الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » التعصب مدمر الحضارات

التعصب مدمر الحضارات

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
التعصب الفكري داء فكري على مر العصور والأزمان إذا لم يشخص التشخيص الصحيح ومن ثم معرفة أسبابه وعلاجه سيؤدي ذلك إلى تقطيع المجتمع بمقراض خبيث اسمه “التعصب” والذي يعني اصطلاحاً: الانحراف عن الجادة المنتجة في الحياة.
في هذا البحث سنتكلم باختصار شديد عن المعنى اللغوي والاصطلاحي للتعصب، ثم أنواعه وأبعاده النفسية والاجتماعية وأخيراً الحلول الناجعة للخروج من دوائره.
 

مقدمة :
يعيش الإنسان العادي في الأمة مع فروضه الخمس يقرأ في كل ركعة قول الله تعالى “أهدنا الصراط المستقيم” كمطلب أساسي لنجاح عابر الدنيا وتحقيق هدفه من الحياة فمن غير الاستقامة يستحيل النجاح في الدارين، والاستقامة تعني الوسطية وتعني التوازن، ومن غير الاستقامة في الفكر والوجدان والسلوك يتعرض السائر على درب الحياة إلى الاختلال ومن ثم الجنوح إلى احتمالي الإفراط والتفريط القاتلين للطاقات والجهود لتتحول النوايا المثمرة إلى سموم ضارة بسبب جهل الإنسان وعدم اتزانه حين إصدار قراراته العقلية تجاه الأحداث الدنيوية وتجاه موضوعاته الفكرية التي يصادفها في مسيرته الزمنية فوق الأرض.
والعاقل اللبيب من أدرك أن الدين الحق هو دين الاستقامة ودين الوسطية ودين الإنتاج في مملكة الذات وفي مملكة الميدان.
ولذلك كان من الفطنة أن نتعلم المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لمفهوم الوسطية الوجه الآخر للاستقامة المطلوبة للناجح:
أ‌-المعنى اللغوي:
“قال ابن فارس في مقاييس اللغة (الواو والسين والطاء):
بناء صحيح يدل على العدل والنصف وأعدل الشيء أوسطه ووسطه، قال الله عز وجل أمة وسطا” ويقال ضربت وسط رأسه بفتح السين، ووسْط القوم بسكونها وهو أوسطهم حسباً إذا كان في وسطْة قومه وأرفعهم محلاً.
قال ابن منظور: وسط الشيء ما بين طرفيه يقول الفيروز أبادي: الوسط من كل شيء أعدله “وكذلك جعلناكم” أمة وسطا “أي عدلاً خياراً” أ.هـ.

ب‌-المعنى الاصطلاحي:
“الوسطية في المصطلح تعني حالة محمودة تعصم الفرد من الميل إلى جانبي الإفراط والتفريط، أو هي التوازن والتعادل بين الطرفين بحيث لا يطغى طرف على آخر، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، وإنما إتباع للأفضل والأعدل والأجود والأكمل” .
يقول الشيخ الدكتور القرضاوي: الوسطية يعبر عنها أيضاً بـ “التوازن” ونعني بها التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ، ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، ومثال الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الروحية والمادية، والفردية والجماعية والواقعية والمثالية والثبات والتغير، وما شابهها، ومعنى التوازن بينهما: أن يفسح لكل طرف منها مجاله، ويعطي حقه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم، بلا وكس ولا شطط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا إخسار”
أنواع التعصب:
إن كلمة “تعصب” تعني اختلالاً فكرياً يليه اختلال وجداني يتحمس للاختلال الأول ليتبعه اختلال سلوكي تراه العين المجردة وتقيس مضاره المرئية الإنسانية جمعاء على صاحبه وعلى دوائره.
والتعصب أنواع منها:
1.التعصب القبلي:
إنه هوى القبيلة الأهوج الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه” نتن لأنه يدمر الحيادية الفكرية ويدمر القدرة على العدل في القضاء الفكري بل يسيطر على القرار العقلي ليتبع أهواء القبيلة ومصالحها الخاصة دون الأخذ بالاعتبار الإنسان الآخر وعلاقتنا البشرية معه ومسئوليتنا تجاه بعضنا البعض كأناس متجاورين فوق الأرض.
2.التعصب القومي :
إنه هوى القومية الأسود الذي يمثل وباءً قاتلاً للمؤمن وللمحيطين به حيث يرتفع هوى القومية بالشعب إلى مواقع غير حقيقية تجر العالم إلى الظلم والتفكك، فها هو هتلر ماثل أمام التاريخ كنموذج مثالي للتعصب القومي حيث أخذ بيد بلاده إلى الهاوية مع كل ما كانت تملك أرضه والساكنون عليها من قوة ومميزات ووفورات حضارية، وكذلك كثير من غارات الدول على بعضها البعض ظلماً عبر التاريخ كان أحد مسبباتها الأساسية للجور والظلم هو العصبية القومية المدمرة لكل عدل على الأرض.
3.التعصب الفكري:
يقيم الإنسان بما يملك من فكر عادل رشيد مفيد منتج لصاحبه وللمتصلين به، ومع هذا التقييم المتفق عليه منطقاً وعرفاً إلا إننا نجد عدم احترام خصوصية القيم وملكيتها بين الإنسان وأخيه الإنسان ويقول الله تعالى في ذلك: {لكم دينكم ولي دين}
هناك فرق بين احترام الفكر الآخر وبين الأسلوب الاتصالي المناسب لمراجعة الأفكار، ومن حسن الضيافة الذهنية بين العقول ، فالتعصب الفكري يعني البخل الفكري وعدم السماح لزيارة الآخرين لعقولنا مما قد يؤدي عند كثير من الجهلاء إلى فرض الإرهاب الاتصالي في الحوار أضف إلى ذلك عدم احترام الرأي الأخر.
ولنا في رسول الله صلى عليه وسلم أسوة حسنة عندما سأله أحد الشباب أمام الصحابة أن يأذن له بالزنا وإحداث تغيير في شريعة الله – وهو أمر عظيم – لمجرد إرضاء هواه الخاص به الممثل بحب الزنا ، وعلى عظم الأمر جوهراً وأسلوباً مع ذلك الشاب ألا أن معلم البشرية جمعاء صلى الله عليه وسلم لم يزجره ولم يعنفه بل أمره أن يدنو منه ثم طرح عليه بعض الأسئلة ليحول مجرى تفكيره من الخطأ إلى الصواب ثم يستخرج القرار الصحيح من عقل السائل دون استخدام العنف الإرشادي الذي نراه اليوم في كل مكان ، وكان الحوار كالآتي :
“أتحبه لأمك”؟
قال:لا والله، جعلني الله فداءك.
قال عليه الصلاة والسلام: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.
قال: أتحبه لأختك؟
قال: لا والله، جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم.
قال: أتحبه لعمتك؟
قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم.
قال: أتحبه لخالتك؟
قال: لا والله، جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.
فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وأحصن فرجه.
فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء (مسند الأمام احمد)
نقل الرسول صلي الله عليه وسلم الحوار إلى ذاتية السائل من دوائر إنسانية متمثلة بالأم والأخت والعمة والخالة، فكان عقله مفتوحاً للنصح، على عكس ما بدأ به من حال حواري.
إنه حوار حضاري راقٍ لم يأخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم لحظات أرضية ولكنه صلى الله عليه وسلم غير فكر الشاب من حب الزنا إلى كراهيته، فالثوابت لا تعني التعصب الفكري بالإرهاب الاتصالي وفرض الرأي قهراً على المختلفين معهم، بل تعني التوازن والثبات على المبدأ الحق مع احترام اختلاف الإدراكات العقلية عند البشر وتبادل الحب المسئول معهم والشفقة على المخطئ وليس البطش به وظلمه لمجرد أنه اختلف في الرأي معي جهلاً أو علماً، بقصد أو بغير قصد.
ولذلك كان لزاماً على المربي في المحضن الأول المنزل، والمحضن الثاني المدرسة أن يغرس في لاوعي المتربي أهمية احترام الرأي الآخر وفكره المختلف معه، ويمكن أن نلخص المبادئ التي لابد من غرسها في الطفل حتى نحميه من التعصب الفكري:
‌أ-لا خلاف على ثوابت الكتاب والسنة في الأمة.
‌ب-أهمية احترام الرأي الآخر.
‌ج-تنمية القدرة الذاتية على العمل مع من نختلف معهم.
‌د-الحب المسئول قاعدة نبوية بين أعضاء الأمة وبين الأمة والعالم “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” حديث.
‌ه-“ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” آية.
‌و-الشفقة على المخطئ وإبدال مشاعر الانتقام بمشاعر العطف على جهله ومحاولة مساعدته.
‌ز-هناك فرق بين المعلومة وبين طريقة إيصال المعلومة.
‌ح-الإيصال الفكري فن ومهارة على ساكن الأرض الذي يبتغي صناعة علاقة سليمة مع أخيه الإنسان أن يتعلمه ويتدرب عليه.
نخلص من السابق:
أن التعصب الفكري ضيق أفق وهوى ذهني يجعل المتعصب لا يري إلا فكره ويلغي أي فكر آخر على الوجود، وحضارتنا الفكرية القائمة إلـى يوم القيامة هي الضدية الأكيدة للتعصب الفكري بل هي السماحة العقليـــة والوجدانية والسلوكية التي تستوعب العالم أجمع باختلاف فكره واختــلاف معطياته واختلاف تنشئته وبيئته.
4.التعصب التربوي:
إنه تعصب بيئي لما نشأ عليه المتربي من أعراف ومباحات تمنع من التطور والمرونة مع معطيات الجيل الجديد، وهذا لا يعني أننا نسمح بالتقلب الأخلاقي تبعاً للواقع العالمي الميداني، وإنما نقول أن التوازن التربوي المطلوب ينطلق من ثوابت الدين الحق آخذاً بالاعتبار متغيرات العالم في مساحتي المستحب والمباح مع دراسة مواكبه لفقه الواقع، فحضارتنا عبر التاريخ ماثلة أمام العين تثبت المرونة الانطلاقية التي تميز بها الدين الحق حيث استقام عابر الدنيا بآليته الذاتية ومن ثم آليته السلوكية، فحقق التربية اللازمة للإنسان المتحضر الذي أنتج حضارته تبعاً لذلك، ومن المنطقي أن ندرك أن الإنسان هو الذي يصنع الحضارة وليس العكس، ومن بديهيات صناعة الحضارات تربية الإنسان الملائم للحضارة المرغوب إقامتها، ومن هذا المنطلق الفكري نقول إن الإسلام هيأ التربية الحضارية المتزنة لتابعه فكراً ووجداناً وسلوكاً الملائمة لحضارته الدائمة، ما دام قد قدم التربيــة
(أخلاق + علم) كمقدمة لتحقيق حضارته، وعلى ذلك فالتعصب التربوي الجامد الذي لا يعترف بتغييرات الواقع عائق دون التربية المتزنة الضرورية كنقطة بداية على الصراط المستقيم.
5.التعصب الهوائي:
يمثل الهوى مرضاً قلبياً ينطلق من القلب ليعشق العيش في العقل مستعمراً إياه وساعياً لحبسه في سجن الهوى، وأخذ مقاليد الحكم في مملكة العقل لإصدار قرارات هوائية في غير صالح صاحب المملكة بل في صالح أعدائه من نفس أمارة بالسوء (لا تأمر إلا بالشر) وشيطان وصديق سوء ودنيا مذمومة، علماً بأن التعصب بجميع أنواعه إنما هو مظهر آخر لغزو الهوى على العقل كمصنع حيادي متخصص في إصدار القرار الرشيد، ومن تعصب لأي نوع من أنواع التعصب كأنما ألغى عقله وسمح لمستعمر الهوى إن يصدر القرارات الهوائية الضارة به وبغيره بل سمح لأمراض القلوب بأنواعها أن تغزو قلبه كالكبر والعجب والغرور والحقد والحسد والغضب المذموم وغيرها من الأمراض القاتلة لجهاز القلب ملك الجسم.
فالتعصب الهوائي هو تعصب “للمزاج” الكلمة التي كثيراً ما نسمعها من الصغار والكبار، والتي ترشدنا ببساطة أننا أمام إنسان ضعيف قد تحكّم هواه في عقله ومن ثم في قراره، وهو عبد مملوك لا يملك الحكم في سلطان ذاته بل هو إمعة عبد مسجون لا يقدر أن يطلق عقله ليقوم بوظيفته التكليفية في الحياة من معرفة عواقب الأمور وإصدار القرارات النافعة له ولغيره.
مسكين هذا الهوائي يعتقد أنه قوي وهو في واقع أمره عبد مملوك لهواه ضعيف يعمل  لصالح أعدائه يتصرف بمنتهى الغباء مع ذاته.
 
البعد النفسي للتعصب:
يتعرض المتعصب لأي نوع من أنواع التعصب إلى اختلال نفسي بسبب عدم استقامة  فكره ومن ثم مشاعره وسلوكياته فهو قد انحرف بنوع عصبيته إلى أحد طرفي الإفراط أو التفريط وفي كلا البديلين فهو قد وقع في مصيدة البطالة الفكرية والوجدانية، ومن ثم السلوكية، بل في كثير من الأحيان ينحرف بعصبيته من أن يكون عاطلاً عن الإنتاج إلى إنسان ذي عزيمة فولاذية في إنتاج ما يضره من نوايا وأفكار وأقوال وأفعال لينقل بإنتاجه من المعدل الصفري إلى المعدل السالب، فالمتعصب مختل نفسياً بلا جدال ، حيث انحرف من الاستقامة الداخلية في ذاته وانحرف عن الاستقامة الميدانية في حياته، ويحتاج منا جميعاً إلى مساعدة سريعة ممثلة بالوجبات العلمية الصحيحة لذلك المختل حتى لا يؤثر على تركيبة المجتمع الذي يفتـرض أن تكون منسجمة ومتكاملة لأداء دورها الإنتاجي بشكله الأمثل.

البعد الاجتماعي للتعصب:
المجتمع المنتج هو من امتلك القدرة على العمل كفريق منسجم متكامل يشد بعضه بعضاً حباً مسئولاً وتناغماً في القدرات حسب مواهب كل عضو ، يتواصى الجميع للوصول للحق وللوصول للصبر اللازم لتحقيق الحق المطلوب، فيأتي التعصب بأنواعه مجتهداً ليفكك أواصر المجتمع ويدمر قدرته الذاتية على العمل كفريق متكامل في القدرات، بل يفتح الأبواب لدخول أمراض القلوب الفتاكة إلى ذوات الأعضاء ليلعب التعصب بأنواعه كمقراض يقرض العلاقات والطاقات المشتركة في مشروع الحياة الجميل، ويبدأ المتعصب غروراً وكبراً وعجباً الارتقاء إلى سلم الخواء معتقداً أنــه يرتقي بذاته فوق الجميع ليساعدهم، ولا يدري المسكين أنه وقع في مستنقع العصبية النتن محاولاً أن يجر مجتمعه إلى واقعه المرير، والطامة الكـبرى أنه يجهل واقعه ويرى المستنقع جنة محاولاً بحسن نواياه الجاهلة أن يقنـع زملاءه بذلك، ولا يدري أن العلم جاء قبل العمل كقاعدة قرآنية حياتية فـوق الأرض. قال الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}  ومن غير العلم فالإنسان ميت وهو حي’يرزق

الحلول الناجعة للخروج من دائرة التعصب:
لا يأتي التطرف كمفهوم إفراطي إلا من الجهل على جميع المستويات ولذلك كان لزاماً على المجتمع برمته أن يبحث عن الحلول علماً وتربية وسلوكاً لأعضائه.
ومن هذه الحلول الآتي:
1.نشر العلم:
العلم قاعدة انطلاق العمل عند كل الأجناس البشرية عبر الأزمان جميعها منذ الخليقة إلى أن تقوم الساعة.
ولذلك كان لزاماً على المجتمع الكيس أن ينشر العلم الصحيح للمنتمين إليه، فالجهل أكبر عدو يواجه الإنسان في حياته حتى مع توفر النوايا الطيبة، فالمنحرفون فكرياً في العالم تعصباً أكثرهم امتلكوا حسن النوايا لذويهم، ولكن جهلهم سحب طاقاتهم وطاقات من اتبعوهم إلى درك الهاوية، ومن المهم في بلدنا الحبيب بل من واجبانا نحو شباب المستقبل أن نعلمهم ما جهلوا في الزمن العمري الصحيح للطالب قبل أن يتعرض إلى الانحرافات الفكرية في الخارج.
ومن المهم أن نوصّل للشباب الأسئلة التالية:
‌أ-ما هي مهمتك في الحياة ؟
‌ب-ما هو هدفك من الحياة ؟
‌ج-كيف تحقق هدفك ؟
‌د-أين موقعك من هدفك ؟
‌ه-ما هي وجهتك الآنية ؟
فإذا أيقن المتعلم أنه في مشروع حياة فوق الأرض مهمته فيها أن يعمر ذاته ويعمر العالم بنشر الخير أينما حل وأينما ارتحل، وإذا علم أن هدفه من الحياة هو تحقيق رضا الله تعالى والفوز بالجنة، ولا سبيل لذلك إلا بالاستقامة على الصراط المستقيم متزناً بين جناحي الإفراط والتفريط وأن التعصب بأنواعه هو سبب الاختلال عن الصراط الموصل إلى هدفه، وإذا أدرك أن موقعه الآني من هدفه يكون بتقييم خطواته المتزنة على الصراط، وإذا تيقن أن وجهته هي رضا الله تعالى من أول الطريق إلى آخره . نعم إذا علم ذلك كله، عرف أن الاتزان هو الكيفية التي توصله إلى مراده بإذن الله تعالى، وعرف أيضاً أن التعصب هو الداء الفتاك الذي يزلزل أقدامه  عن الصراط المستقيم.
وهذا العلم المطلوب عن مفهوم الوسطية كفكر أساسي لمريد الالتزام على الخط المستقيم لابد أن نغرسه في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع وفي العمل وفي كل مكان ليصبح عرفاً اجتماعياً يمارسه العامل سجية بعد أن أدرك أنه واجب محض وفرض على مريد النجاح أن يحققه.
2.أهمية الحوار كمهارة اتصالية :
هناك فرق بين المعلومة وطريقة إيصالها كالفرق بين السيارة وقائد السيارة، وكما يحتاج قائد السيارة لمهارة القيادة، يحتاج المحاور إلى فن قيادة المعلومة إلى عقل مستقبلها، ومن المعاينة لواقعنا نجد في أحسن الأحوال
مع وجود العلم الصحيح والنوايا الجميلة الافتقار إلى فن الإيصال الفكري بين الناس وخصوصاً المتحابين منهم، فنحن غالباً ما نختلف مع أحبائنا، نمارس معهم إرهاباً اتصالياً بالقسر والجبر، وبممارسة سلطاتنا معهم، وأولها سلطة الوالدين مع الأولاد، وسلطة المعلم مع الطلبة ، والرشيد من فرق بين المعلومة وطريقة نقلها مؤمناً:
أننا لا نملك عقول الآخرين ولكن نملك فقط الطرق على باب العقول وبلياقة تناسب صاحب الدار ولذلك كان لزاماً على كل إنسان يريد أن يمارس دوره الحضاري فوق الأرض وأن يتعلم مهارة الاتصال الفكري مراعياً فنون الحوار التي منها:
‌أ-أننا لا نملك عقول الآخرين.
‌ب-هناك مسافة بين عقلي وعقل مستمعي.
‌ج-لكل عقل باب مفتوح وباب مغلق، ومن الكياسة الدخول إلى عقل مستمعي من بابه المفتوح.
‌د-مراعاة زاوية التفكير الأخرى.
‌ه-احترام الرأي المخالف وعدم التحقير.
‌و-ممارسة الحب المسئول مع محاوري.
‌ز-الشفقة على المخطئ في حال الفشل في إصلاحه.
‌ح-محاولة البحث عن مساحات مشتركة للاتفاق.
‌ط-ما هو نصيبي من الخطأ في حواري مع مستمعي.
نخلص من أهمية الحوار أنه لزام علينا أن نتعلم فن الحوار والكلام وبالتخصيص في بيوتنا مع أزواجنا وأبنائنا وبالتخصيص في المدرسة مع أولادنا شباب الغد بمشيئة الله تعالى وصناع المستقبل وكتّاب التاريخ.

3.استخدام أحدث الوسائل في نشر العلم:
كان العلم في السابق يتمركز في زوايا معينة في المجتمع حسب خصوصية كل عصر، فمن المسجد إلى الكتاب إلى المدرسة إلى الجامعة إلى غيره من المرافق العلمية التي تجذب طلاب العلم إليها دون فرض أو قسر، أما الآن أصبح العلم بأنواعه (نافعاً كان أو ضاراً) يفرض فرضاً على الناس عن طريق وسائل جديدة مستحدثة بدءاً من القرن الماضي ممثلة بالجريدة والإذاعة والتلفاز والحاسوب الآلي بمشتقاته إلى الهاتف النقال وما يملك من قدرة على إرسال واستقبال الرسائل إلى الإعلانات (تجارية كانت أم تربوية) في الشوارع إلى غيرها من الوسائل الإرسالية.
فإذا اقتنعنا أن العلم فريضة قبل العمل علينا أن نحترم ما وصل إليه عصرنا الزمني من تقنيات عجيبة وجديدة لنشر العلم، وإلا أصبح عقل الشباب المقصود تعليمه أعرج الفكر يأخذ من عندنا جزئية من العلم من بعض المرافق، ويأخذ من مرافق أخرى علماً مضاداً في الأساس والمبادئ عما أخذه في بيته ومدرسته، وهذا في أحسن الأحوال لو افترضنا أن محضنه الأول متعلم ومحضنه الثاني يملك أصول التربية والتعليم.

بيت القصيد إذا أردنا أن ننشر العلم لابد لنا من مراعاة مصادر نشر العلم الحالية التي تحيط بالشباب في عصره الحالي، ونعمل جاهدين على تكامل المعلومة في عقله من جميع المصادر التي ترسل إليه العلم، ونخطط في إرسال المعلومات في شكل تكاملي منسجم بحيث ينضج عقل الشباب وهو يتغذى على وجبات صحية من العلم تكمل بعضها البعض في:
نظام صحي لفكر الشاب
 
الخلاصة:
أولادنا أمانة في رقابنا وعلى كل فرد أن يدلو بدلوه بنية ودعاء وبذل للأسباب في شكل تكاملي مدروس لنعين شبابنا – بعد عون الله تعالي – ليستقيموا في عقولهم وقلوبهم وسلوكهم على الصراط المستقيم تحقيقاً لهدف إرضاء الله تعالى والنجاح بالدارين بمشيئة الله تعالى، مدركين أن فن الحوار مهارة من الواجب تعلمها حتى نستطيع أن ننقل ما نريد لمن نريد.
إن أحسنت فمن الله وإن أسأت فمن نفسي .
عزيزي القارئ لا تنسانا من نصحكم ودعائكم لنا ولكل من أراد خدمة الدين، مؤمنين أن العقل الجماعي أفضل من العقل الفردي.
سبحانك اللهم بحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

-- أ/ نسيبه عبد العزيز العلي المطوع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*