الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » تعامل السلف مع الفتن

تعامل السلف مع الفتن

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فمن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأمة أن أرشدها عند حلول الفتن إلى ما فيه نجاتها وسعادتها، فأمرها بالتمسك بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وهكذا سار علماء السلف بالتمسك بهذا الهدي والسنن فسلم لهم دينهم ودنياهم عند نزول الفتن والبلايا، فصار لهم منهج واضح وبين في تلك النوازل.
وقد استقرأ الشيخ علي الصياح حفظه الله في كتابه الماتع: من سير علماء السلف عند الفتن، أهم تلك السمات السلفية عند وقوع الفتن؛ جاعلاً أحد أعلام التابعين الكبار-وهو: مطرف بن عبد الله الشخير- نموذجا لذلك المنهج النبوي.
وقمنا باستخلاص ذلك النهج الرشيد خلال النقاط التي أشار لها الشيخ حفظه الله؛ وهي:
الحذر من الْفِتَنِ واعتزالها:
قال قتادةُ: كان مُطَرِّف إذا كانتْ الفتنةُ نَهَى عنها وَهَرَب، وَكَانَ الحسنُ البصريّ ينهى عنها ولا يبرح، فَقَالَ مُطَرِّف: ما أُشبِّهُ الحسن إلا برجل يُحَذِّرُ النّاسَ السيلَ ويقوم بِسَنَنهِ.
وقال بشيرُ بنُ عقبة قلتٌ ليزيد بن عبد الله بن الشخير: ما كان مُطَرِّف يصنع إذا هاج في الناس هيج؟ قال: يلزم قَعْرَ بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجِلي لهم عما انجلت.
وقال مُطَرِّف: إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهدي الناس، ولكن لتقارع المؤمن عن دينه، ولأنْ يقول اللهُ: لِمَ لا قتلتَ فلاناً؟ أحبّ إلىّ مِنْ أنْ يقولَ: لِمَ قتلتَ فُلاناً؟.
وقال ثابت البناني: إنَّ مُطَرِّف بن عبد الله قال: لبثتُ في فتنةِ ابنِ الزبير تسعاً أو سبعاً ما أُخبرت فيها بخبر، ولا أستخبرتُ فيها عن خَبَر.
وقال مُطَرِّف: لأنْ آخذَ بالثقة في القعود أحب إلىّ من أن ألتمس – أو قال أطلب – فضل الجهاد بالتغرير.
* التعليق:
إنَّ ما فعله مُطَرِّف بن عَبْدِ الله من اعتزالٍ للفتن وتحذيرٍ منها عينُ ما أمر به رسولنا صلى الله عليه وسلم عند حلول الفتن، ففي نصوصٍ كثيرةٍ التحذيرُ من الفتن والأمرُ باعتزالها والفرارُ بالدين، منها: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ تَشَرّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ”.
حديثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ”، وقد بوّب البخاريُّ على الحديث بقوله:”بَابٌ مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ”.
وقال عُثْمَانُ الشَّحَّامُ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَفَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ فِي أَرْضِهِ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ حَدِيثًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِه،ِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ” قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله: أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلا غَنَمٌ وَلا أَرْضٌ؟ قَالَ:”يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنْ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ” قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي قَالَ:”يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ”.
وقال الإمامُ البخاريُّ:”بَاب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ” وروى بإسناده عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاج(128) فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟! قَالَ: لا، وَلَكِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.
قال الخطابيُّ:”وكان ابن عمر من أشد الصحابة حذراً من الوقوع في الفتن وأكثرهم تحذيراً للناس من الدخول فيها، وبقى إلى أيام فتنة ابن الزبير فلم يقاتل معه، ولم يدافع عنه إلا إنّه كان يشهد الصلاة معه فإذا فاتته صلاها مع الحجاج وكان يقول: إذا دعونا إلى الله أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
قال مسلم: كنا مع عبد الله بن الزبير والحجاج محاصره وكان ابن عمر يصلي مع ابن الزبير، فإذا فاتته الصلاة معه وسمع مؤذن الحجاج انطلق فصلى معه فقيل: لم تصلي مع ابن الزبير ومع الحجاج؟ فقال: إذا دعونا إلى الله أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم، وكان ينهي ابن الزبير عن طلب الخلافة والتعرض لها…”.
وَعَنْ مُحَمّد بنِ سيرين قال: قَالَ لي عَبيدةُ السلمانيّ – وأنا بالكوفة، وذلك قبل فتنة ابن الزبير -: افرغ من ضيعتك، ثم انحدر إلى مصرك فإنّه سيحدث في الأرض حدثٌ!، قال قلتُ: فبم تأمرني؟ قال: تلزم بيتك، قال: فلما قدمتُ البصرةَ، وقعت فتنة ابن الزبير.
وقال الإمامُ البُخاريُّ في صحيحهِ:”كِتَاب الْفِتَنِ، بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ..) [الأنفال:25]، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَذِّرُ مِنْ الْفِتَنِ”.
وقال رحمه الله: “بَاب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْر، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً * تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا * وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ * مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
تنبيهٌ:
ومما ينبغي التفطن له: أنَّ اعتزال الفتن لا يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار الشرع وإعلاء كلمة الحق – بحسب الاستطاعة – والنصح لكل مسلم فقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بالأمر بهما والحث عليهما، وبيان خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك النصيحة للمسلمين.
وتقدم حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: دَعَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ…
وفي الحديث قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”.
2 – لزومُ الطاعةِ، وعدمُ مفارقةِ الجماعة:
عَنْ سَعيد الْجُرَيْرِيّ عن مُطَرِّف قَالَ قَالَ لِي عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: ألا أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفعك به في الجماعة؛ فإني أراك تحب الجماعة! قال: قلتُ: إي والله؛ لأنا أحرص على الجماعة من الأرملة لأني إذا كانت الجماعة عرفتُ وجهي، قال: وقال عمرانُ قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ” قال مُطَرِّف: فنظرتُ في هذه العصابة فإذا هم أهل الشام.
وقال مُطَرِّف:قلتُ لعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنا أفقر إلى الجماعة من عجوز أرملة لأنها إذا كانت جماعة عرفتُ قبلتي ووجهي، وإذا كانت الفرقة التبس على أمري! قال له: إن الله ? سيكفيك من ذلك ما تحاذر.
وقال الحرمازي: بلغني أنَّ الحجّاجَ بعث إلى مُطَرِّف بن عبد الله أيام ابن الأشعث وكان من اعتزل أو قاتل عند الحجاج سواء فقال له: اشهد على نفسك بالكفر فقال: إنَّ من خَلَعَ الخلفاء وَشقّ العصا وسفك الدماء ونكث البيعة وأخاف المسلمين لجدير بالكفر فقال الحجاج: يا أهل الشام إنَّ المعتزلين هُم الفائزون وَخلى سبيله.
* التعليق:
إنَّ ما قاله وفعله مُطَرِّف بن عَبْدِ الله من لزوم الطاعة، وعدم مفارقة الجماعة هو ما دلتْ عليه نصوصٌ كثيرةٌ من الكتاب والسنة؛ منها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:”مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْه”.
­ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:”مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً”.
وقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا فَقُلْتُ: يَارَسُولَ الله صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: يَارَسُولَ الله فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ، وقد بوّب الإمام البخاريُّ على الحديث بقوله:”باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة”.
­ وقَالَ عَبْدُ الله بنُ مسعود قَالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:”إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا” قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ:”أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا الله حَقَّكُمْ”.
قال أبو مُحَمَّد ابنُ حَزْم:”وكان ابنُ عمر يصلي خلف الحجّاج ونجدة أحدهما:خارجيّ، والثاني: أفسق البرية، وكان ابنُ عمر يقول: الصلاة حسنة ما أبالي من شركني فيها، وعن ابن جريج قلتُ لعطاء: أرأيت إماما يؤخر الصلاة حتى يصليها مفرطا فيها قال: أصلي مع الجماعة أحبّ إلي..وعن أبي الأشعث قال: ظهرت الخوارج علينا فسألتُ يحيى بنَ أبي كثير فقلتُ: يا أبا نصر كيف ترى في الصلاة خلف هؤلاء؟ قال: القرآنُ إمامك صل معهم ما صلوها!،..وعن الحسن: لا تضر المؤمن صلاته خلف المنافق ولا تنفع المنافق صلاته خلف المؤمن، وعن قتادة قلتُ لسعيد بن المسيب: أنصلي خلف الحجّاج قال: إنا لنصلي خلف من هو شر منه.
قال علي-أي ابن حزم-: ما نعلم أحداً من الصحابة رضي الله عنهم امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال الله عز وجل: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة : 2].
3 – الكف أولى من الفعل في الفتن:
عن ثابت البناني عن مُطَرِّف قال: لأن يسألني ربي ? يوم القيامة فيقول: يا مُطَرِّف ألا فعلتَ! أحبُّ إليّ مِنْ أنْ يقولَ لِمَ فَعلتَ؟.
وقال مُطَرِّف: إن الفتنة لا تجيء حين تجيء لتهدي الناس، ولكن لتقارع المؤمن عن دينه، ولأنْ يقول اللهُ: لِمَ لا قتلتَ فلاناً؟ أحبّ إلىّ مِنْ أنْ يقولَ: لِمَ قتلتَ فُلاناً؟.
وتقدم أنّ من منهج مُطَرِّف اعتزال الفتن ويلزم من ذلك كف اليد، وكف اللسان.
* التعليق:
دلَّ قول مُطَرِّف هذا على أنّ الكف في الفتن وعند الاشتباه أولى من الفعل، وقد دلت السنة الصحيحة على أنَّ مِنْ أفضل ما يعمل في الفتن كف اليد:
فعَنْ الْحَسَنِ عَنْ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَال:َ خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَال: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟ قَالَ قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم – يَعْنِي عَلِيًّا -، قَالَ فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ ارْجِعْ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالَ فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ.
وعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَتَاهُ رَجُلانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟! فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ الله حَرَّمَ دَمَ أَخِي، فَقَالا: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة..) [البقرة: 193] فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ الله.
وعن ابنِ سيرين قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: ألا تقاتل فإنك من أهل الشورى وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ فقال: لا أقاتل حتى تأتوني بسيفٍ له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، إن ضربتُ به مسلماً نبأ عنه، وأن ضربتُ كافراً قتله، فقد جاهدتُ وأنا أعرف الجهاد.وَضَرَبَ لهم مَثَلاً فَقَالَ: مثلنُا وَمثلكم كمثلِ قومٍ كانوا عَلَى محجةٍ بيضاء، فبينا هم كذلك يسيرون هاجتْ ريحٌ عجاجه، فظلوا الطريق، والتبس عليهم فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: الطريق ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا، وقال آخرون: كنا في الطريق حيثُ هاجت الريح فنيخ فأناخوا فأصبحوا فذهب الريح، وتبين الطريق فهؤلاء هم الجماعة قالوا: نلزم ما فارقنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نلقاه ولا ندخل في شيء من الفتن(165).
قال أبو داود في سننه:”باب في النهي عن القتال في الفتن”، وقد عَقَدَ الشيخُ محمدُ بنُ عبد الوهاب في كتابهِ “الفتن” باباً قال فيه:”من أحاديث النهي عن السعي في الفتنة” وذكر عدداً من الأحاديث الواردة في ذلك فلتراجعْ..
4 – الإقدام على بصيرةٍ ومعرفةٍ – خاصةً في الفتن -:
قال حميدُ بنُ هلال: أتى مُطَرِّف بن عبد الله زمان ابن الأشعث ناسٌ يدعونه إلى قتال الحجاج فلمّا أكثروا عليه قال: أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه هل يزيد على أن يكون جهادا في سبيل الله؟ قالوا: لا، قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها، وبين فضلٍ أصيبه.
وقال حميد بن هلال أيضاً: أتى مُطَرِّف بن عبد الله الحرورية يدعونه إلى رأيهم فقال: يا هؤلاء إنه لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدىً أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالةً هلكت نفسٌ وبقيت لي نفسٌ، ولكن هي نفسٌ واحدةٌ فلا أغرر بها.
وقال مُطَرِّف: لأنْ آخذَ بالثقة في القعود أحب إلىّ من أن ألتمس – أو قال: أطلب – فضل الجهاد بالتغرير.
وقال مُطَرِّف: أتى على الناسِ زمانٌ خيرهُم في دينهم المتسارع، وسيأتي عَلَى الناس زمان خيرهم في دينهم المتأني.
قال أبو أحمد:”سألتُ عَلي بنَ عثّام عن تفسير هذا الحديث فقال: كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا أُمروا بالشيء تسارعوا إليه، وأمّا اليومَ فينبغي للمؤمن أنْ يتبينَ فلا يُقْدم إلا على ما يعرف.
* التعليق:
عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ الله فِيهِ بُرْهَانٌ.
بواحا – بفتح الباء الموحدة بعدها واو ثم ألف ثم حاء مهملة – أي ظاهرا لا يحتمل تأويلا، وهذا لا يكون إلاّ بعد علمٍ وبصيرة، قال ابن حجر:”قوله: “عندكم من الله فيه برهان” أي: نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل”.
5 – الموازنة بين المصالح والمفاسد:
عن أيوب عن مطرف بن الشخير أنه كَانَ يقولُ:لئن لم يكن لي دين حتى أقومَ إلى رَجَلٍ مَعَهُ مائةُ ألفِ سيفٍ أرمي إليه كلمةً فيقتلني إنْ ديني إذاً لضيّق.
ومن مجمل سيرة مُطَرِّف بن عَبْدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ نرى أنه يوازن بين المصالح والمفاسد، وهذه المسألة من المسائل العظيمة التي ينبغي العناية بها خاصةً في هذا الزمان؛ لعظم الحاجة إليها؛ ولأنَّ النّاس فيها بين إفراط وتفريط؛ فطائفةٌ لم تعتد بالمصالح الراجحة فخالفت بذلك النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطائفة تساهلت في اعتبار المصالح و توسعت في استعمالها على حساب النصوص الشرعية الواضحة فلم تراعِ “فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد”، ووفق الله طائفة فتوسطت بين هاتين الطائفتين فعملت “بفقه الموازنة بين المصالح والمفاسد” في ضوء نصوص الكتاب والسنة مراعية في ذلك الأصول والضوابط الشرعية مستفيدة من فهوم العلماء المحققين من سلف الأمة.
ويمكن إجمال الكلام على هذه المسألة في نقطتين:
النقطة الأولى: مراعاة القواعد التي دل عليها استقراء جملة النصوص الشرعية في هذه المسألة ومنها قاعدة:”درء المفاسد أولى من جلب المصالح” – وهي الأصل في هذا الباب ، فإذا تعارضتْ مفسدةٌ ومصلحة قُدِّمَ دفع المفسدة غالباً – إلاّ أنْ تكون المصلحة راجحة فتقدم على المفسدة المرجوحة – لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:”فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ” فجعل المناهي آكد في الاعتبار من الأوامر؛ حيث حَتّمَ في المناهي من غير مثنوية، ولم يحتم ذلك في الأوامر إلا مع التقييد بالاستطاعة، وذلك إشعار بترجيح مطابقة المناهي على مطابقة الأوامر.
ومن النصوص الدالة على هذه القاعدة قوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ..) [الأنعام : 108].
قال ابنُ كثير:”يقولُ اللهُ تعالى ناهياً لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين… ومن هذا القبيل وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ملعون من سب والديه قالوا: يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه”.
ومن النصوص أيضاً: حديثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم الْجَدْر أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ. وقد بوّب البخاريّ على الحديث بقوله:”باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه”.
قال ابنُ حجر:”والمراد بالاختيار في عبارته المستحب، وفيه: اجتنابُ ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وإنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأنَّ المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة”.
قَالَ شيخُ الإسلام – أثناء كلامه على بعض المستحبات ومنها مسألة البسملة والجهر بها-:”وَيستحبُ للرجلِ أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحباتِ؛ لأنَّ مصلحةَ التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما تَرَكَ النبيّ صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه متما وقال: الخلافُ شرٌّ”.
وقال أيضاً:”فالعملُ الواحدُ يكون فعله مستحباً تارةً، وتركه تارةً، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية، والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فساد راجح على مصلحته كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم وقال لعائشة: لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض ولجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه والحديث في الصحيحين فترك النبي هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حِدْثانُ عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة، ولذلك استحب الأئمةُ أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يسلم في الشفع ثم يصلي ركعة الوتر وهو يؤم قوما لا يرون إلا وصل الوتر فإذا لم يمكنه أن يتقدم إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقته لهم بوصل الوتر أرجح من مصلحة فصله مع كراهتهم للصلاة خلفه وكذلك لو كان ممن يرى المخافتة بالبسملة أفضل أو الجهر بها وكان المأمومون على خلاف رأيه ففعل المفضول عنده لمصلحة الموافقة والتأليف التي هي راجحة على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزاً حسناً”.
وقال أيضاً:”الواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة إذ بهذا بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، والله لا يحب الفساد بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين امنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد تُرِكَ واجب وفُعِلَ محرم إذ المؤمن عليه أن يتقى الله في عباد الله وليس عليه هداهم وهذا من معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ..) [المائدة : 105]، والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضال…وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهى وإن كان متضمنا لتحصل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فَمَتَى قدر الإنسان على اتّباع النصوص لم يعدل عنها، وإلاّ اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلَّ أن تعوزَ النصوصُ مَنْ يكونُ خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام، إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أُمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم يُنه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وزوال فعل الحسنات، وإنْ كان المنكر أغلب نُهي عنه، وإن استلزم ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزِم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكر وسعياً في معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنْ تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة،..ومن هذا الباب إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من الأعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكبر من ذلك بغضب قومه وحمِيَّتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أنَّ محمداً يقتل أصحابه”.
وقال ابن القيم:”النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَرَعَ لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل – بإنكاره – من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كَانَ إنكارُ المنكرِ يستلزمُ مَا هُوَ أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإنْ كَانَ الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكارِ عَلَى الملوكِ والولاةِ بالخروجِ عليهم؛ فإنَّهُ أساسُ كلِّ شرٍ وفتنةٍ إلى آخرِ الدهر، وقد استأذن الصحابةُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: لا ما أقاموا الصلاة، وقال: من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يدا من طاعته، وَمَنْ تأملَ مَا جَرَى على الإسلام في الفتن الصغار و الكبار، رآها من إضاعة هذا الأصل، و عدم الصبر على المنكر، فطلبوا إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، و قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات و لا يستطيع تغييرها، بل لمّا فتح الله مكة صارت دار الإسلام، عَزَمَ على تغيير البيت وردّه على قواعد إبراهيم، و منعه من ذلك – مع قدرته عليه – خشيته وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام، و كونهم حديثو عهد بكفر، و لهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.
فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى أن يزول ويخلفه ضده.
الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالثة أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد،، والرابعة محرمة…
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيمية – قدس الله روحه ونور ضريحه – يقول: مررتُ أنا وبعضُ أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه!، وقلتُ له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبئ الذرية وأخذ الأموال فدعهم!”.
ومما أنبه عليه أنّ ما تقدم إنّما هو تقريريّ نظريّ ينبغي أن يكون مستقراً عند طالب العلم الناصح لنفسه، المُشفق على أمته..ويبقى التطبيق العلميّ والممارسة الفعلية للتقرير النظريّ، والنقطةُ الثانيةُ تعالج هذا الأمر وهي:
النقطة الثانية: يستفاد من قول شيخ الإسلام المتقدم:”فالعملُ الواحدُ يكون فعله مستحباً تارةً، وتركه تارةً، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية”، وكذلك قوله رحمه الله: “فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيراً. فأما مراتب المنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه، وتنكر أنكر المنكرين، وترجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين”.
6 – لزومُ الدعاءِ والتعوذ من الفتن والافتقار الحقيقي إلى مُلهم الصواب:
يَبِينُ من سيرة مُطَرِّف بن عَبْدِ الله ملازمته للدعاء – خاصةً عند الحاجة والفتن – وشدة افتقارهِ إلى الله في كشف الكرب وإزالة الفتن، ولذا نرى أنّه كثيراً ما يحث على الدعاء ويبين فضله ومكانته، وتقدم أنّ مُطَرِّف موصوف بأنّه مجاب الدعاء، وذكرنا له بعض القصص الصحيحة الدالة على ذلك.
قال غيلانُ بنُ جرير: حَبَسَ الحجّاج مُورقاً العجلي في السجن، فطلبنا فأعيانا، فلقيني مُطَرِّف فقال: ما صنعتم في صاحبكم؟ قلتُ: محبوسٌ، قال: تعال حتى ندعو، فدعا مُطَرِّف وأمنا على دعائه فلما كان العشي خرج الحجّاج فجلس وأذن للناس فدخلوا عليه فدخل أبو مورق فيمن دخل فدعا الحجّاج حرسيا فقال: اذهب بذاك الشيخ إلى السجن فادفع إليه ابنه.قال خالد:من غير أن يكلمه فيه أحدٌ من النّاس.
وقال غيلان بن جرير: حُبِسَ ابنُ أخٍ لمُطَرِّف بن عبد الله فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل: ما هذا؟ قال: أستكين لربي لعله أن يشفّعني في ابن أخي.
قلتُ: ومن الدعاء المنقول عن مُطَرِّف قوله:”اللهم إني أعوذ بك من شر السلطان، ومن شر ما تجري به أقلامهم، وأعوذ بك أن أقول بحقٍ أطلب به غير طاعتك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن أستغيث بشيء من معاصيك على ضر نزل بي، وأعوذ بك أن تجعلني عبرة لأحد من خلقك، وأعوذ بك أن تجعل أحدا أسعد بما علمته مني، اللهم لا تخزني فإنك بي عالم، اللهم لا تعذبني فانك علي قادر”.
وقوله:”اللهم تقبل مني صلاةً، اللهم تقبل مني صياماً، اللهم اكتب لي حسنة” ثم يقول مُطَرِّف:”إنما يتقبل الله من المتقين”.
* التعليق:
عند الفتن تطيش العقول، وتحتار النفوس فلا تدري ماذا تعمل؟ وفي هذا الموقف يغفل كثيرٌ من النَّاس عن سلاحٍ عظيمٍ كان عُدة للأنبياء والصالحين على مرّ الزمان ألا وهو الدعاء، قال تعال عن نبيه نوح: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) [القمر : 10 ، 11] وفي الحديث الصحيح:”الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ”.
والآيات والأحاديث في الحث على الدعاء وبيان فضله وأثره وشروطه كثيرة، وقد أُفردت لها مؤلفات.
فيا أخي عند الفتن والاشتباه اجعل أقوى أسبابك للنجاة الدعاء – بقلب صادق مخلص كدعاء الغريق -، وسترى أثر ذلك جلياً، وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.
ومن الأدعية العظيمة في هذا الموطن:

1 – ما رواه عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ:”اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال،ِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَات،ِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ”.
2 – وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ:”اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّ قَلْبِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب،ِ اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ”.
قال ابنُ القيم:”وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته – وقد رآه يبكي – فقال: والله ما أبكى على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إنَّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة عند: عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذكر الرابع، فإن عجز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم – صلوات الله عليه، وكان بعض السلف يقول عند الإفتاء: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، وكان مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان مالك يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان بعضهم يقول: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، وكان بعضهم يقول: اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب واعذني من الخطأ”.
قال ابنُ حَجَر – تعليقاً على قول عمَّار بن ياسر: أعوذ بالله من الفتن-: “فيهِ دليلٌ عَلَى استحبابِ الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرءُ أنه متمسكٌ فيها بالحق، لأنها قد تفضي إلى وقوع من لا يرى وقوعه، قال ابنُ بطال: وفيه ردٌّ للحديث الشائع لا تستعيذوا بالله من الفتن فإن فيها حصاد المنافقين، قلتُ: وقد سُئل ابن وهب قديماً عنه فقال: إنه باطلٌ”.
وفي الأثر عن أبي هريرة:”تكون فتنة لا ينجي منها إلا دعاء كدعاء الغريق”، ورُوي نحوه من قول حذيفة.
7 – الانشغال بالعبادة:
تقدم أنَّ مُطَرِّف من المكثرين من العبادة، وكان ممن يخفي عبادته وعمله قدر المستطاع لذا قال ابنُ حبان:”مِنْ أهل العبادة والزهد والتقشف، ممن لزم الورع الخفى”، وتقدم قول الذهبيّ:”كانَ رأساً في العلم والعمل”.
وتقدم أنّ مُطَرِّف عند الفتن يلزم بيته، ويترك استخبار الفتن، ولا شكّ أنه منشغل بالعبادة والعلم.
* التعليق:
دلتْ النصوص الصريحة الصحيحة على فضل العبادة عند الفتن، ومن النصوص الواردة في هذا حديث مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:”الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ”.
قال النوويُّ في كتابه “رياض الصالحين “باب فضل العبادة في الهرج وهو الاختلاط والفتن، ونحوها”. ثم ذكر الحديث، وقال أيضاً:”المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسببُ كثرةِ فضلِ العبادة فيه أنّ الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها ولايتفرغ لها إلا أفراد”.
قال المناويُّ:””العبادة في الهرج” أي وقت الفتن واختلاط الأمور، “كهجرة إليّ ” في كثرة الثواب، أو يقال المهاجر في الأول كان قليلا لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قالَ ابنُ العربي: وجهُ تمثيله بالهجرة أنَّ الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعين على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة وهو أحد أقسام الهجرة”.
ونحن في هذا الزمان نرى انشغال الناس عند الفتن بقيل وقال وكثرة السؤال، ومتابعة الإعلام، بل بعضُ من كان معافى من القنوات الفضائية أدخلها إلى بيته بدعوى متابعة آخر الأخبار ومستجدات الساحة!!، وإذا به يبتلى بمتابعة آخر الرقصات والمسلسلات – نسأل الله العفو والعافية -، وربما تردى به الحال إلى القنوات الأخرى!!، وقد قال مُطَرِّف:”نَظرتُ في العافيةِ فوجدتُ فيها خير الدنيا والآخر”.
إنّ للكلام في زمان الفتن شهوة وضراوة لا يقاومها إلا من علم وتيقن فضل العبادة في الفتن والهرج وجاهد نفسه على ذلك قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) [العنكبوت : 69]، وقال: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) [فصلت : 35]، ومن عجيب  ولا أستخبرتُ فيها عن خَبَر” إنَّه منهجٌ صارمٌ في ضبط النفس اتباعاً لسنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
تنبيهٌ:
ومما ينبغي التفطن له أنّ الانشغال بتتبع أخبار المسلمين وأحوالهم للدعاء لهم ومساعدتهم ليس من الفضول المرغب عنه، بل هو من المأمور به لمن قدر عليه، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص وأحوالهم ومكانتهم وقدراتهم.
وأختم هذا المنهج بكلام نفيس قاله شيخ الإسلام وهو:” أنَّ عامة الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها قلةُ الصبر إذ الفتنة لها سببان: إمّا ضعف العلم، وإمّا ضعف الصبر، فإنّ الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنّه شر، ولكون نفسه تريده، فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يُحبسُ الهوى والشهوة، فتزول الفتنة” انتهى كلامه رحمه الله.

-- محمد الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*