الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » اعتبار المآلات

اعتبار المآلات

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
من الأسباب التي تجعل المرء يعيش في تخبط وتناقض عدم اعتناءه بالعلم الشرعي المؤصل، لأن الشريعة لا يمكن أن تؤخذ مجردة في نصوص مجتزئة أو تفهم في قوالب معينة دون الرجوع إلى عامة نصوص الشريعة وفهمها فهماً صحيحاً.
وإذا أهمل المسلم هذا الشمول في فهم الشريعة وقع في أمور لا تحمد عقباها وسبب ذلك الجهل وعدم الرجوع لأهل العلم الربانيين العارفين بذلك الشمول.
ومن أمثلة ذلك حتى يكون الأمر واضحا جليا إهمال بعض المتسرعين للقواعد الشرعية المرعية التي قعدها علماء الشريعة الأفذاذ جراء استقراءهم لنصوص الشريعة عامة، وتوصلهم لضبطها على شكل قواعد عامة وخاصة لتضبط للمسلم كيفية معرفة حكم النوازل على مختلف أشكالها حين يعوزه الدليل الخاص لتلك النازلة.
وكان من نتيجة ذلك الإهمال لتلك القواعد ما شاهدناه من تخبط في الإقدام على بعض الأفعال التي يظن فاعلها أنها من المأمورات الشرعية؛ ومما يتقرب به إلى الله عز جل.
فأقدم بعض أولئك المتسرعين في إزهاق الأنفس المحرمة ونقض العهود المبرمة لجهلهم بالشريعة أو اعتمادهم على نصوص جزئية لا يمكن فهمها مجردة دون الرجوع لبقية نصوص الشريعة.
ومن بين ما أهملوه من تلك القواعد الشرعية قاعدة: اعتبار المآلات، أو كل فعل آل إلى محرم فهو محرم، أو الأشياء تحرم وتحل بمآلاتها، أو الأمور بعواقبها، وغيرها من الصيغ التي صيغت منها تلك القاعدة العظيمة، ويندرج ضمنها ضمنياً القاعدة الشرعية المرعية المعروفة بسد الذرائع.
فهذه القاعدة المهمة نص عليها العلماء في مصنفاتهم العلمية واستدلوا لها بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
ومعنى القاعدة: هو الحكم على الأمور بالنظر إلى ما ينتج عنها من مفاسد لاجتنابها، أو مصالح لتحصيلها، وعليه فاعتبار المآل هو: ((تنقيح مناط التصرف بالنظر إلى ما يؤول إليه (المناط المآلي) إذا ترتب عليه دفعُ مفسدة واقعة أو متوقعة، أو تحصيل مصلحة راجحة متوقعة.
ومن أدلة القاعدة في الكتاب قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة الأنعام: 108
قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية:
قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية. وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب” الَّذِينَ” على معتقد الكفرة فيها. الثالثة- في هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع، وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين. ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. تفسير القرطبي – (7 / 61)
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو. تفسير ابن كثير (3 / 314)
وقال ابن القيم رحمه الله:
فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتهم لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز. إعلام الموقعين (3 / 137) ونكتفي بهذا الدليل من القرآن الكريم.
أما الأدلة من السنة فكثيرة أيضاً، ومنها:
ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ – وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا.
ووجه الشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بناء البيت على قواعد إبراهيم التي بناه عليها خشية الفساد الذي ينجم عن ذلك الفعل المشروع في الظاهر كارتداد بعض من آمن من قريش؛ أو دخول الشك من الرسالة في قلوبهم.
قال ابن بطال رحمه الله في شرحه لهذا الحديث:
إنما امتنع من رده على قواعد إبراهيم خشية إنكار قريش لذلك . وفى هذا من الفقه أنه يجب اجتناب ما يُسْرِعُ الناس إلى إنكاره وإن كان صوابًا. شرح صحيح البخاري (4 / 264)
وقال الإمام النووي رحمه الله:
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِقَوَاعِد مِنْ الْأَحْكَام مِنْهَا : إِذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِح أَوْ تَعَارَضَتْ مَصْلَحَة وَمَفْسَدَة وَتَعَذَّرَ الْجَمْع بَيْن فِعْل الْمَصْلَحَة وَتَرْك الْمَفْسَدَة بُدِئَ بِالْأَهَمِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْكَعْبَة وَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْلَحَة ، وَلَكِنْ تُعَارِضهُ مَفْسَدَة أَعْظَم مِنْهُ ، وَهِيَ خَوْف فِتْنَة بَعْض مَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ فَضْل الْكَعْبَة ، فَيَرَوْنَ تَغْيِيرهَا عَظِيمًا ، فَتَرَكَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . شرح النووي على مسلم (4 / 487)
وقال الباجي المالكي رحمه الله:
يُرِيدُ – وَاَللَّهُ أَعْلَمُ – قُرْبَ الْعَهْدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا أَنْكَرَتْ نُفُوسُهُمْ خَرَابَ الْكَعْبَةِ فَيُوَسْوِسُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ بِذَلِكَ مَا يَقْتَضِي إدْخَالَ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِيدُ اسْتِئْلَافَهُمْ وَيَرُومُ تَثْبِيتَهُمْ عَلَى أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ يَخَافُ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ بِتَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَرَأَى أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَأَمْرُ النَّاسِ بِاسْتِيعَابِ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ أَقْرَبُ إِلَى سَلَامَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِصْلَاحِ أَدْيَانِهِمْ مَعَ أَنَّ اسْتِيعَابَهُ بِالْبُنْيَانِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْفُرُوضِ وَلَا مِنْ أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا تَقُومُ إِلَّا بِهِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالطَّوَافِ خَاصَّةً وَهَذَا يُمْكِنُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ . المنتقى شرح الموطأ  (2 / 349)
وروى البخاري في صحيحه عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ : مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَالَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقَدْ فَعَلُوا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
ففي هذا الجليل الشريف من الفقه العظيم الذي يدل على أن ترك العمل وإن كان مشروعاً لدفع مفسدة متحققة هو الواجب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ترك قتل المنافقين –وإن كان في قتلهم في الظاهر مصلحة-لدفع مفسدة عظمى وهي خوف استغلال ذلك بأن ينتشر بين الناس بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه؛ ويكون مانعاً من دخول الناس في دين الله عز وجل.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ مَعَ كَوْنِهِ مَصْلَحَةً؛ لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى قَوْلِ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ; لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ النُّفُورَ عَنْ الْإِسْلَامِ مِمَّنْ دَخَلَ فِيهِ وَمِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَهَذَا النُّفُورُ حَرَامٌ . إقامة الدليل على إبطال التحليل (3 / 471)
وقال العلامة الشاطبي:
وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص-أي من الأمثلة- مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا، لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعًا، لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرع بفعل جائز، إلى عمل غير جائز فالأصل على المشروعية، لكن مآله غير مشروع. الموافقات – (5 / 182)
وقال رحمه الله أيضاً في تقرير هذه القاعدة:
النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفه، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون ؛ مشروعاً لمصلحة قد تستجلب أو لمفسدة قد تدرأ ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع ، لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحه تندفع به ، ولكن له مآل على خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية ، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعاً من انطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية ، وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا أنه عذب المذاق ، محمود الغب ، جارٍ على مقاصد الشريعة. الموافقات 5 / 178 .
فتبين مما سبق بأن القاعدة مقررة في الشريعة قد سار عليها العلماء وبينوا منزلتها وأهميتها وأدلتها في الشريعة.
ولذلك ما وقع من وقع في الخروج على ولاة المسلمين أو استهان بإراقة دماء المسلمين أو نقض عهود المعاهدين إلا جراء الجهل بهذه الشريعة من حيث العموم، ولو تدبروا في نصوصها عامة؛ وفهموا مقاصدها؛ لما آل أمرهم إلى ما آل إليه.

-- أبو البراء الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*