الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » البركة مع أكابركم

البركة مع أكابركم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فإن من أسباب البلاء؛ وحصول الشحناء؛ التجافي والبعد عن العلماء الكبار، والذين أفنوا أعمارهم في العلم والتعليم، وعرف عنهم بذلهم للعلم للقاصي والداني؛ والعدول بهم إلى شبيبة لم تثبت قدمهم في العلم، ولم يعرف عنهم التحقيق في مسائله.
ولذلك جاء التوجيه النبوي بلزوم الأكابر من ذوي العلم والفضل؛ والذين حنكتهم التجارب، ومحصتهم النوائب، فأدركوا من ذلك ما لم يدركه غيرهم من الأصاغر.
فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “البركة مع أكابركم”. أخرجه ابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب في التاريخ، وصححه الحاكم على شرط البخاري، وصححه الذهبي ثم الألباني رحمهم الله جميعاً.
قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (1 / 893):
( البركة مع أكابركم ) المجربين للأمور المحافظين على تكثير الأجور فجالسوهم لتقتدوا برأيهم.
وتقديم الأكابر سنة متبعة ثابتة في صحيح السنة؛ فقد روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ وَهْوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمٍ قَتِيلاً فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهْوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ…
قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث:
 وهذا من باب أدب الإسلام . وقال المهلب : تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن من الرئيس أو العالم، على ما جاء في حديث شرب اللبن. شرح صحيح البخاري (1 / 364)
وحذر الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الإقبال على الأخذ على الأصاغر مع وجود الأكابر، لأن ذلك مما يفضي إلى الهلكة؛ فقد روى الطبراني وغيره عن عبد الله بن مسعود -رضي اللهُ عنه قال : “لَنْ يَزَالَ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَكَابِرِهِمْ، وَذَوِي أَسْلافِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ هَلَكُوا”. المعجم الكبير للطبراني (8 / 14)
وروى الخطيب البغدادى بسنده فى كتابه :” نصيحة اهل الحديث”, عن ابن قتيبة انه سئل عن معنى هذا الأثر فأجاب :(( يريد : لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ , ولم يكن علمائهم الأحداث )) ويعلل هذا التفسير فيقول :(( لان الشيخ زالت عنه متعة الشباب, وحدته, وعجلته,وسفهه, واستصحب التجربة والخبرة؛ فلا يدخل عليه في علمه الشبهة, ولايغلب عليه الهوى, ولا يميل به الطمع, ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث, ومع السن الجلالة والوقار والهيبة, والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور التي امنت على الشيخ ؛ فإذا دخلت عليه وافتى هلك واهلك)) نصيحة أهل الحديث، ص: (30) .
وروى الخطيب أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: « قد علمت متى صلاح الناس، ومتى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير؛ فاهتديا ». الفقيه والمتفقه (2 / 379)
قال الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة (1 / 317):
قال سليمان : لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخر ، فإذا
هلك الأول قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس.
وقيل لسعيد بن جبير : ما علامة هلاك الناس ؟ قال : إذا هلك علماؤهم.
وقال الحسن : قال عبد الله بن مسعود : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.ا.هـ
وقال الشيخ الكلاباذي في بحر الفوائد (1 / 129):
“الكبراء”.. ذوو الأسنان والشيوخ الذين لهم تجارب، وقد كملت عقولهم، وسكنت حدتهم، وكملت آدابهم، وزالت عنهم خفة الصبى، وحدة الشباب، وأحكموا التجارب، فمن جالسهم تأدب بآدابهم، وانتفع بتجاربهم، فكان سكونهم ووقارهم حاجزا لمن جالسهم، وزاجرا لهم عما يتولد من طباعهم.
وقال الشيخ عبد المحسن العباد-حفظه الله-: الأخذ عن العلماء الراسخين والأئمة المحققين وترك الأخذ عن الأصاغر من الناشئين في طلب العلم والمقلّين في التحصيل منه، يقول صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داوود وغيره يقول عليه الصلاة والسلام: ” البركة مع أكابركم ” تأملوا  قوله عليه الصلاة والسلام : ” البركة مع أكابركم “، وهو حديث صحيح ثابت، البركة مع الأكابر الذين رسخت أقدامهم في العلم وطالت مدتهم في تحصيله وأصبح لهم مكانة في الأمة بما آتاهم الله عز وجلّ من العلم والحكمة والرزانة والأناة والنظر في عواقب الأمور؛ فمن كان مُعَوِّلاً على كلمة العلماء المحققين والأئمة الراسخين فإنه بإذن الله يحمد العاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا وجه الله عز وجلّ في محكم تنزيله، قال الله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ النساء: ٨٣ .
   فعليكم عباد الله: بالإفادة من العلماء والرجوع إلى فتاوى المحققين من العلماء لتكون لكم السلامة والأمانة والرفعة بإذن الله تبارك وتعالى.ا.هـ
والتماس العلم والفتيا وخاصة في المسائل العظيمة التي تعم بها البلوى عند الأصاغر من علامة خذلان المرء وبعده عن السنة، لأن العلم والفتيا لا يطلب إلا من جمع العلم وشهد له علماء عصره بذلك، ولأن الفتيا لا يطيقها كل أحد وإن ادعى العلم.
وقد اشترط أسلافنا العلماء لمن تصدر للإفتاء أن يحرز علوما شتى لا يمكن تحصيلها في الغالب إلا لمن تمرس سنين عددا في الانكباب على التحصيل والطلب.
قال الإمام الشافعي رحمه الله :”لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي”. الفقيه والمتفقه للخطيب (2 / 34)
وقال الخطيب البغدادي :” إذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به، فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته عن أعلمهم وأمثلهم، ليقصده ويؤم نحوه، فليس كل من ادعى العلم أحرزه، ولا كل من انتسب إليه كان من أهله”. الفقيه والمتفقه (2 / 60)
وقال الإمام مالك رحمه الله: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة، فقال : ما يبكيك؛ وارتاع لبكائه، فقال له : أدخلت عليك مصيبة ؟ فقال : لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم”. الفقيه والمتفقه (2 / 30)
قال الشاطبي رحمه الله في كتابه ” الاعتصام ” ( 3/ 99 ) :
” والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم ؛ حتى يشهد فيه غيره ، ويعلم من نفسه ما شهد له به ، إلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك ، فاختار الإ قدام فى هاتين الحالتين على الإحجام لايكون إلا با تباع الهوى ، وإذا كان ينبغى له أ ن يستفتى فى نفسه غيره ، ولم بفعل ، كان من حقه أ ن لايقدم إلا أن يقدمه غيره ، ولم يفعل ” .
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلى – رحمه الله – فى ذلك :(( وقد ابتلينا بجهلة من الناس , يعتقدون فى بعض من توسع فى القول من المتاخرين انه اعلم ممن تقدم ؛ فمنهم من يظن في شخص انه اعلم من كل من تقدم من الصحابة من بعدهم لكثرة بيانه ومقاله … وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا, وظنوا أن من كثر كلامه, وجداله, وخصامه في مسائل الدين فهو اعلم ممن ليس كذلك … فيجب أن يُعتقد أنه ليس كل من كثر بسطه للقول وكلامه في العلم كان اعلم ممن ليس كذلك )) “بيان فضل علم السلف على علم الخلف” ص(38 – 40)
فتبين من النقول السابقة عن الأئمة الأعلام أن العلم والفتيا لا يتلقى إلا من مظانه؛ ومظانه المعهودة عند الأكابر من العلماء، وليس عند الأصاغر الحدثاء.
وقد ورد في حديث صحح بعض أهل العلم إسناده أن من أشراط الساعة أن يطلب العمل عند الأصاغر، ويترك طلبه عند الأكابر.
فروى الطبراني وغيره في المعجم الكبير (16 / 219): عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ اللَّخْمِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ثَلاثَةً: إِحْدَاهُنَّ أَنْ يُلْتمسَ الْعِلْم عِنْدَ الأَصَاغِرِ.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله- عند شرحه لحديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا وسد الأمر إلى غيره فانتظر الساعة.-:
ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الاشراط، ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة، وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر، تلميحا لما روى عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. فتح الباري (1 / 143)
وسئل العلامة الفقيه ابن عثيمين رحمه الله عن معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ) ما المقصود بالأصاغر هنا ؟ هل هو أصاغر العلم ، أو أصاغر في السن ؟
فأجاب: كلها، لأن الأصاغر في العلم ما عندهم علم كامل ، والأصاغر في السن ما عندهم تجربة ، والعلم كما تعلمون: رفع الجهل ، والتربية من السفه ، لهذا يقال: علماء ربانيون ، ما كل علم يكون مربياً ، بعض العلماء على العكس ، يفرح إذا وجد حيلة من الحيل يدل الناس عليها ليسقط بذلك فريضة من فرائض الله ، أو تنتهك حرمات من محارم الله ، فليس كل عالم يكون مفيداً للخلق ، فالمراد بالصغار يحتمل معنيين: صغار العلم، وصغار السن، أما صغار العلم: فجهلهم0 وأما صغار السن: لعدم تربيتهم لأنه ما عندهم تجارب، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من حدثاء الأسنان، لأن حدثاء الأسنان ما عندهم دراية وتجربة في الأمور، تجد عندهم إقدام في غير موضع الإقدام، إحجام في غير موضع الإحجام. شرح كتاب الرقاق ـ من صحيح البخاري ـ لابن عثيمين (1 / 134)
ويتقرر مما سبق بأن على المسلم أن يحرص في الأخذ على الأكابر دون الأصاغر، لأن أخذ العلم دين يدان به رب العالمين، فلا يجعل المرء دينه عرضة للميل عن السنة والهدى، فمن أراد بركة العلم والعمل فعليه بأكابر العلماء؛ ومن لزم ذلك فسيحمد عاقبة أمره عاجلا وآجلاً.

-- أبو البراء الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*