الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » السنن النفسية والعرقية وأثرها في حياة الشعوب

السنن النفسية والعرقية وأثرها في حياة الشعوب

تعتبر العوامل النفسية والمتغيرات التي تصيبها لها أثر بارز في تطور حياة الشعوب, وهذا ما يفسر التأثيرات التي تصاحب قيام الدول وسقوطها وكيف تحمي الدول الكبرى مصالحها والاهتمام بروح العرق المهيمن على مقادير الأمم حين تتشابك المصالح.

وما مشكلة سورية ببعيدة، فتدخل الدول الأوروبية في ليبيا له أبعاد تاريخية عرقية له ارتباط بالاستعمار السابق، بينما الحال لا يعنيهم في سورية والعرق الأوروبي لا يرغب في التصادم مع العرق الروسي لأمور كثيرة منها التجاذبات التاريخية السابقة وتباين النمط بين العرقين، لذلك هناك تنافر عام.

لكن هناك مصالح خاصة قد يتفق عليها الكل، ويمكن القول: إن العرق هو مجموعة من الأفكار والمشاعر تجمع طائفة من البشر وتتكون منها الاحتياجات والعادات والرغبات وفق درجات معينة تتشكل منها الروح القومية، فالعرق الأوروبي درجات، بل العرق الألماني درجات، فالألماني الأصلي غير النمساوي والجرماني.. وهكذا.

وتختلط الشعوب بسبب تأثيرات معينة، لذلك نجد أن العرق الفارسي نشط للنظام السوري امتدادا للفكر المذهبي, ويمكن القول إن أعظم المؤثرات التي يخضع لها الفرد على ثلاثة أنواع:

النوع الأول تأثير الأجداد وهو مهم جدا.

النوع الثاني تأثير الآباء القريبين وهو أضعف من الأول.

النوع الثالث تأثير البيئات، وهذا الأخير هو الذي يفسر المؤثرات المفاجئة في العرق المعين.

فالحوثيون في اليمن هم امتداد للعرق العربي، لكنهم تغيروا في انتمائهم، بسبب البيئة الدينية التي تأثروا بها، وأمثال هؤلاء يمكن معالجتهم نفسيا، بسبب الارتباط العرقي، لأن الأفكار والمشاعر التي تسيطر عليهم هي روح تبقى قائمة وإن تشوهت بأفكار ومعتقدات ومشاعر مغايرة, لكن سنة الله تبقى في حياة الأمم والشعوب.

إن العرق جاذب ولا يمكن التحرر منه، لأنه امتداد لحياة الآباء والأجداد, وإذا كان الأموات أكثر من الأحياء بلا مقارنة فإن الأموات أقوى من الأحياء في الموروث العرقي لحياة أي شعب، لأن الأموات يسيطرون على دائرة اللاشعور الواسعة في مجموع الأفكار والمشاعر، لأن الأجيال الغابرة تفرض علينا من خلال تاريخها أفكارها ومزاجها النفسي والأبعاد الاجتماعية والتقاليد والقيم.

لذلك قد تستغرب بعض الطقوس في اليابان مع أنه بلد التطور والانفتاح، إلا أن أفكار العرق الياباني تظل مرتبطة بالمزاج التكويني النفسي, ولا تتغير هذه التكوينات إلا بظهور عرق جديد كما يحصل في اختلاط شعبين وظهور التوالد، كما حصل بين الشعب الإسباني والعرب في الأندلس عندما ظهر ما يعرف بالمولدين ومثل ما حصل بين الإنجليزي السكسوني والنورمندي والبريطاني القديم.

لذلك يعتبر التوالد الوسيلة الوحيدة لتحويل أخلاق الشعوب تحويلا أساسيا، بل يرى الدكتور جوستاف لوبون في كتابه الرائع “السنن النفسية لتطور الأمم” أن أول أثر للتوالد بين مختلف العروق هو القضاء على روح هذه العروق.

أي على مجموعة الأفكار والمشاعر المشتركة التي تتألف منها قوة العرق في تكوين نسيجها العام، التي لا وجود لتلك الأمة ولا لوطنها إلا بها، وهذا ما يفسر الارتباط النفسي بين الشعب الأسترالي والنيوزلندي وامتدادهم الأوروبي.

فالمزاج النفسي التكويني واحد بين تلك الدول، وإن كانت هناك تأثيرات أخرى طغت على تلك الشعوب إلا أن رابطة العرق هي الأصل في الحد النفسي، لأن الشعوب والأمم مسيرة بأخلاق عرقها ما لم تنحل تلك الرابطة، بسبب عوامل التوالد مع شعوب أخرى. ومن خلال نظرة تطبيقية لما سبق يمكن شرح كيفية قيام الثورات في مكان والاستقرار الاجتماعي في مكان والقابلية المستقبلية في مكان آخر، إذ إن روح العرق الواحد وإن كانت خفية في جوهرها بين الأفراد إلا أن الأفكار والمشاعر هي التي تسيطر على تطور الحياة الاجتماعية وتقلباتها فيجتمع لدى الأفراد وحدة المشاعر ووحدة المصالح ووحدة العقائد، وإذا امتزج العرق بهذه الوحدة حصلت التطورات التي هي في ذاتها رواسب اجتماعية بطيئة التغير.

لكنها تمنح الجميع قوة نفسية تجعل الكل في مزاج نفسي متجانس وثابت، وعادة ما يتفق هؤلاء على المسائل المهمة في كيفية التغيير بروح القومية الواحدة, وغالبا يتأثر العرق بالعروق الأخرى المنفصلة عنه مثل التأثر بين الشعب الليبي والمصري، إذ يعتبر الشعب الليبي عرقا منفصلا عن الشعب المصري إلا أن السنن النفسية لتطور الشعب الليبي كانت مختلفة في التعامل مع أحداث الربيع العربي والبدء بها، بينما نجد الأمر مختلفا مع الشعب المصري.

إن تلك الشبكة من المشاعر والأفكار والتقاليد والمعتقدات الموروثة تجعل التآلف بين روح الأفراد يشكل عرقا، وهذا في كل الأمم، لكن بدرجات مختلفة، وتنمو تلك العروق تاريخيا ببطء شديد فتظهر في القرية الواحدة ثم المدينة ثم تظهر فكرة الوطن، ويحصل بعدها الانتماء للمواطنة التي هي في أصلها امتداد للعرق الواحد.

لكن وفق توسع تاريخي تدريجي، يمكن أن يحصل تجانس بين أكثر من عرق في الوطن الواحد بشروط أهمها: الشرط الأول ألا يكون تفاوت العروق في الوطن الواحد كبيرا في العدد, الشرط الثاني ألا يكون اختلاف هذه العروق في الأخلاق عظيما, الشرط الثالث أن تظل هذه العروق خاضعة لبيئات واحدة زمنا طويلا. 

ويمكن التمثيل لذلك بما حصل في ماليزيا من كونها مزيجا من العرق الملاوي والعرق الهندي والعرق الصيني، وكل هذه العروق المختلفة كان لها سبب في تحرير ماليزيا من الاستعمار الإنجليزي الذي لم ينسجم فيه العرق الإنجليزي، بسبب الاختلاف الكبير في المقومات الأخلاقية وكذلك التباين في المزاج التكويني النفسي.

إن الاهتمام بصفات العروق النفسية وتغير أخلاقها ومراتبها وفي تفاوت الأفراد والعروق يوضح للقارئ الكريم كثيرا من التغيرات المجتمعية، كما أن دراسة تكوين العروق تاريخيا، وكيف أن ذلك يسهم في عناصر الحضارة لارتباطه بالتكوين الخارجي لروح الأمة الواحدة، وكل ذلك يوضح لنا كيف تتغير المعتقدات والأنظمة والفنون وكيف تؤثر في حياة الأمم سواء بالتقدم أو التخلف وفق سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.

—————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد اللطيف القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*