الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » أمية ثقافة الحوار الطلابي في مؤسساتنا التعليمية إلى متى؟

أمية ثقافة الحوار الطلابي في مؤسساتنا التعليمية إلى متى؟

أصبح من الطبيعي أن المدرسة بيئة غير مرغوب فيها عند السواد الأعظم من الطلاب، وإنما فرضتها الحاجة الملحة التي يسعى وراءها ولي الأمر بالدرجة الأولى للاطمئنان على مستقبل ابنه.

يتساءل الكثير كيف نرغّب أبناءنا في هذا المحضن التربوي وهذه الفترة الحرجة من العمر حتى نتمكن من تحقيق الأهداف المرجوة من بقائهم في هذه المرحلة، ولماذا هذا الجفاء بين الطالب/ الطالبة ومدرسته.

بعد مراجعة بعض الأطروحات العلمية والتجارب العالمية واستعراض انعكاس بعض الثقافات على مؤسساتها التربوية في عديد من البلدان تم التوصل إلى نتيجة مهمة لها علاقة وطيدة بعدم انتماء الطلاب إلى بيئتهم المدرسية، وعدم رغبة الطلاب في الاستمتاع بيومهم الدراسي واكتسابهم القيم والمهارات والخبرات اكتسابا ذاتيا، وهي أن الطالب يقضي أهم فترة عمرية في حياته الدراسية – وهي فترة بناء الشخصية – ليس له نصيب في اتخاذ القرارات المتعلقة به في مدرسته وليس له مجال أصلا في إبداء رأيه ولم ينشأ أو يربى على ذلك فضلا عن عدم امتلاكه الأدوات الكافية لإبداء الرأي، ويرجع ذلك إلى عدد من الأمور التي من أهمها غياب ثقافة الحوار على مستوى المجتمع عموما وفي المدارس تعلماً وممارسة في الوقت الذي تشير فيه بعض الدراسات الحديثة إلى أن العوامل المؤثرة في رفع مستوى ثقافة الحوار لدى الفرد هي بالدرجة الأولى التربية والتعليم ثم التربية الأسرية ثم تطبيقاتها من خلال الأنشطة الثقافية والاجتماعية ثم من خلال وسائل الإعلام.

إن زيادة ثقافة الطالب الحوارية وممارسته للحوار لا تنعكس على زيادة رغبة الطالب في مدرسته وانتمائه لها فحسب، بل تسهم بشكل كبير في بناء الشخصية وصناعة مستقبل جيل واع ومشارك وإيجابي وتقضي على السلبية وتزيد من الوطنية الصالحة بتوفيق الله.

ممارسة الحوار في المدرسة بعد امتلاك أدواتها ومهارتها تعني أن نجعل الطالب يشارك برأيه في النقد البناء لبيئته المدرسية وفي اتخاذ القرارات المتعلقة به، كيف لا وهو المستفيد الأول من مرافق المدرسة على أي حالة كانت وينسحب الأمر أيضا على القرارات الإدارية وطرق التدريس والأنشطة التي وضعت من أجله.

كنت أتوقع أن تكون الشراكة بين مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ووزارة التربية والتعليم استراتيجية ممنهجة تقيس نجاحها بقدرة الطالب العادي بعد التخرج على امتلاكه أدوات الحوار وآدابه وفنونه منعكسة على طبيعة أحاديثه بتلقائية ودون تكلف كعنصر مشارك في اتخاذ القرار. ولا تقتصر على مجرد مسابقات أو دورات بسيطة وعلى قلة قليلة من الطلاب.

الشراكة بين مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ووزارة التربية والتعليم هي مشروع وطني كبير وطموح بحجم المكتسبات المتوقع جنيها من رفع مستوى ثقافة الحوار من خلال توظيف الحوار في الجانب التربوي والتعليمي.

ولمعرفة جانب من تلك المكتسبات نستعرض في نقاط أبرز ما ذكرته بعض الدراسات من الفوائد المرجوة من توظيف الحوار في مجال التربية والتعليم توظيفا منهجيا على النحو التالي:

1- يعزز توظيف الحوار في التربية والتعليم استراتيجيات بناء العلاقات الإيجابية بين المعلم والمتعلم وبين منسوبي المدرسة.

2- التربية بالحوار مع المتعلمين تحقق التربية على الأخلاق الفاضلة والمعاملة الحسنة المبنية على التسامح واللين والعطف والرحمة التي وجه بها ديننا الحنيف والبعد عن التشدد والقسوة والعنف.

3- يكسب الاحترام المتبادل والتقبل ونبذ الصراع وتقبل الاختلاف مع الآخرين.

4- يبني ويعزز ثقة المتعلم بنفسه ويؤكد ذاته ويشجعه على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

5- يعد مناخا ممتازا لتعديل السلوك وتقرير مبدأ القيم المقبولة.

6- علاج لمشكلات العداء والخوف والقلق والصراع والكبت ودعم النمو الانفعالي واستنطاق المشاعر.

7- يساعد المتعلمين على تصحيح أخطائهم بأنفسهم بالاقتناع نتيجة التعلم.

8- يعد تعليم مهارات الاتصال والحوار أهم من تعليم العلوم الأخرى لأنه الوسيلة المثلى للتعلم وبالتالي يساعد كثيرا على رفع مؤشر التحصيل الدراسي والنمو المعرفي.

9- يعد أساسا لاكتساب مهارات التفكير العليا كالتفكير الناقد والإبداعي.

10-تعلم الحوار يدعم فعالية التوجيه والإرشاد.

11-التربية بالحوار مع المتعلمين تحقق الوسطية والاعتدال في شخصية المتعلم.

12-التربية بالحوار تزيد من تماسك المجتمع والانتماء الوطني والإنتاجية في جيل المستقبل بإذن الله.

إن إكساب أبنائنا ثقافة الحوار على أسس إسلامية تربوية وطنية وممارستهم لها داخل المدرسة (وحتى في الجامعة) بطريقة منهجية خاضعة للتقويم المستمر مشروع وطني يعني الاستثمار الاقتصادي الأمثل لجيل المستقبل وبناء شخصيته وإعداده لتحديات الرقي والتطور وتصديه لأي أفكار تسعى لانحرافه أو تمزيق الوحدة التي ينعم بها مجتمعة بفضل الله.

وفي نهاية هذه الورقة أورد بعون الله بعض التوصيات التي من شأنها التقدم في مجال إكساب الطلاب ثقافة الحوار وجني ثمارها مستقبلا – بإذن الله – على النحو التالي:

1- أهمية إقرار مواد نظرية تطبيقية تدرس للطلاب في التعليم العام وإحلالها كمادة وطنية بدل التربية الوطنية على النحو التالي:

أ‌- من الصف الرابع إلى السادس مقررات بمسمى مهارات الاتصال.

ب‌- المرحلة المتوسطة مقررات بمسمى مهارات الحوار الوطني.

ت‌- المرحلة الثانوية مقررات بمسمى ثقافة الحوار الوطني.

2- التعاون والتنسيق بين وزارة التربية والتعليم ومركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني للخروج بمشروع وطني منهجي خاضع للتقويم المستمر لتعليم ثقافة الحوار ومهاراته وإكسابها لأبنائنا قبل مغادرتهم التعليم العام.

3- تفعيل مجالس الحوار الطلابي وإعطائها شخصية اعتبارية للمشاركة في اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالطلاب ومدرستهم.

4- تدريب المعلمين على ثقافة الحوار وإعدادهم لتدريس تلك المقررات.

5- التركيز على طرق التدريس التي تقوم على الحوار وتنمي مهاراته.

6- إشباع البيئة المدرسية بجو الحوار من خلال الأنشطة الصفية واللاصفية ومن خلال المسابقات واللقاءات.

7- تقديم الطلاب في المواقف الرسمية داخل المدرسة أمام زملائهم ومعلميهم وتشجيعهم ليطبقوا ما اكتسبوه من مهارات الحوار من خلال الإذاعة المدرسية والمسابقات واللقاءات.

8- التوجيه والتنسيق مع التعليم العالي لإدراج مواد تدرّس لطلاب الجامعة تتعلق بمهارات الاتصال والحوار التربوي في جميع التخصصات التربوية الجامعية.

9- وضع الآليات والقوانين والأنظمة التي تكفل احترام مبدأ الحوار وإشاعة ثقافته والتشجيع عليه في التعليم العام وعلى جميع المستويات.

10- التواصل بين المدرسة والأسرة لإشاعة ثقافة الحوار وتأسيسها داخل المنزل وكذلك مع وسائل الإعلام والإعلام التربوي خصوصا لإنجاح هذا المشروع الوطني.

-- عبد الله بن عبد العزيز الحسين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*