الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » الإرهاب بين الأصل والتطبيق

الإرهاب بين الأصل والتطبيق

الإرهاب قوة أم فزع؟
لا توجد كلمة أكثر إثارة للجدل واستخداما في مختلف وسائل الإعلام العالمية منذ الحادي عشر من سبتمبر الماضي مثل كلمة “إرهاب” Terrorism. ورغم هذا الاستعمال الواسع النطاق للكلمة فإنه ليس هناك أدنى اتفاق حول التعريف الدقيق والمحدد والمقبول من كافة الدول والجماعات والشعوب لمفهوم مصطلح الإرهاب.

تحاول هذه الورقة أن تبحث عن أصل المصطلح وتطور مفهومه من خلال التركيز على معالجة النقاط الخمس التالية:

أولا : الإرهاب في اللغة

تشتق كلمة “إرهاب” من الفعل المزيد (أرهب)؛ ويقال أرهب فلانا: أي خوَّفه وفزَّعه، وهو نفس المعنى الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهّبَ). أما الفعل المجرد من نفس المادة وهو (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَةً ورَهْبًا ورَهَبًا فيعني خاف، فيقال رَهِبَ الشيء رهبا ورهبة أي خافه. أما الفعل المزيد بالتاء وهو (تَرَهَّبَ) فيعني انقطع للعبادة في صومعته، ويشتق منه الراهب والراهبة والرهينة والرهبانية… إلخ، وكذلك يستعمل الفعل ترهب بمعنى توعد إذا كان متعديا فيقال ترهب فلانا: أي توعده. وكذلك تستعمل اللغة العربية صيغة استفعل من نفس المادة فتقول (استرهب) فلانا أي رَهَّبَه.

ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح “الإرهاب” بهذه الصيغة، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من نفس المادة اللغوية، بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع، والبعض الآخر يدل على الرهبنة والتعبد، حيث وردت مشتقات المادة (رهب) سبع مرات في مواضع مختلفة في الذكر الحكيم لتدل على معنى الخوف والفزع كالتالي:

– (يَرْهَبُون): “وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ”. [الأعراف : 154 ]

– (فارْهبُون): ” وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ” [البقرة : 40]. “إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ” [النحل : 51]

– (تُرهِبُونَ): “تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ” [الأنفال : 60]

– (اسَتْرهَبُوهُم): “وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ”. [الأعراف : 116]

– (رَهْبَةً): “لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ” [الحشر : 13]

– (رَهَبًا): “وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ” [الأنبياء : 90]

بينما وردت مشتقات نفس المادة (رهب) خمس مرات في مواضع مختلفة لتدل على الرهبنة والتعبد كالتالي:

ورد لفظ (الرهبان) في سورة [التوبة : 34]، كما ورد لفظ (رهبانا) في [المائدة : 82]، ولفظ (رهبانهم) في [التوبة : 31] وأخيرا (رهبانية) في [الحديد :27].

بينما لم ترد مشتقات مادة (رهب) كثيرا في الحديث النبوي ولعل أشهر ما ورد هو لفظ (رهبة) في حديث الدعاء: “رغبة ورهبة إليك”. ويلاحظ أيضا أن القرآن والحديث قد اشتملا على بعض الكلمات التي تتضمن الإرهاب والعنف، بمعنى استخدام القوة أو التهديد لتحقيق أهداف معينة، ومن هذه المفاهيم: العقاب والقتل والبغي والعدوان والجهاد… إلخ.

ثانيا : الإرهاب في الثقافة الغربية

تتكون كلمة “إرهاب” في اللغة الإنجليزية بإضافة اللاحقة ism إلى الاسم Terror بمعنى فزع ورعب وهول، كما يستعمل منها الفعل Terrorize بمعنى يرهب ويفزع.

ويرجع استخدام مصطلح Terrorism في الثقافة الغربية تاريخيا للدلالة على نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية إبان الجمهورية الجاكوبية في عامي [1973 – 1974] ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين المناهضين للثورة. وقد نتج عن إرهاب هذه المرحلة التي يطلق عليها Reign of Terror اعتقال ما يزيد عن 300 ألف مشتبه فيهم وإعدام حوالي 17 ألفا، بالإضافة إلى موت الآلاف في السجون بلا محاكمة.

وإن كان هناك من يرجع بالمصطلح والمفهوم إلى أقدم من هذا التاريخ كثيرا، حيث يفترض أن الإرهاب حدث ويحدث على مدار التاريخ الإنساني وفى جميع أنحاء العالم.

وقد كتب المؤرخ الإغريقي زينوفون Xenophon ( 430 – 349 ق.م ) – في سياق الثقافة الغربية – عن المؤثرات النفسية للحرب والإرهاب على الشعوب.

وقد استخدم حكام رومان من أمثال Tiberius ( 14-37م )،Caligula (37-41م) العنف ومصادرة الممتلكات والإعدام كوسائل لإخضاع المعارضين لحكمهما. ولعل محاكم التفتيش التي قام بها الأسبان ضد الأقليات الدينية (المسلمين أساسا) أهم محطات الإرهاب الرئيسية في تاريخ الثقافة الغربية.

وقد تبنت بعض الدول الإرهاب كجزء من الخطة السياسية للدولة مثل دولة هتلر النازية في ألمانيا، وحكم ستالين في الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث تمت ممارسة إرهاب الدولة تحت غطاء أيديولوجي لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية وثقافية.

واعتبرت منظمات وجماعات مثل جماعة “بادر ماينهوف” الألمانية، ومنظمة “الألوية الحمراء” الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني، والجيش الجمهوري الأيرلندي، ومنظمة الدرب المضيء البيروية، ومنظمة “إيتا” الباسكية، ومنظمات فلسطينية في مقدمتها فتح.. اعتُبرت من أشهر المنظمات الإرهابية في تاريخ القرن العشرين من منظور غربي.

ويضاف إليها في السنوات الأخيرة العديد من المنظمات الإسلامية، على رأسها بالطبع تنظيم القاعدة.

ثالثا : الإرهاب وعلاقته بالإسلام

شهدت أغلب الدول الإسلامية، وبصفة خاصة منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، تنامي وبروز ظاهرة الإحياء الإسلامي أو الصحوة الإسلامية، وهي ليست بالظاهرة الحديثة أو الجديدة، بل يمكن تتبع جذورها وامتداداتها عبر التاريخ الإسلامي بخبراته ومراحله المختلفة، واتخذت هذه الظاهرة صورا وأشكالا متعددة، ثقافية وفكرية، اقتصادية واجتماعية، سياسية وسلوكية.

وقد تضمنت الكتابات والدراسات التي تناولت هذه الظاهرة مجموعة ضخمة من المصطلحات لتعريفها، منها على سبيل المثال: الإسلام السياسي Political Islam ويقصد به توظيف الإسلام لتحقيق أهداف سياسية، والإسلام التقدمي Progressive Islam وهو الذي يتضمن تطبيق الاشتراكية ولا يتعارض مع التحديث، والإسلام الشعبي أو الجماهيري Popular Islam والإسلام التقليدي Traditional Islam وهو الذي يتعارض مع العلمانية والتحديث، وإسلام الصحوة Resurgence Islam والإحياء الإسلامي Islamic Revival والأصولية الإسلامية Islamic Fundamentalism وغيرها.

ولكن يلاحظ أن هناك من استخدم في تعريف ظاهرة الإحياء هذه مصطلحات ومفاهيم تربط بين الإسلام وأنماط من العنف والإرهاب مثل: الإسلام الثوري Revolutionary Islam والإسلام الراديكالي Radical Islam والإسلام من أعلى Islam from Top والإسلام المتشدد Rigidified Islam والإسلام المسلّحMilitant Islam والعنف الإسلامي Islamic Violence وأخيرا الإرهاب الإسلاميIslamic Terrorism.

وقد برز أول تطبيق فعلي للعنف واستخدام القوى في إطار الصحوة الإسلامية الحديثة في مصر عام 1974 فيما عرف حين ذاك بـ”تنظيم الفنية العسكرية” بقيادة الفلسطيني صالح سرية، ثم تعاقبت بعد ذلك الجماعات والتنظيمات التي تستخدم العنف كوسيلة لتحقيق مآرب سياسية.

استخدمت بعض فصائل الصحوة الإسلامية العنف السياسي كوسيلة للتغيير في بلدانها، كما في حالة جماعتي الجهاد والإسلامية في مصر، وفرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وحزب التحرير في الأردن، بينما استخدمت جماعات أخرى القوة بعد فشل تجربتها في الوصول إلى الحكم من خلال صناديق الاقتراع والديمقراطية كما في حالة جبهة الإنقاذ في الجزائر، بينما استطاعت حركات وفصائل الوصول إلى السلطة بالفعل باستخدام القوة أو الجيش كما في حالة السودان، وشارك فصيل إسلامي مع الجماهير في سياق ثورة شعبية في إيران.

وتستخدم فصائل وجماعات تنتمي إلى الإسلام كمرجعية سياسية القوة في مقاومة الاحتلال كما في حالة حماس والجهاد في فلسطين، وحزب الله في جنوب لبنان، ومجاهدي كشمير في الهند، ومسلمي الشيشان ضد الروس، ومن قبلهم المجاهدون الأفغان في الثمانينيات.

كما يلاحظ استخدام جماعات أخرى للعنف والقوة في سياق جماعات سياسية مختلفة على السلطة كما في حالة حزب الإصلاح اليمني، والفصيل الإسلامي في الصومال، والفصائل الأفغانية بعد رحيل السوفييت. ويضاف إلى ما سبق جماعات ومنظمات تستخدم ما يطلق عليه “الإرهاب الدولي” مثل تنظيم القاعدة والجهاد المصرية في الخارج.

وهي منظمات تستهدف المصالح الغربية والأمريكية خاصة في شتى أنحاء العالم.

نخلص مما سبق إلى أن بعض مصادر الحركة الإسلامية قد استخدمت القوة والعنف السياسي لتحقيق مآرب سياسية مختلفة، بعضها غير مشروع وهو ما جعل ثمة علاقة للربط بين الإرهاب والصحوة الإسلامية. لكن السبب الرئيسي في إحداث هذا الربط يرجع إلى ما يطلق عليه “الإرهاب الدولي” من قبل بعض المنظمات التي تنتمي للحركة الإسلامية بمفهومها الشامل، والموجهة غالبا ضد الولايات المتحدة التي تعدّ منذ عام 1986 تقريرا لتصنيف المنظمات الإرهابية في العالم، وبالطبع فإن أغلبها منظمات عربية وإسلامية.

رابعا : الإرهاب.. تعريفه وأنماطه

لم يلق أي تعريف للإرهاب قبولا من الجميع كما ذكرنا، وقد أجرى ألكس شميد Schmid في كتابه عن الإرهاب السياسي (1983) استبيانا على مائة من الدارسين والخبراء في هذا المجال لتحديد مفهوم الإرهاب. توصلت نتائج الاستبيان إلى وجود عناصر مشتركة في تعريفات عينة المدروسين المائة، وهي:

– الإرهاب هو مفهوم مجرد بلا كنه محدد.

– التعريف المفرد لا يمكن أن يحصي الاستخدامات الممكنة للمصطلح.

– يشترك العديد من مختلف التعريفات في عناصر مشتركة.

– معنى الإرهاب ينحصر عادة بين هدف وضحية.

ويؤكد جوناثان وايت (1991) في مدخله عن الإرهاب على ضرورة عدم اكتفاء فهمنا من خلال مداخل سياسية، بل إن علم الاجتماع في غاية الأهمية في هذا السياق. ويؤكد على عدم وجود تعريف واحد لمفهوم الإرهاب؛ ولذلك فقد اقترح أن يعرف الإرهاب من خلال أنماط مختلفة للتعريف:

– نمط التعريف البسيط والعادي للإرهاب، ويعني عنفا أو تهديدا يهدف إلى خلق خوف أو تغيير سلوكي.

– النمط القانوني لتعريف الإرهاب، ويعني عنفا إجراميا ينتهك القانون ويستلزم عقاب الدولة.

– التعريف التحليلي للإرهاب، ويعني عوامل سياسية واجتماعية معينة تقف وراء كل سلوك إرهابي.

– تعريف رعاية الدولة للإرهاب، ويعني الإرهاب عن طريق جماعات تُستخدم بواسطة دول للهجوم على دول أخرى.

– نمط إرهاب الدولة، ويعني استخدام سلطة الدولة لإرهاب مواطنيها.

الإرهاب الدولي والعنف السياسي الداخلي

يعرّف الإرهاب الدولي بأنه نوع من العنف غير المبرر وغير المشروع بالمقياسين الأخلاقي والقانوني، والذي يتخطى الحدود السياسية، ويختلف الإرهاب عن ممارسة العنف السياسي الداخلي التي قد تنتهجها بعض القوى الثائرة أو الحركات المتمردة داخل الدولة الواحدة للنيل من السلطة الشرعية القائمة.

والإرهاب الدولي عادة ما يصطبغ بالصبغة السياسية كما أن الجماعات التي تمارسه هي في الغالب جماعات غير حكومية، وإن كان هذا في ذاته لا يمثل حائلا بينها وبين الحصول على التشجيع المادي والمعنوي لبعض الدول والحكومات.

وبعيدا عن الأسباب التي تساعد على انتشار الإرهاب الدولي فقد طرأت في الحقبة الأخيرة مستجدات عديدة زادت كثيرا من أخطاره ومضاعفاته الدولية، منها على سبيل المثال: ضلوع العديد من الدول والحكومات وتواطؤها مع منظمات الإرهاب الدولي، والتكاثر السرطاني لخلايا وشبكات الإرهاب الدولي، وقد وصل البعض بعددها إلى ثلاثمائة وثمانين منظمة منتشرة في أكثر من ستين دولة، والتقدم التكنولوجي الكبير الذي استفادت منه هذه المنظمات في نطاق الاتصالات وجمع المعلومات والتزود بمعدات فنية متطورة.

خلاصـــة

نخلص من العرض السابق إلى التأكيد على نقاط أساسية لفهم أزمة تحرير مضمون مصطلح “الإرهاب”، وهي:

– عدم وجود تعريف موحد للإرهاب يرجع إلى فرض التعريف الغربي البرجماتي والمتغير على شعوب ودول العالم، وأن تعريف الإرهاب ليس من حق دولة أو ثقافة بعينها.

– للتوصل إلى تعريف حقيقي للإرهاب يجب أن يحتوي مفهومه على كافة أنماط الإرهاب، بما فيها إرهاب القوى العظمى وإرهاب الدولة والحصار والإرهاب الاقتصاديوالإرهاب الثقافي… إلخ .

– ظاهرة الإرهاب غير مقصورة على المنتمين إلى حركات وفصائل إسلامية، وفي هذا السياق لا تفرق الولايات المتحدة بين المنظمات الفلسطينية الإسلامية والقومية والشيوعية، فجميعها في نظر الولايات المتحدة منظمات إرهابية.

– الجدل المثار بقوة حول تعريف ظاهرة الإرهاب فرصة لإعادة النظر في تحرير مضامين المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في ثقافتنا المعاصرة والتي تتسم غالبا بالفوضى.

هوامش ومصادر:

    * المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. دار الشعب، القاهرة .
    *  لسان العرب لابن منظور، الجزء الثالث، مادة (رهب).
    *  المعجم الوسيط، الجزء الأول، مادة (رهب).
    *  الموسوعة السياسية، الكويت.
    *  الموسوعة البريطانية Encyclopedia Britannica .
    * توفيق حسنين: ظاهرة الإحياء الإسلامي، مركز الدراسات الحضارية، القاهرة
    * حسن حنفي: ثقافة المقاومة، مجلة وجهات نظر، عدد أكتوبر

-- يحيى عبد المبدي محمد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*