أخرجه مسلم. 

والإنفاق يشتمل كل التحملات الاقتصادية من مسكن وملبس وتعليم وتطبيب وغير ذلك من الأمور التي يجب الإنفاق على الأبناء فيها.

IV.التعاون بين البيت والمسجد والمدرسة: من المعلوم أن مسؤولية البيت تتركز في الدرجة الأولى على التربية الجسيمة للإثم الكبير الذي ينال من يضيع حق أولاده ويهمل معيشته… روى أبو داود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» وفي روايه لمسلم: كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته»

ومن المؤكد أن رسالة المسجد في الإسلام تركز في الدرجة الأولى على التربية الروحية لما الصلاة الجماعة وقراءة القرآن الكريم من قيوضات ربانية ورحمات إلهية ى تنتهي ولا تنقطع.روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) « صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث تقول اللهم ارحمه ـ اللهم ارحمه ولا يزال في مصلاه ما انتظر الصلاة ». 

ومن الأمور التي لا يختلف فيها اثنان أن مهمة المدارس تتركز في الدرجة الثانية بعد الأسرة في التربية والتعليم كما للعلم من أثر كبيرة في تكوين شخصية ورفع كرامة الإنسان و من هنا كان فضل العلم عظيما في الإسلام. 

فحينما نقول بتعاون البيت والمسجد والمدرسة فبمعنى هذا أن الإبن قد اكتمل شخصيته وتكون روحيا وعقليا ونفسيا بل كان العضو الفعال في تقدم أمته وإعزاز دينه ومجتمعه… ولكن هذا التعاون لا يتم على الوجه الأكمل إلا بتحقيق شرطين أساسيين: 

1.ألا يكون ازدواجية وتناقض بين توجيه البيت والمدرسة.

2.أن يكون التعاون هادفا لا يجاد التكامل والتوازن في بناء الشخصية الإسلامية. فإذا تم التعاون هدفا وتحت هذين الشرطين فالأبناء يكتمل تكوينهم روحيا وجسميا ويتكونون عقليا ونفسيا.

V. دور المدرسة في بناء المجتمع: لقد تحدثنا فيما سبق عن دور الأسرة المهم في بناء المجتمع، فإذا كانت الأسرة اللينة الأولى والأساسية لبناء المجتمع فإن المدرسة أيضا لها دور كبير في تتمة هذا البناء ـ بناء المجتمع ـ والأسرة وحدها غير كافي للقيام بمشروع هذا البناء والإصلاح. 

والواقع شاهد على ما نقول بحيث العدد الكبير والمهول الذي تشهده ساحتنا العربية الإسلامية من مدارس وثانويات وجامعات وأكاديميات…كل هذا يجعل من المدرسة والتعليم دور مهم في بناء المجتمع وتقدمه. وصحيح أن الأسرة لها دور كبير في الرقي بالمجتمع لكن هذا الرقي والتقدم بدون المدرسة فإنها تكون فاقدة للنور الذي ينير لها الطريق للوصول بدون تعثر أو ضياع… وكما هناك جانبا مهما لولاه ما تحقق بناء المجتمع إنه المعلم أو الأستاذ الموجه والمرشد والمبين والمربي الذي له فضل كبير في هذا البناء بتزويد الطفل أو الولد بشتى أنواع العلوم والمعارف…

—————

المصدر:منتديات فضاء

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*