الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » إزالةُ الأَكِـنَّةِ عن شُبهاتٍ حَوْلَ طَاعَةِ العُصَاةِ من السلاطين والأئمة

إزالةُ الأَكِـنَّةِ عن شُبهاتٍ حَوْلَ طَاعَةِ العُصَاةِ من السلاطين والأئمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فهذا البحث لسابقة؛ كالتّتمّة، أَشْرَعْنا فيه الأسّنة، على زاعم الخلاف بين أهل السنة، في الخروج على الجائرين والعُصاة من السّلاطين والأئمة؛ وهي في ردِّ شُبهٍ استخرجوها من بطون بعض الدفاتر، احتفى بها وأذاعها مُفتُو (عصابة التكفير)، واستحلّوا بها: الأموال، والفروج، والأبْشار، ولم يصْدروا -كما عهدناهم- عن بصيرة، بل هم في ذلك؛ كـ(حاطب ليل)، و(حاطم سيْل)!
ونحن نقول لهم بادئ ذي بدء: لو فرضنا أن المسألة خلافية، لا وفاقية؛ فهل يسوغ لهم أن يُفتُوا ويُصدروا الأحكام، بلا نظر في المآلات، والعواقب، ولسان حال أحدهم: (فليكن ما يكن، ما دمتُ موافقاً للنصّ)، أو: (لا أُبالي بمن خالفني، ما أخذتُ بظاهرِ دليلٍ)، ثم يُعْرض عن الأدلة الأخرى الصريحة، ويُعرض أيضاً عن قواعد يجب اعتبارها والأخذ بها؛ تُبنى على أساسها كثير من فتاوى أهل العلم والفقه؛ تدخلُ في قاعدة: (المصالح والمفاسد)، فتراهم يتحرّون ما يكون فيه: (جلب خير الخيريْن)، أو(فعل المصلحة الكبرى وإن فاتت الصغرى)، و(دفع شرّ الشرّيْن، وارتكاب أهون الضرريْن)، أو (ارتكاب المفسدة الصغرى؛ لتفويت الكبرى).
  ودونك يا طالب الحق، هذا التصرف من شيخ الإسلام ابن تيمية، لتقف على فقه الجهابذة، ذوي البصيرة الوقّادة، لنصوص الشريعة الإسلامية، وعللها، وحِكمها، ومقاصدها، ولتقف على مواطن الخلل عند أولئك الذين يرسلون الفتاوى، بلا نظر في أعقابها، ولا صدورها.
 قال الإمام الشمس ابن القيم : “…وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية – قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه-، يقول: مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمن التتار، بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنما حرّم اللهُ الخمر؛ لأنها تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمرُ عن قتل النفوس، وسبي الذريّة، وأخذ الأموال؛ فدَعْهُم “(1).
ولذلك التصرّف الرشيد، أصلٌ في الدين، لولا الإطالة، لسقنا منه طرفاً، ونكتفي بما ثبت في الصحيح(2)، من ترك النبي صلى الله عليه وسلم، هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم؛ خشية إنكار قريش لذلك؛ لكونههم حديثي عهد بجاهلية، وقد علّق الحافظ ابن حجر، على هذا الحديث بقوله: ” ويُستفاد منه: ترك المصلحة؛ لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه: ترك إنكار المنكر؛ خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم، ولو كان مفضولاً، ما لم يكن حراماً “(3).
وهؤلاء الخوارج لا يراعون شيئاً من ذلك البتّة، ولا يرفعون إليه رأساً، على أنا نكرر ما قلناه: لو فرضنا القول: برجحان الخروج على سلاطين الجور؛ وأن ترك ذلك من المنكرات؛ فهذا مُقيّدٌ بعدم حدوث فتن وملاحم بين أهل الإسلام، أَمَا وقد جرّب أناسٌ الخروج على أئمة الجور، (وجرّبوا هذه التصعيدات السياسية)، فماذا جنوا وحصدوا منها: غير الخيبة والخسار، والفتن، فكم من دماء أريقت في سبيلها، وأرواح أُزهقت بغير حق، فإلى الله المُشتكى.
 فالعجب من هؤلاء، وروغانهم عن الحق، مع انتصاب الأدلة عليه، واسترواحهم إلى نقيضها، من الأقوال الضعيفة المرجوحة، والتفاتهم إلى فتوى الجهلاء، الذين اتخذتموهم وليجةً من دون الله ورسوله! مع أن نصوص السنة الغرّاء، وأقوال العلماء الأجلاء، برحت ما بها من خفاء، كالشمس في كبد السماء، وقد نقلنا لك في البحث الفارط، جملتَها، وقد نحتاج إلى إعادة  شيء منها في محل مناسبته.
أمّا إجماع أهل السنة على ترك الخروج على أئمة الجور بالسيف، فموعده مقالٌ آخر- إن شاء الله تعالى-، نبيّن فيه بطلان من ينسب إليهم، جواز الخروج على الأئمة بالسيف؛ إذا عصوا أو جاروا، وأن ليس عند من ينسب إليهم هذا القول، ما يصلح أن يكون دليلاً معتبَراً يُعَوَّل عليه، وإن رآه من رآهُ؛ فالعبرة بالدليل، لا بالقال والقيل.
قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-: “…إذا طرأ على الإمام الأعظم فسقٌ، أو دعوة إلى بدعة، هل يكون ذلك سبباً لعزله والقيام عليه، أوْ لا؟
قال بعض العلماء: إذا صار فاسقاً، أو داعياً إلي بدعة؛ جاز القيام عليه لخلعه.
والتحقيق الذي لا نشك فيه: أنه لا يجوز القيام عليه لخلعه، إلا إذا ارتكب كفراً بواحاً، عليه من الله برهان…”.
ثم ساق رحمه الله الأحاديث الصريحة في ذلك، وقال: ” والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكباً لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح، الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه كفر بواح؛ أي : ظاهر، بادٍ، لا لبس فيه.وقد  دعا المأمون، والمعتصم، والواثق، إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل، والضرب، والحبس، وأنواع الإهانة، ولم يقل احدٌ بوجوب الخروج عليه(4)؛ بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة، حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل  المحنة، وأمر بإظهار السّنة”(5).
وقال الزرقاني: ” وإلى منازعة الظالم الجائر، ذهبت طوائف من المعتزلة، وعامة الخوارج، أما أهل السنة فقالوا: الاختيار أن يكون الإمام فاضلاً، عدلاً، محسناً، فإذا لم يكن: فالصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه؛ لما فيه من استبدال الأمن بالخوف، وهرق الدماء، وشن الغارات والفساد؛ وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه. والأصول تشهد والعقل والدين؛ أن أولى المكروهيْن أولاهما بالترك “(6).
وقال العلاّمة صدّيق حسن خان: ” وأما عزل الإمام بالفسق؛ فلا ريب أن الإمام عبدٌ من عباد الله، طاعته كطاعتهم، ومعصيته كمعصيتهم، والتوبة تمحو الحوْبة، والله يحب التوّابين؛ فإذا وقعتْ منه معصية توجب الفسق، أو لا توجبه؛ وجبت عليه التوبة عنها، وأما أنها توّثر في بطلان ولايته: فلا، ومن ادّعى ذلك فعليه الدليل…ويعضد ما ذكرناه؛ ما ورد من الأحاديث الصحيحة المتواترة المقتضية لوجوب طاعة الأئمة، ما أقاموا الصلاة، وتحريم نزع أيدي الرعية من طاعته، ما لم يروا كفراً     بواحاً …” (7).
وندلف بعد هذه المقدمات، والكلمات، والقواعد الحسان، إلى تناول شبه أهل الهذيان، فأولّها: أنهم احتجوا بما جاء في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه المرفوع، وفيه: ” إلا أن تكون معصيةً لله بواحاً “(8)، وفي بعضها: ” ما لم يأمروك بإثم بواحاً “(9). 
فهذا يفيد بظاهره؛ جواز الخروج  على العصاة من الأئمة، ومنازعتهم، ومقاتلتهم.
 قلنا: الجواب من وجوه:
الأول: لا تعارض بين لفظ (معصية)، و(إثم)، وبين لفظ (كفر)؛ لأن لفظتيْ: معصية، وإثم، يدخل فيهما (الكفْر)، فهم من جملة المعاصي والآثام، كما لا يخفى، نظيرُ ذلك: قولُه صلى الله عليه وسلم، لمّا سُئل: أيّ الذنْب أعظم عند الله؟ فقال: “أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك”(10)؛ فسمّى الشرك والتنديد؛ ذنْباً. ولهذا أمثلة أضربنا عنها خشية الإطالة.
 والموجب لحملهما على هذا المعنى، ما استقر عليه الإجماع من تحريم الخروج على الأئمة الفسقة بالسيف، والأحاديث المصرّحة أيضاً بمنع الخروج على الأئمة العصّاة، وما سيأتي من الأوجه.
الثاني: أن الأخذ بظاهر قوله: (معصية)، و(إثم)، يقتضي الخروج على أئمة العدل أيضاً؛ لما قام الإجماع عليه؛ بعدم عصمتهم من الذنوب، وإلا لزمكم القول بعصمتهم، موافقةً لمن يقول به من أهل الضلال.
الثالث: قوله (معصية)، و(إثم) نكرةٌ، يشمل صغائر الذنوب وكبائرها، فتخصيصكم إيّاها بالكبائر؛ تخصيص بلا دليل، وخروج عن مقتضى العموم بلا موجب، وأنتم لا تجيزون الخروج على مرتكبي الّلمم، ومقتضى العموم؛ ما ذكرنا!
الرابع: أن الأخذ بظاهر لفظ (معصية)، و(إثم)، و إهمال لفظ (كفراً بواحاً)، ليس من المنهج العلمي المقتضي للجمع بين النصوص التي يُوهِمُ ظاهرها التعارض، بإحدى طرق الجمع المعروفة، أو الترجيح عند عدم إمكان التأليف. و نحن نقول: إن الجمع بينهما ممكن؛ كما تقدّم في الوجه الأول، فإذا تعذّر الجمعُ، وكان لا بد من الترجيح، فرواية (كفراً بواحاً)، أولى بالترجيح والتقديم؛ لورودها في الصحيحين، وما عداها خارج الصحيح، ولا سيما إذا عرفنا أن من مزايا كتاب الإمام مسلم؛ عنايته بتحرّي الألفاظ،كما يعلم ذلك أهل الصناعة الحديثيّة.
الخامس: أن في حديث عبادة بن الصامت نفسه ما يردّ عليهم، وهو قول عبادة بن الصامت: ” دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة …وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً..” الحديث . وتقدَّم معنا قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظلمٌ منه.
ولاشك أن الظلم من جملة المعاصي، بل هو من كبائر الذنوب، وهذا يسلِّم به الخصم، فعلى قوله: يجب الخروج على الإمام الظالم؛ وهذا يعود على النصّ بالإبطال؛ وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتهاتر، ولا تتناقض؛ فوجب أن تُفَسَّر هذه الرواية التفسير الصحيح، وتُحمل على المعنى الذي سبق تقريرُه، وكذلك تُفَسَّرُ (المعصيةُ)، و(الإثمُ) الواردان في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، بـ(الكفر البواح)، كما في رواية الصحيحيْن؛ للسبب ذاته. وهذا الوجه ظاهر لمتأمله.
 السادس: أن تفسير المعصية والإثم بمطلق اللفظ، مع احتماله لما ذكرنا؛ فيه ما فيه -كما مضى-، علاوةً على مخالفتهما لنصوص بلغت الغاية في التصريح بما يقطع النـزاع في هذه المسألة؛ نعيدها للحاجة إليها في هذا الموضع، فمنها:
قوله صلى الله عليه وسلم: “من رأى من أميره شيئاً يكرهه؛ فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات؛ فميتته      جاهلية “(11).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” إنها ستكون بعدي أَثَرَة وأمور تنكرونها “، قالوا: يا رسول الله! فما تأمرُنا؟ قال: ” تؤدون الحقّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم “(12).
قال الإمام النووي: ” فيه الحثُّ على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً؛ فيُعطَى حقَّه من الطاعة، ولا يُخرج عليه، ولا يُخلع، بل يُتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شرّه،    وإصلاحه “(13).
وبوّب النووي في شرح مسلم(14)، على حديث أُسيد بن حُضير -الآتي- باباً بعنوان: (باب الأمر بالصبر عند ظلم الوُلاة واستئثارهم)، وبوّب عليه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة، بقوله: (باب: ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، من الصبر عندما يرى المرء من الأمور التي يفعلها الوُلاة ) (15).
ونصّ الحديث: أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: ” إنكم ستلقون بعدي أَثَرَة؛ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض “(16).
ومنها: ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ” أتاني جبريل فقال: إن أُمّتك مفتتنة من بعدك. فقلتُ: من أين؟ قال: من قِبَلِ أُمرائهم وقُرّائهم؛ يمنع الأمراءُ الناسَ الحقوق، فيطلبون حقوقهم، فيفتنون، ويتبع القُرّاء هؤلاء الأمراء؛ فيُفتَنون.
قلتُ: فكيف يسْلَم من سَلِمَ منهم؟ قال: بالكفّ والصبر؛ إن أُعطُوا الذي لهم؛ أخذوه، وإن مُنعوه؛    تركوه “(17).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” إنه يستعمل عليكم أمراء؛ فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا “(18).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينـزعن يداً من طاعة “(19).
وهذا الحديث من أقوى الأدلة في الرد على مجيزي الخروج على العصاة من الأمراء والأئمة، فإنه صلى الله عليه وسلم  لم يقل: يُخْرْجُ على الوالي إذا أتي شيئاً من معاصي الله، بل أمر صلى الله عليه وسلم، ببغض المعصية التي تُفعل، مع بقاء البيعة، وحق الطاعة للأمير؛ فلم تُنتقض البيعةُ، ولم يَسُغ الخروج عليه بمجرد إتيانه المعصيةَ، فتأمله جيداً؛ إذ فيه ردٌّ قاطع على كل مُشغّب، والله يتولى هداك.
ومنها أيضاً: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول قوله صلى الله عليه وسلم: ” يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع “.
 وفي رواية: ” تلزم جماعة المؤمنين وإمامهم. قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك “(20).
قال القرطبي، في التعليق على هذا الحديث: ” إن طاعة الأمير واجبة على كل حال؛ سواء كان المأمور به موافقاً لنشاط الإنسان وهواه، أو مخالفاً.
والمعنى: أن الطاعة للأمراء واجبة؛ وإن استأثروا بالأموال دون الناس، بل وعلى أشد من ذلك؛ لأنه قال لحذيفة: (فاسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك) “(21).
ومنها: أن سلمة بن يزيد الجعفي، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله! أرأيتَ إن قامت علينا أمراء، يسألوننا حقّهم، ويمنعوننا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم “(22).
وأما الآثار عن الصحابة الكرام، والسلف الأعلام، في تحريم الخروج على الأمراء، والسلاطين، وإن جاروا، أو ظلموا، أو أتوا شيئاً من معصية الله، وأظهروا بعض المخالفات الشرعية: فكثيرةٌ؛ نحيل من طلبها إلى بحثنا السابق: (فوائد مهمة في الصبر على جور الولاة والأئمة).
السابع: وهو من الوجوه القوية: أن الجمع بين روايتيْ (المعصية)، و(الإثم)، من جهةٍ، ورواية (الكفر) من جهةٍ أخرى: ممكن؛ وذلك: بحمل كل رواية منهما على معني مغايِر للآخر، وهذا الجمع أشار إليه خاتمة الحُفاظ: ابن حجر في الفتح(23)، فقال بعد أن ساق الروايتيْن: ” والذي يظهر: حملُ رواية الكفر، على ما إذا كانت المنازعة في الولاية؛ فلا ينازعه بكما يقدح في الولاية، إلا إذا ارتكب الكفر.
وحمْلُ رواية المعصية، على ما إذا كنت المنازعة فيما عدا الولاية؛ فإذا لم يقدح في الولاية، نازعه في المعصية؛ بأن يُنكر علي برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عُنفٍ؛ ومحل ذلك: إذا كان قادراً. والله أعلم “.
فثبت بحمد الله: أن القائلين بمنع الخروج على أئمة الجور بالسيف، ما لم يكن كفراً بواحا، هم على بصيرة من أمرهم، وأولى بالصواب ممن خالفهم، والأدلّة بجانبهم، وهم دائرون معها حيث دارتْ، وأما معارضوهم؛ فلم يظفروا بشيْ يستحق الالتفات إليه، اللهم إلا بعض الشبه، والتشغيبات، وأقوال واهية؛ الإعراضُ عنها سبيلُ النجاة، والوقوف عندها طريق الهلكة، (ومن جرّب عرف)، (ولنا فيما حدث بالأمس، وما يحدُث اليوم مُعتَبَر).
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

————————————————————
(1) إعلام الموقعين (3/8).
(2) انظر: صحيح البخاري ، حديث رقم (1583)، و(1584).
(3) فتح الباري (1/299).
(4) سنتعرّض في الإصدار القادم لإبطال ما نُسب إلى أحمد بن نصر الخزاعي، في خروجه على الواثق، ومدح الإمام أحمد له على ذلك، وأنه جاد بنفسه في سبيل الله، ووصف الإمام ابن معين له بالشهادة!
(5) أضواء البيان (1/29).
(6) شرح الزرقاني على الموطأ (3/12).
(7) إكليل الكرامة في بيان مقاصد الإمامة، ص (115-116).
(8) أخرجه ابن حبان، برقم (4562)، و (4566)، والشاشي في المسند، برقم (1221)، و (1225)، والمقدسي في الحجة، برقم (396)، وابن زنجويه في الأموال (1/28)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (15/374)، و (57/184).
(9) أخرجه أحمد، برقم (22789)، والطبراني في مسند الشاميين، برقم (225)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (16/453).
(10) أخرجه البخاري، برقم (4477)، ومسلم ، برقم (86).
(11) رواه البخاري (13/5-فتح الباري)، مسلم (3/1477).
(12) رواه البخاري (13/5-فتح الباري)، ومسلم (3/1472).
(13) شرح النووي على مسلم (12/232).
(14) (12/235).
(15) (2/523).
(16) رواه البخاري (13/5)، ومسلم (12/1474).
(17) عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح (13/6)، إلى الإسماعيلي، وسكت عليه.
(18) أخرجه مسلم، برقم (1854).
(19) أخرجه مسلم، برقم (1855).
(20) أخرجه البخاري (13/35)، ومسلم (3/1475).
(21) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (4/36-37).
(22) أخرجه مسلم، برقم (1846).
(23) (13/11).

-- د. صادق سليم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*