الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » نفسية الخوارج

نفسية الخوارج

إذا رجعنا إلى كتُب الحديث الموثوق بها، وإلى كتب مقالات الإسلاميِّين، وكتب التاريخ – نرى النزعة الخارجيَّة وأصل الخروج نبتَ في عهد النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – ومن ثمَّة فهو سابق للثَّورة على الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – (35 هـ / 656م)، وعلى معركتَي الجمل (36هـ / 657م)، والصِّفِّين (37هـ / 657م)، وما تلاهُما من فتن ومحن.

أخرج البخاري (164 – 256) في صحيحه، عن أبي سعيدٍ الخدْري سعد بن مالك الأنصاري (74هـ / 694م) قال: بيْنما النَّبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – يقسم، جاء عبدالله بن ذي الخويصرة التَّميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ((ويْلَك! مَن يعدل إن لَم أعدِل؟!)) فقال عمر بن الخطاب (23هـ / 644م): دعْني أضرب عنقه، قال: ((دعه؛ فإنَّ له أصحابًا يحْقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يَمرقون من الدين كما يمْرق السَّهم من الرميَّة))؛ أخرجه البُخاري في باب مَن ترك قتال الخوارج للتألُّف، وأن لا ينفر النَّاس منه.

وقد وردتْ عدَّة أحاديث فيهم، أخرج البخاريُّ منها ثلاثة، ومسلم سائرَها.

وتصف الروايات المختلفة ذاك الرَّجُل الخارجي أنَّه أوَّل قرن يَخرج على الأمة، يبدو عليه أثر السجود[1]، وبأنَّه رجل يُعجبنا تعبُّده، كان يغْزو مع الرَّسول، ويُطيل الصلاة، ويرى في نفسه أنَّه أخْيَر الصَّحابة وأفضل منهم جميعًا، متخشِّع، مجزوز الرَّأس محلوقه[2]، وأنَّه رجلٌ من أهل البادية، حديث عهد بالإسلام[3].

أمَّا الخوارج فهي فرقة ضالة، ظهرتْ في عهد الخليفة علي بن أبي طالب؛ نتيجة الخلافات السياسيَّة التي بدأت في عهده، وكانت لها آراء أحدثتْ شرخًا سياسيًّا في بناء الأمة.

وكان أوَّل ظهور لها تحديدًا في معركة صفّين التي جرت أحداثُها بين علي ومعاوية – رضي الله عنهما – وذلك حين رفع أهل الشَّام – جيش معاوية – المصاحف داعين أهل العراق – جيش علي – إلى الاحتكام إليها، فاغترَّ الخوارج بتلك الدَّعوة، في حين رآها علي – رضي الله عنه – حيلةً من أهل الشَّام لدفع هزيمة بدَت علاماتُها، فتوجَّه إليهم – رضي الله عنه – بأن يُواصلوا القتال، إلاَّ أنَّهم أبوَا إلاَّ قبول تلك الدَّعوة، وحَمْل علي على قبولها، وهدَّدوه قائلين: “أجبْ إلى كتاب الله – عزَّ وجلَّ – إذ دُعيت إليْه، وإلاَّ دفعْناك برمَّتك إلى القوم”، فنهاهم – رضي الله عنه – فأبَوا، فقبل – رضي الله عنه – بالتَّحكيم؛ استجابةً لهم، وصيانة لجماعة المسلمين من التفرّق والتشرذُم.

ثم انتدب – رضي الله عنه – ابن عبَّاس للمفاوضة عنه، فرغب الخوارج عنه، وقالوا: هو منك وسيُحابيك، ولكن أرسِلْ أبا موسى فإنَّه قد اعتزل القِتال ونصح لنا، فوافق علي – رضي الله عنه – على كُرْه منه.

وعندما اجتمع الحكمان – أبو موسى الأشْعري وعمرو بن العاص – اتَّفقا على تأجيل التحكيم إلى رمضان، فرجع عليٌّ بمَن معَه من صفّين إلى الكوفة، إلاَّ أنَّ الخوارج انقلبوا على موقفهم، وأعلنوا البراءة من التَّحكيم، ورأَوْا فيه ضلالاً وكفرًا، وهم الَّذين هدَّدوا عليًّا – رضي الله عنه – بقبوله والرضا به، ففارقوا الجماعة رأيًا، وفارقوها جسدًا؛ إذِ انحاز اثْنا عشر ألفًا منهم إلى حروراء، فأرسل إليهم عليٌّ – رضي الله عنه – عبدَالله بن عباس – رضي الله عنهما – وقال له: لا تعجل إلى جوابِهم وخصومتهم حتَّى آتيك، فاستعجلوا محاورته فحاورهم – رضي الله عنه – فلجُّوا في خصامه، فلما جاء عليٌّ أجابهم على ما نقموا عليه من أمْر الحكمين، وكان مما اعترضوا عليه قولهم: خَبِّرْنا: أتَراهُ عَدْلاً تَحكيمَ الرجالِ في الدماء؟ فقال لهم عليٌّ – رضي الله عنه -: إنَّا لسنا حكَّمنا الرِّجال إنَّما حكَّمنا القُرآن، وهذا القرآن إنَّما هو خطٌّ مسْطور بين دفَّتين لا ينطق إنَّما يتكلَّم به الرِّجال، قالوا: فخَبِّرْنا عن الأجَل لِمَ جعلْتَه بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل ويتثبت العالم، ولعلَّ الله يصلح في هذه الهُدْنة هذه الأمَّة، ادخلوا مِصْرَكم رحمكم الله، فدخلوا من عند آخرهم.

ولمَّا دخلوا الكوفة أظهروا المعارضة مرَّة أخرى لقضيَّة التَّحكيم، وعندما اعتزم عليٌّ أن يبعث أبا موسى للحكومة، أتاه زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي من الخوارج وقالا له: تُب من خطيئتِك وارجع عن قضيَّتك، واخرج بنا إلى عدوِّنا نقاتلهم، وقال علي: قد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا وعاهدناهم، فقال حرقوص: ذلك ذنب تنبغي التَّوبة منه، فقال علي: ليس بذنب ولكنَّه عجز من الرأي، فقال زرعة: لئن لم تدَعْ تحكيم الرجال لأقاتِلنَّك أطلب وجه الله، فقال علي: بؤسًا لك، كأنِّي بك قتيلاً تسفي عليك الرياح، قال: وددت لو كان ذلك، وخرجا من عنده يُناديان: لا حُكْمَ إلاَّ الله.

وخطب عليٌّ يومًا فتنادَوا من جوانب المسجد بهذه الكلمة، فقال عليٌّ: الله أكبر، كلِمة حقٍّ أُريد بها باطل، وخطب ثانيًا فقالوا كذلك، فقال: أما إنَّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحِبْتُمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكُروا فيها اسمه، ولا الفيْء ما دمتم معنا، ولا نقاتِلُكم حتَّى تبدؤونا، وننتظِر فيكم أمر الله.

تتَّصف هذه الفرقة بأنَّها أشدُّ الفرق دفاعًا عن مذهبها وتعصُّبًا لآرائِها، كانوا يدعون بالبراءة والرَّفض للخليفة عُثمان بن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، والحكَّام من بني أميَّة.

أصرَّ الخوارج على الاختِيار والبيعة في الحكم، مع ضرورة محاسبة أمير المسلمين على كلِّ صغيرة، كذلك عدم حاجة الأمَّة الإسلاميَّة لخليفة زمن السلم.

خلفيتهم:
يذهب الشهْرستاني إلى أنَّ نزعة الخوارج قائمة على أساس عقْلي، وهو القول “بالتَّحسين والتقبيح” العقليَّين، ذلك أنَّ أوَّل خارجي حكم بهواه العقلي، وأعرض عن النَّص، الذي هو فعل النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فإذا عُدَّ مَن خرج على الإمام عليّ – رضي الله عنْه [4]- خارجيًّا؛ فمَن أنكر على رسول الله أوْلى بأن يُوسم بتهْمة “الخروج”[5].

وعامل العصبيَّة القبليَّة والأصل البدوي يُعتبر من أهم عوامل ظهور الخوارج، حيث يذهب الكثيرُ من علماء التَّاريخ إلى إثبات عروبة الخوارج، فهم من القبائل الربعيَّة في الغالب؛ مثل قبائل تميم وبكر وأهل اليمن، وقد كان لهم شأن في الجاهليَّة[6]، ويذهب أحمد أمين إلى أنَّ الموالي الَّذين انضمُّوا إلى الخوارج لم يكونوا ذوي أثر عددي[7]، فقدِ استهوت المواليَ دعاوى الخوارج أنَّ الحكم لا يحصر في قبيلةٍ ما أو عرق ما، وكونهم من غير العرب توهَّموا أنَّ الخوارج قد يقبلون بهم كحكَّام ولو عليهم.

يقول الباحث نايف معروف[8]: “والَّذي نميل إليه هو أنَّ الخوارج في بدء أمرهم كانوا عربًا خلصًا، ومن أعراب البادية بشكل خاص”، فقد وصفوا عند معارضيهم بأنَّهم من أعاريب بكر وتميم[9]، ولعلَّ قبائل بني تميم أمدَّت الخوارج بأكبر رصيد من العساكر والقادة، حتى يمكن القول أنَّ هذه الحركة ولدت في أكناف بني تميم وتحت رايتِها، وكان ذلك حين مرَّ بهم الأشعث ليقرأ كتاب التَّحكيم، ثمَّ كان أمير القتال فيهم ابن ربعي التَّميمي، ومسعر بن فدَكي التَّميمي، وعرْوة بن أدية التَّميمي، ومرداس بن أدية التَّميمي، بل رأس الخروج حرقوص بن زهير السعدي التميمي، وهو ذو الخويْصرة الَّذي اعترض على الرَّسول في القسمة.

وإن كان في بني تميم مَن يعارضهم؛ بل ويقاتلهم[10]، ولعلَّ أصدق برهان على نزعة الخوارج القبليَّة، وعصبيتهم ضد قريش وسلطانها: أنَّنا لا نجد في صفوفهم لفترة طويلة من تاريخ وجودهم قرشيًّا واحدًا.

فالخلفاء الأربعة من قريش وبنو أميَّة من قريش، وهم كانوا يَحسدون قريشًا لاستِحْواذها النبوَّة والخلافة معًا؛ والدَّليل أنَّ كلَّهم من القبائل الربعيَّة التي كانت بينها وبين القبائل المضريَّة إحن جاهليَّة، توارت شيئًا ما بعد إسلامهم، لكن ما لبث أن برزتْ في صور من التديُّن، وألبست ثوب زور باسم الدين، ولنا دليل في مقولة الأشعث بن قيس في رفضه لاختيار ممثّل الإمام علي – رضي الله عنْه – حين اعترض على ترشيح عبدالله بن عبَّاس – رضي الله عنهما – قائلاً: “لا والله، لا يحكم فيها مضريَّان حتى تقوم الساعة”[11]، فقدم عصبيَّته اليمنيَّة الربعيَّة على راية الإمام علي – رضي الله عنه.

بالإضافة لعامل العصبيَّة القبليَّة الجاهليَّة وبداوة الأعْراب الجليَّة في تصرُّفاتهم، هنالك عامل كان مبدأ الخروج وطلوع قرن الخوارج؛ وهو “المال”، حيث قرَّر أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري (316 / 928م): أنَّ أوَّل خروجهم للأثرة في القسمة؛ وذلك لما عارض رأسُهم النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – في قسمة الفيْء.

والَّذين خرجوا على الخليفة عثمان – رضِي الله عنْه – اتَّهموه بأنَّه قسم الأموال بين أقاربه[12]، وروى الطَّبري أنَّهم تنادَوا في داره بأن “أدرِكوا بيت المال، لا تُسْبَقوا إليه”، وأتَوا بيت المال فنهبوه[13].

وعندما قسم الخليفة عليٌّ أموال البصرة على مَن شارك في وقعة الجمل تكلَّمت “السبئيَّة” في ذلك، وخاضت في الطَّعن في علي، بل أحد اعتِراضاتهم عليه: عدم سبْي وأخْذ أموال مَن قاتل في معركة الجمل.

وممَّا كتب معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنْهُما – إلى عثمان بن عفَّان يصف الخوارج: “إنَّما همُّهم الفتنة وأموال أهل الذمة”[14] وكان أغلب الخوارج من “القرَّاء”؛ أي: حَمَلة القرآن الكريم، لكن لم يثبت أنَّ فيهم صحابيًّا واحدًا أو عالمًا فقيهًا، وقد بايعوا عليَّ بن أبي طالب بعد مقتل عثمان بن عفَّان، ولمَّا رفض معاوية بن أبي سفيان مبايعة عليٍّ ثمَّ خرج معاوية في جيش لملاقاة عليٍّ وكانت موقعة صفين، نقضوا البيعة.

موقعة النهْروان:
انحاز الخوارج بعد معارضتهم لعلي، وخرجوا على جماعة المسلمين، وقتلوا عبدالله بن خبَّاب بن الأرت، وبقروا بطن جاريته، فطالبهم عليٌّ – رضي الله عنه – بقتلَتِه فأبوَا عليه وقالوا: كلنا قَتَلَهُ، وكلُّنا مستحلٌّ دماءكم ودماءهم، فوعظهم وأنَّبهم ونصح لهم، فأبوْا إلاَّ المناجزة والقتال، فقاتلهم – رضي الله عنه – بِمَن معه حتَّى أفناهم، فلم يبق منهم إلاَّ سبعة أو ثمانية – كما يذكر المؤرِّخون – تفرَّقوا في البلاد، ومنهم نبتت بذْرة الخوارج مرَّة أخرى، وكوَّنوا جماعات ظلَّت مصدر قلق للدَّولة الإسلاميَّة.

التَّسمية:
أطلقوا على أنفسهم: “المؤمنون – جماعة المؤمنين – الجماعة المؤمنة”.

تسمية الخوارج: أُطلق عليهم اسم “الخوارج” لخروجهم على أئمَّة الحق والعدل، وثوراتهم المتعددة، ولما شاع هذا الاسم، قبلوا به؛ ولكنَّهم فسَّروه على أنَّه: خروج على أئمَّة الجور والفسق والضعف، وأنَّ خروجهم إنما هو جهاد في سبيل الله.
تسمية أهل النهروان: والنهروان اسْم إحدى المواقع التي خاضوها في ثوراتهم.
تسمية الحروريَّة أو الحروريِّين: انتسابًا لإحدى المواقع التي خاضوها في ثوراتِهم أيضًا.
تسمية المُحَكِّمة: لأنَّهم رفضوا حكْم عمرو والأشعري، وقالوا: “لا حكم إلا لله”.
تسمية الشراة: سمَّوا أنفُسَهم الشراة، كمَن باعوا أرْواحهم في الدنيا واشترَوا النَّعيم في الآخرة، والمفرد “شارٍ”.

أصول الفكر الخارجي:
لم يكن للخوارج عند بدْء ظهورهم منظومة أفكار تشكِّل مذهبهم الَّذي فارقوا به أهل السنَّة، فقد كانت مفارقتُهم للمسلمين متعلِّقة باعتراضهم على مسألة التَّحكيم، إلاَّ أنَّ مذهب الخوارج اتَّسع في بِدَعِه ومخالفاته؛ نظرًا لما استتبع اعتراضهم الأوَّل من التزامات، ولما استجدَّ عليهم من محدثات.

فمِن آرائهم:
1- الخروج على الحكَّام إذا خالفوا منهجَهم وفهمهم للدين.
2- تكفير أصحاب الكبائر.
3- التبرؤ من الخليفَتَين الرَّاشدين عثمان وعلي – رضي الله عنهما.
4- تَجويز الإمامة العظمى في غير القرشي، فكلُّ مَن ينصبونه ويقيم العدْل فهو الإمام، سواء أكان عبدًا أم حرًّا، عجميًّا أم عربيًّا، وذهبت طائفةٌ منهم – وهم النجدات – إلى عدم حاجة النَّاس إلى إمام، وإنَّما على الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإنْ رأَوا أنَّه لا بدَّ من إمام جاز لهم أن يقيموا لهم إمامًا.
5- إسقاط حدِّ الرَّجم عن الزَّاني، وإسقاط حدِّ القذْف عمَّن قذف المحصنين من الرجال دون مَن قذف المحْصَنات من النساء، ففي “نيل الأوطار” للشوكاني: أنَّ الرَّجم مجمع عليه، ولكن في “البحر” عن الخوارج أنَّه غير واجب، وكذلك حكاه عنهم ابن العربي، ولا مستندَ لهم إلاَّ أنَّه لم يذكر في القرآن، وهذا باطل؛ فإنَّه قد ثبت بالسنَّة المتواتِرة المجمع عليها.
6- إنكار بعضهم سورة يوسف، وهو من أقْبح أقوالِهم وأشنعها، وهذا القول يُنْسَب إلى العجاردة منهم، حيثُ قالوا: لا يجوز أن تكون قصَّة العشق من القرآن.
7- القول بوجوب قضاء الصَّلاة على الحائض، فخالفوا النَّصَّ والإجماع.

من صفات الخوارج في الحديث النبوي:
لم يرد في فرقة من الفرق الإسلاميَّة من البيان النَّبويّ ما ورد في الخوارج؛ فقد تواترت الأحاديث في التَّحذير منهم وبيان صفاتهم، ومن صفاتهم التي ورد بها الحديث:
1- قلَّة فهم القرآن ووعيه؛ فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – أنَّه قال في وصفهم: ((يحقر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة))؛ متَّفق عليه.
2- زهد وعبادة وخبث اعتقاد، كما سبق في حديث أبي سعيد الخدري.
3- سِلْم على أهل الكفْر حرب على أهل الإسلام؛ فقد روى البخاري ومسلم في صحيحَيْهما عن أبي سعيدٍ الخدْري – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال في وصفهم: ((يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان)).
4- صغار الأسنان سفهاء الأحلام: فعن علي – رضي الله عنه – أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال في وصْف الخوارج: ((حُدَثاء الأسنان وسفهاء الأحلام))؛ متَّفق عليه.
5- التَّحليق: كما ثبت في صحيح البخاري مرفوعًا إلى النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال في وصفهم: ((سيماهم التحليق)) والمراد به: حلق رؤوسهم على صفة خاصَّة، أو حلْقها بالكلّيَّة، حيث لم يكن ذلِك من عادة المسلمين ولا من هدْيِهم في غير النسك.
6- شرّ الخلق والخلقية: كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وأنَّ ((قتلاهم شرّ قتْلى تحت أديم السَّماء))؛ كما عند الطبراني مرفوعًا، وأنَّهم ((كلاب النَّار))؛ كما في “مسند أحمد”، وأنهم: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة))؛ كما ثبت ذلك في الصَّحيحين.

صفات الخوارج النفسية:
تختلف أنفس وطبائع البشر، وتتنوع محدداتهم النفسية، ما بين ليّن هين، وما بين قاس غليظ الطبع، وما بين متوسط بين هذا وذاك، والمتأمل في حركة “التفرق” التي حصلت في الأمَّة الإسلاميَّة، والنظر في سمات الفرق، وحركات الغلو والتَّكفير وغيرها في القديم والحديث – يجد أنَّ النفس “الغالية” هي نفس مهيَّأة ابتداء إلى تقبُّل “الغلو”، فبدايتها مع البعد النفسي، ثم تتكلف في تأصيل غلوها بتلْفيقات فكريَّة: حتَّى تطمئنَّ بأنَّ طريقها صحيح، فالخوارج قديمًا أو حاليًّا يمتازون بالجفاء في المعاملة حتَّى قبل اعتناقهم للآراء الخارجية، فخوارج العصر الأوَّل استهوتْهم فكرة البراءة من عثمان وعليّ وبني أمية؛ حتَّى احتلت أفهامَهم وملكت عليهم عقولهم، وسدَّت كلَّ باب للمراجعة، فمَن تبرَّأ من عثمان وعلي وطلحة والزُّبير، سلكوه في جمعهم وأضافوه إلى عددهم، وتسامحوا في مبادئ أخر كانت حال التدقيق أخطر من البراءة تلك، ولمَّا خرج ابن الزُّبير على الأُمَويين ناصروه، فلمَّا علِموا أنَّه لا يتبرَّأ من أبيه ومَن تبرؤُوا هم منه، نابذوه، وشهدوا لعمر بن عبدالعزيز بالحكم الرَّاشد والعدل في الرعية، لكن حال بينهم وبين القبول بالطَّاعة له البراءة.

هذا علنًا، أمَّا في قرار أنفُسِهم، فقد حال بينهم وبين أولئك الصَّحابة والأمويِّين من قريش، والخوارج بعصبيتهم القبليَّة لا يرضَون إلاَّ مَن هو منهم عرقًا لا دينًا.

يقول عنهم أبو زهرة[15]: “إنَّهم ليشبهون في استِحْواذ الألفاظ البرَّاقة على نفوسهم، واستيلائه على مداركِهم – اليعقوبيِّين (فرقة نصرانيَّة) الَّذين ارتكبوا أقسى الفظائع في الثَّورة الفرنسيَّة، فقد استوْلت على هؤلاء ألفاظ (الحرية والمساواة والإخاء) وباسمها قتلوا النَّاس، وأهرقوا الدماء، وأولئِك استولت عليهم ألفاظ “لا حكم إلا لله” و “البراءة”، وباسمها أباحوا دِماء المسلمين، وخضبوا البلاد بها، وشنُّوا في كلِّ مكان غارات، وكانت الحماسة وقوَّة العاطفة ميزةَ اليعقوبيين والخوارج”.

فرفعهم لشعار “لا حكم إلا لله” قديمًا أيَّام الإمام علي، وحاليًّا، كلمة حقٍّ أُريد بها باطل، وقرار أنفسهم ما تبديه أعمالهم أنَّ دعواهم: “لا حكم إلاَّ لنا”، إذا أُعْطوا من الدنيا رضُوا، وإن لم يدركهم نصيب إذا هم يَسخطون، وإن وُجِد فيهم ذو مال فإنَّما يبغي الرِّياسة، أمَّا الشباب فمشكِلَتهم نفسيَّة من ترسُّبات المراهقة الكامِنة في الرَّغبة في التميُّز وسياسة “خالف تعرف”، والرغبة في الانتِماء لجوٍّ ما يجعله متميِّزًا عن “العادي”، والرَّغبة في الانتماء والقبول تظلُّ صارخة تطالب بالإشباع، وإذا لم يندمِج الشَّابُّ المراهق مع أقْرانه من نفس الجِنْس، فربَّما ينجذب للوقوع في علاقات غير صحّيَّة تبدو وكأنَّها ستسدُّ الاحتياج للقبول.

يقول المفكر جوستاف لوبون في وصْف اليعقوبيِّين: وتوجد النفسيَّة اليعقوبيَّة خاصَّة عند ذوي الأخلاق المتحمِّسة الضيِّقة، وتتضمَّن هذه النفسيَّة فكرًا قاصرًا عنيدًا، وكلّ شيء خارج عن الإيمان بالفكرة غير مؤثر فيها، وما تغلب على الروح اليعقوبيَّة من العناصر العاطفية يجعل اليعقوبي كثير السَّذاجة، ولما كان بهذا لا يدرك من الأمور إلاَّ علائقها الظَّاهريَّة، فإنَّه يظنُّ أنَّ ما يتولَّد في روحه من الصور الوهميَّة حقائق، ويفوته ارتباط الحوادث بعضها ببعض، وما ينشأ عن ذلك من النَّتائج لا يحول بصره عن خياله أبدًا؛ إذًا فاليعقوبي لا يقترف الآثام لتقدم منطقه العقلي إذ لا يملك منْه إلا قليلاً، وإنَّما يسير مستيقنًا، وعقله الضَّعيف يخدم اندفاعاته حيث يتردد ذو المدارك السامية فيقف..”[16].

كثير من هذه الصفات النفسيَّة تلمسها عند الخوارج عبر تاريخهم، من أشعارهم إلى عقائدهم إلى جرائمهم، فالحماسة والجرأة كانت لهم مواقف عدَّة مثل مقاطعة الخليفة علي – رضي الله عنه – في خطبه، بل حتَّى في صلاته، وتحدِّي بعضهم فرادى للمسلمين جهارًا نهارًا، والعناد كقتْلِهم للصَّحابي عبدالله بن خبَّاب بن الأرت، ولمَّا طولبوا من الخليفة بتسْليم القتلة قالوا بأنَّ الكلَّ شارك في قتل ابن الخبَّاب، فقاتلهم عليٌّ – رضي الله عنه – حتَّى كاد يُفْنيهم، ولم يَثنِهم ذاك عن الرُّجوع عن موقفهم، أمَّا السذاجة فلهم مواقف تضحك، ولكن ضحك كالبكاء! فبعد قتلهم لصحابي وبقْر بطن جاريته وقتْل طفلها، تورَّعوا في تمرة، وكم لهم من قصص مع الكفَّار؛ فقد كانوا يؤَمِّنون حياة الكافر ويبيحون دم المسلم! حتَّى إنَّ لهم لقاءً مع واصل بن عطاء رأس المعتزلة وجماعة من أصحابه، فلمَّا سألوهم عن معتقدهم أجاب واصل بأنَّهم أهل كتاب، فأخذوه وأصْحابه وقرؤُوا لهم آياتٍ من كلام الله ثمَّ أبلغوهم مأمنهم، ولو قال بأنَّه مسلم لجزُّوا عنقه، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان!

فكان فيهم التعصب للفكرة لدرجة الهوَس، مع التشدد في معامل المخالف، والخشونة في الدعوة والمعاملات والدِّفاع عن آرائهم، فلا رفْق فيما يصدر عنهم، ولعلَّ السَّبب الجليَّ في ذلك أنَّ أكثرَهم من أعراب البادية؛ ومَن بدا جفا، وقليل فيهم أهل الحضر، وإن وُجِدوا فسيماهم حدَّة الطَّبع والجفاء؛ لأنَّ أفكار وعقائد وسلوكيات الخوارج لا تُوائم الطباع الليِّنة أو المتَّزنة والهادئة، فالخوارج واللين من الألفاظ المتناقضة لا تجتمع.

والأُول منهم كانوا من أهل البادية في فقْر مدقع، وشدَّة وبلاء قبل الإسلام، وبعدَه لبُعْدِهم عن القرى لم تتحسَّن أوضاعهم كثيرًا، وأصاب الإسلام شغاف قلوبِهم مع سذاجة في التَّفكير، وضيق في التصوُّر، وبُعد عن العلوم، وعادتهم بعدم الولاء لدولة، ولا الطَّاعة لإمام واحد، فميزة العرب في الجاهليَّة أنَّ لكل قبيلة رأسًا، وتجْميعهم تحت لواء واحد كان من المحال، والأعراب أشدُّ كفرًا ونفاقًا، وهم أسلموا ولم يؤمنوا، وغالب مَن ارتدَّ في حروب الردَّة كانوا من الأعراب، ومن اليمن وهم من القبائل الربعيَّة المعادية للمضريَّة الَّتي منها قريش، ومن تبع دعاة النبوَّة لا لتصديقهم؛ بل لعصبيَّتهم لقبائلهم.

وزُهد الخوارج ليس في الغالِب عن غنًى بل عن فقر، فهو صبر اضطِراري، وطبع سارتْ عليه حياتُهم البدوية فحوَّلوه للدين؛ لذا لا تجد التكلُّف في ذاك لأنَّ طباعهم اعتادت قساوة العيش وضنك الحياة، فتولَّدت لهم طباع خشنة وعقول متهوِّرة مندفعة، قلَّ مَن تجده فيهم ذا لين في المعاملة، وتفهُّم للخلاف، كما أنَّ عامل طلَب الرِّياسة سيغطي على كلِّ الحجج، ويردُّ كل القواطع؛ لأنَّه سرِّيٌّ غير معلن عندهم، ولنا في أهل السياسة في زمننا عبرة.

فكونهم يحسدون قريشًا على الحكم في الإسلام هو من ميراثهم الجاهلي بين الربعيَّة والمضريَّة، فاستِحْواذ الأفكار قد يكون له عامل وراثي محض؛ لأنَّ الإنسان من طبعه أن يكره كلَّ ما تعلَّق بما آلَمه في يومٍ ما، من كلام أو صور أو روائح؛ لأنَّها تذكره بذلك الألم، وطبائعه النفسيَّة تجعله يتقبَّل من الأفكار ما يرتاح لها نفسيًّا؛ لذا كان من القواعد العامَّة أنَّ السُّنِّي يبحث عن الدليل ثم يعتقد، أمَّا المبتدع فهو يعتقد ثمَّ يبحث له عن دليل يكْسب ما يهوى شرعيَّة دينية.

فأفكار الخوارج لها قبول نفسي كبير عند ذوي الأخلاق الضيِّقة والنفوس الخشنة الطباع، وإنَّ بعض مَن هدى الله لا يعتقِدُها ولكن يجد في نفسه شيئًا ممَّا يوافق هواه وطبعه، إلاَّ أنَّه يقدم ما أتى به نبيه على ما يهوى هو.

والمرْجِئة تجدهم يتهافتون على نصوص رحْمة الله وسَعتها ومغفرته، ويملؤُون الحديث بالرَّجاء، ويتناسَون الوعيد، وعندهم الله تعالى: غافر الذنب، ويغلق القوس قبل: شديد العقاب ذو الطول؛ لذا تجِد مَن يميل لهذا الفكر من أهل التَّرف وأهل الحضَر والكسالى، وضعاف النفوس ذوي السلوكيَّات المضطرِبة، ومرتعهم كان في مدُن العراق، ومنها نبت الإرجاء.

ومرتع ضنك العيش وقساوة الطبع بادية الصَّحراء، وأعراب الحجاز واليمن، ومنْها نبت الخروج، وقس على ذلك الكثير من الفِرق والآراء والعقائد؛ فالشيعة كثيرٌ من آرائهم أصْلها فارسي بتنوُّع عقائد أهل الفُرس، حتَّى عقيدة الإمام المعْصوم هي من صلب معتقداتهم في “كسرى الفرس”، والمتصوِّفة تاريخيًّا منشؤُهم بالعراق بمناطق كانت تجاور طوائف نصرانيَّة رهبانيَّة، وأهل الكلام أساطينُهم ليسوا عربًا بل من عجم العراق، وأرض العراق أهلُها أهل فراق وتشقيق للكلام، وتداخُل للحضارات والمعتقدات، فناسب الكلام جهلاً بأصول العربيَّة والحديث النبوي أوَّل الأمر، ولك أن تُطالع أوائل المناظَرات بين علماء السَّلف وأهل الكلام، فقد كان مصرعهم في الغالب في اللُّغة العربيَّة وعلومها، فهي في أصولها تُنافي تشقيقاتهم، وتكلُّفات أهل الفلسفة، فتجدهم فيما بعد اهتمَّ أكابرُهم بعلوم اللُّغة لمنازعة أهل السنَّة؛ لأنَّهم بنَوا عقائدهم على مبدأ “اعتقِد ثم استدل”؛ فكان التعصب، وما زادتهم المناظرات والرُّدود إلاَّ توغلاً في البحث عن الأدلَّة التي تنصرُ آراءهم.

صفات النفس الغالية الخارجية:
الصفة الأولى:
نفسيَّة لا تقبل الوسطيَّة والتَّجزيء، فإمَّا معها أو ضدَّها، لا تقبل أن تكون معها في البعض، وتخالف في آخر، فإمَّا موافقتها حذْو القذَّة بالقذَّة، أو المفاصلة والمقاطعة، والحرب الَّتي لا تهدأ أوارُها، ولا تنطفئ نارها، وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية في نشوء الفِرق أنَّ أوَّل قضيَّة افترقت فيها الفرق هي: مسألة اجتِماع الخير والشَّرّ، والبدعة والسنَّة، والمعصية والطَّاعة في النفس الواحدة، فيقرِّر أنَّ الخوارج قالوا: لا يجتمع في الإنسان خير وشر؛ ولذا كفَّروا بالمعصية لأنَّهم يروْن استحالة أن يجتمع في الإنسان طاعة ومعصية، فإن وقع في معصية انتفى أصلُ إيمانه، والمرْجِئة في المقابل قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، وأمَّا أهل الحقّ والسنَّة فقالوا: يجتمع في الإنسان خيرٌ وشرٌّ، وطاعة ومعصية، فيوالَى على قدْر ما به من طاعة، ويُعادَى على قدر ما به من معصية.

الصفة الثانية:
غلْظة في الطبع، فلن تجِد غاليًا في التَّاريخ وهو لين العريكة، سهل المعْشر، خافض الجناح للنَّاس، بل تجد أنَّ الصَّلف في القول، والشدَّة مع المخالف، والتجرُّؤ على الآخرين – سمة من سمات “الغلاة” على مدار التاريخ؛ ولذا لا تَجد خارجيًّا – إلاَّ ما ندر – لين الطَّبع، وفي مقابل ذلك لا تَجد مرجئًا غليظ الطَّبع، فالسِّمات النفسيَّة دافع إلى تبني الأفكار، وتَجد أنَّ النفسية الغالية تجنح كثيرًا إلى التنطُّع في الاختيارات، وسلوك الطرق الوعرة، ومحبَّة التَّحريم في الأحْكام، ولم يُخيَّر الغالي بين حُكْمَين دائرين بين الإباحة والحظْر إلاَّ وتوجَّه إلى الحظر؛ لأنَّ التشدُّد في الحكم يتوافق في الغالب مع النفسيَّة الغالية؛ ولذا كان تحريم المباح على النَّفس من صنوف الغلو والبعد عن سنَّة النَّبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقد أنْكر النَّبيُّ – صلَّى الله عليْه وسلَّم – على مَن ترك زواج النساء، ومَن قام ولم ينَم، وصام ولَم يفْطِر؛ لأنَّ هدْيَه الزَّواج والقيام والنَّوم، والصيام والفطْر، وسنَّته على ما قدر للنَّاس من التَّكليف.

الصفة الثالثة:
الإجْمال وكره التفصيل، فهم يكفِّرون بالجملة دون تفصيل أو استثناء، ولا يحب الخارجي في الغالب أن يدخُل في التَّفاصيل التي تَمنعه من ممارسة هوايته في النِّكاية بالناس، والتفكُّه بالطَّعن في أعراضهم، فسمات الخوارج الأخْذ بالمتشابه من الآيات دون دخول في مقاصِدِها ومعانيها وتفاصيلها، بالرجوع إلى المحْكَم من الآيات، أو الأحاديث الصَّحيحة المفسِّرة للآيات، فقالوا: “إن الحكم إلا لله” دون تكليف النَّفس في التأمُّل فيها والنَّظر في مناطات الأحكام، وتنقيحها وتحقيقها، أو مراجعة أهل التَّفسير وأئمَّته، لكن بعد أن طعَنوا في علماء الصَّحابة، ماذا بقي لهم غير أهوائِهم؟! لذا تراهم في زماننا أوَّل من يبدؤون به هم علماء أهل السنَّة والجماعة، فلمَّا فرغوا من الطَّعن فيهم لَم يتورَّعوا فيمَن دونهم من الطَّلبة والعامَّة والحكَّام.

الصفة الرابعة:
الشدَّة على المخالف حالَ الإنكار عليه، مع تعْظيم الذات والانتِصار لها، فالغالي يفْجُر في خصومته؛ لأنَّه لا يدعو لله بل لنفسه بأنَّه الأعلم وهو الأسبق إلى معرفة الصواب، يرى أنَّ مسائله كلَّها محسومة من بُعدها النظري، فهو على حقٍّ مُطْلق، وخصمه على باطل مطْلق، وهذا ما يجعل غلوَّه في تصاعُد مستمرّ، حين لا يتيح لنفسِه التَّراجُع عن أفكاره، بل لو فُوجئ بدليل دامغ تراهُ يَستشيطُ غضبًا، وقد يفجعك بشبهة تافهة تُصيبك بصكة فكرية.

الصفة الخامسة:
الثِّقة الزَّائدة عن حدِّها في كلِّ ما يَراه تجعله يقاطع الناس على كلِّ رأي مخالف، فترى الغاليَ من أقلِّ النَّاس خلطةً للنَّاس، وصبرًا على أذاهم والتبسُّط معهم، وفي مقابل ذلك فهم يتيمون متيَّمون ببعضهم البعض، ويعظمون بعضهم بعضًا إلى درجة كبيرة؛ ولذا تَجد هذه الصِّفة حاضرةً في الخوارج، فحين يتكلَّمون بخصومِهم يكيلون لهم كلَّ قبيحة، وحين يتحدَّثون عن بعضِهم فإنَّ الواحد ينفُخ في صاحبه وهو لا يساوي بقْلة، وقد قال شاعرهم:
مُتَأَوِّهِينَ كَأَنَّ  فِي  أَجْوَافِهِمْ        نَارًا تُسَعِّرُهَا أَكُفُّ  حَوَاطِبِ
تَلْقَاهُمُ  فَتَرَاهُمُ   مِنْ   رَاكِعٍ        أَوْ سَاجِدٍ مُتَضَرِّعٍ أَوْ نَاحِبِ
يَتْلُو  قَوَارِعَ  تَمْتَرِي   عَبَرَاتُهُ        فَيَجُودُهَا مَرْيَ المَرِيِّ الحَالِبِ
وَمُبَرَّئِينَ مِنَ المَعَايِبِ  أَحْرَزُوا        خَصَلَ المَكَارِمِ أَتْقِيَاءَ أَطَايِبِ
وقال آخر يصف ربعه:
تَظَلُّ عِتَاقُ الطَّيْرِ  تَحْجِلُ  حَوْلَهُمْ        يُعَلِّلْنَ   أَجْسَادًا    قَلِيلاً    نَعِيمُهَا
لِطَافًا  بَرَاهَا  الصَّوْمُ  حَتَّى  كَأَنَّهَا        سُيُوفٌ إِذَا مَا الخَيْلُ تَدْمَى كُلُومُهَا
ومن صور تعظيمهم لبعضهم قول أحدهم:
وَأَسْأَلُ  اللَّهَ  بَيْعَ  النَّفْسِ  مُحْتَسِبًا        حَتَّى أُلاقِيَ فِي الفِرْدَوْسِ حُرْقُوصَا
وَابْنَ   المَنِيحِ   وَمِرْدَاسًا   وَإِخْوَتَهُ        إِذْ فَارَقُوا  زَهْرَةَ  الدُّنْيَا  مَخَامِيصَا
الصفة السادسة:
العناد، فهي نفسيَّة جلدة على حمْل الفِكْرة، حتَّى لو وقف النَّاس كلُّهم في طريقه، ولو راجع فيها أعلم القوم، وسردت أدلَّة الوحي كلّها على خطئِه، ما زاده من المخالف إلاَّ نفورًا؛ ولذا لا يتورَّع من مفاصلة أقْرب النَّاس إليْه إذا لم يسِر على ما يريد، وكان الخوارج من أشدِّ النَّاس جلدًا على العبادة والتخشُّع والتبتل، والبعد عن الدُّنيا وزخرفها، بل يعيش الواحد من هؤلاء ممتطيًا صهْوة جوادِه إلى أن يَموت، فلقد قال قائِلُهم:
مَنْ  كَانَ  يَكْرَهُ  أَنْ  يَلْقَى   مَنِيَّتَهُ        فَالمَوْتُ أَشْهَى إِلَى قَلْبِي مِنَ العَسَلِ
وقال الآخر:
حَتَّى مَتَى تُخْطِئُنِي الشَّهَادَهْ        وَالمَوْتُ فِي  أَعْنَاقِهَا  قِلادَهْ
الصفة السابعة:
التسرُّع وفقد إلى فقه الأولويات ومعرفة الأهم فالأهم، وهذا بسبب السَّذاجة والتهوُّر الَّذي يمتازون به، فأصابَهم العمى عن الموازنة والمقاربة بين الأمور.

الصفة الثامنة:
كثرة الجدل والخصومة، يدافع عن مذهبِه ويتلقَّط الحجج له ولا يترك لخصمه ناحية إلاَّ سعى إلى إضعافها، وإن كان خصمه على حق وهو على باطل، بل لا يزيد إيراد الحجج على الخارجي إلاَّ تنقيبه عن الشبه لردّ قواطع الأدلَّة.

ولهم رغبة جامحة في المناقشة واستعراض ما لهم من ملكات، ومساجلة الآراء، حتَّى وهم في صلب المعركة، فالتَّعالُم طاغٍ عليهم، والتجرؤ على العلماء ميزتهم.

الصفة التاسعة:
التعصُّب لآرائهم، فلا يسلِّمون لخصومهم بحجَّة مهْما تكن قريبة من الحق، لاستيلاء آرائهم على نفوسِهم، وتغلْغُل مذهبهم في قلوبهم، ولأنَّهم يناظرون تعصبًا، لا لبيان الحقّ واتِّباعه إن ظهر.

وفيهم لَدَد – شدة منازعة – وخصومة بدويَّة، وكلما أوردت لهم دليلاً ورددتَ لهم شبهة، أَتَوْكَ بأخرى، ولنا في مناظراتِهم للإمام علي وعبدالله بن عباس أكبرُ دليل.
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــ
[1] منهاج السنة، ابن تيمية: ج2، ص 39.
[2] فتح الباري، ابن حجر العسقلاني: ج 6، ص (226 – 227).
[3] المصدر نفسه: ج12، ص 246.
[4] يقال في الإمام علي: “رضي الله عنه” وليس” كرم الله وجهه”؛ فهي من بقايا التشيع، راجع تحقيق الشيخ علي حسن لكتاب “الفوائد” لابن القيم.
[5] الملل والنحل، الشهرستاني: ج1، ص 21.
[6] صور من التاريخ الإسلامي، العبادي: ص 186.
[7] فجر الإسلام، أحمد أمين: ص 262.
[8] الخوارج في العصر الأموي، نايف محمود معروف: ص28.
[9] تاريخ الطبري، الطبري: ج6، ص3353.
[10] الكامل، المبرد: ج3, ص 1129.
[11] تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي: ج2، ص 189.
[12] منهاج السنة، ابن تيمية: ج4، ص 391.
[13] تاريخ الطبري، الطبري: ج5، ص391.
[14] المصدر نفسه: ج5، ص 87.
[15] تاريخ الجدل، أبو زهرة: ص 146.
[16] نقلاً عن: تاريخ الجدل، لأبي زهرة: ص 146.

-- بليل عبدالكريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*