الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » بعض معالم الفكر التكفيري

بعض معالم الفكر التكفيري

الحمد لله وبعد : عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال :” هذا سبيل الله مستقيماً “، ثم خط عن يمينه وشماله ثم قال :” هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه”. ثم قرأ { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. قال ابن عطية : تعمُّ هذه السبل أهل الأهواء والبدع والشذوذ . فمن السبل والبدع والشذوذ الذي ابتلي به المسلمون قديماً وحديثاً ظهور فئة من الناس أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :” سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة “. هؤلاء لديهم انحراف عن منهج الصحيح وغبش في العقيدة وسطحية في التفكير وخلل في تقدير المصالح والمفاسد وعشوائية في التصرفات ، لا علم لهم بفقه الكتاب والسنة ، جرأتهم شديدة على كتاب الله وجنايتهم عظيمة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، يتمسكون بألفاظ أخذ بظواهرها يظنوها ديناً مقدساً لا يجب أن يحيدوا عنه بل ويدافعوا عنه بحماس يصل إلى حد التهور . يكفِّرون مجتمعات المسلمين دون النظر إلى الشروط والموانع ، أي الشروط التي لابد من توفرها ليكون فاعل المكفِّر كافراً، والموانع إن وجدت انتفى القول بالكفر. ولقد كان من آثار هذا القول أن جعلوا ديار الإسلام المعاصرة ديار حرب تستباح فيها الأموال والنساء، ولا تجوز فيها الجمعة ولا الجماعة، ولا حرمة فيها إلا لمن عرفوا معتقده على الحقيقة، واستبان أمره ظاهراً وباطناً. وظن هؤلاء أنهم وحدهم أو من يذهب مذهبهم أنهم هم أهل الإيمان والإسلام ، ورأوا أن كل خارج عنهم خارج عن الإسلام يستباح ماله وعرضه إذا قدروا على ذلك. وكان من آثار هذه العقيدة أيضاً أن نفوا باب الاضطرار في الشريعة، وجعلوا الجاهل في التكليف كالعالم، والمتأول كالمعاند، ونفوا المصالح الشرعية جملة وتفصيلاً، وجعلوا الشريعة الإسلامية بلا حكمة ولا عقل. وكان من آثار هذا : القول بحرمة التعامل مع المجتمع، ووجوب العزلة عنه، والبدء في الدعوة إلى الإسلام من جديد كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الجاهلية الأولى . ويمكن إجمال أهم سماتهم في كل العصور بالآتي: 1 ــ أنهم قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام قليلي الفقه والتدين لم يتربوا على أيدي أهل العلم والفقه والقدوة. 2ــ أن أغلبهم ممن فيهم عاطفة دينية وغيرة بلا علم ولا ثقة ولا بصيرة، ولا تجربة ولا اعتبار عندهم لأهل العلم والبصيرة والتجربة. 3 ــ ولهذا السبب استغوتهم فئة رؤساء الضلال من مثيري الفتنة ودعاة الفرقة لأنهم مهيئون لذلك. 4ــ أنهم يأخذون بالمتشابه من النصوص موهمين الناشئة أن هذا هو المراد، ولا يرجعون لفقه الأئمة، وإن نسبوا للأئمة قولاً، بتروا آخره ليتحقق لهم المراد، ومن يستقرئ التاريخ وأقـوال أهل البدع، يراهم دائما وأبداً على هذه الوتيرة : الاعتماد على التشابه والتلبيس به على العامة، وهذه صفة من في قلبه زيغ كما وصمهم بذلك الكتاب . كما أن التكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة . فهم يكفرون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها ، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل ، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل . أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك ، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فِكْرَهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم . أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم ، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين . ــ ويرون أن العصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري كلها عصور كفر وجاهلية لزعمهم أنها تقدس صنم التقليد المعبود من دون الله تعالى . فعلى المسلم أن يعرف الأحكام بأدلتها ولا يجوز لديهم التقليد في أي أمر من أمور الدين . ويرون أن قول الصحابي وفعله ليس بحجة عندهم ولو كان من الخلفاء الراشدين . ــ قالوا بحجية الكتاب والسنة فقط ولكن كغيرهم من أصحاب البدع الذين اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه فما وافق أقوالهم من السنة قبلوه وما خالفها تحايلوا في رده أو رد دلالته . ــ منهم من يدعوا إلى الأمية بتأويل خاطئ لحديث ( نحن أمة أمية ) فدعوا إلى ترك الكليات ومنع الانتساب للجامعات والمعاهد إسلامية أو غير إسلامية لأنها مؤسسات الطاغوت وتدخل ضمن مساجد الضرار . وزعموا أن الدعوة لمحو الأمية دعوة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام ، فما العلم إلا ما يتلقونه في حلقاتهم الخاصة . ــ منهم من قالوا بترك صلاة الجمعة والجماعة بالمساجد لأن المساجد كلها ضرار وأئمتها كفار . وأخطر ما ظهر من آثار هؤلاء ظهور الفتن الدموية التي تستباح فيها دماء كثير من المسلمين الغافلين. فقد قتلوا عبر التاريخ من المسلمين ما لا يُحصيه إلاّ الله سبحانه وتعالى، وصرفوا الخلافة عن قتال أعداء الله واضطروا المسلمين إلى دفع شرورهم والتصدّي لهم وأشغلوهم عن الدعوة إلى الله سبحانه . هذا حال هؤلاء قديماً يقتلون أبناء الأمة ويستنفذون طاقاتها، ويضيّعون جهودها بإخماد نار فتنتهم بتجييش الجيوش لمحاربتهم واستنفاذ وقت العلماء بالردود عليهم وبيان ضلالاتهم. وأمّا حديثاً ففي هدر طاقات الشباب المسلم وتمزيق شملهم وإزهاق الأرواح البريئة وإتلاف الأموال المعصومة وترويع الآمنين والإخلال بالأمن . وكذلك تشويه صورة الإسلام : فصار من يحمل هذا الفكر الخطير يشكل عقبة كؤوداً في طريق الدعاة وطلبة العلم وكل من عمل لنشر هذا الدين . حيث جعل منه المتربصون من العلمانيين وغيرهم لهذه الدعوة ورقة يلوحون بها في وجه أي مدٍَ إسلامي ، كما جعلوا منه مادة إعلامية تستغل في تشويه وجه الدعوة الإسلامية والتشهير بدعاتها والعاملين لها في مكر ودهاء حتى تصاب الدعوة الإسلامية بالشلل . ومن خطر هؤلاء : تنفير ضعاف الإيمان وصد غير المسلمين عن هذه الدعوة لما يحملونه من عنف ودموية . إنّهم غلاة متفيقهون ضالّون في التصوّر والاعتقاد والسلوك . ولذا يجب الحذر من المسير خلف هؤلاء وعدم الوقوع في الغلوّ والتنطع الذي أهلك الأمم قبلنا ولا زال سبب هلاك من تنطع من هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم :” هلك المتنطعون “. فإنّ التنطع من سماتهم الأساسيّة وسلوكهم الذي كان سبب زوالهم ودمارهم في السابق ولم يبقَ منهم إلاّ أخبارهم السوداء التي سوّدوا فيها تاريخ هذه الأمة المشرق. العلاج يكمن في أمورمنها: ــ الاعتصام بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } . وقال صلى الله عليه وسلم :” تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي “. رواه أبو داود وهو صحيح . ــ ومنها: نشر العقيدة الصحيحة التي جاء بها القرآن، ونطقت بها السنة، والتزمها أصحاب النبي رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وهي وسط بين الغالي والجافي في سائر أبواب الدين . ــ تعلم العلم الشرعي الصحيح المبني على الدليل البعيد عن الغلو والتطرف، والبعيد أيضاً عن التفريط والتذويب، لئلا تتحول الساحة إلى ردود أفعال جدلية لا تنتهي. فنشر العلم الشرعي من عقيدة، وحديث، وتفسير، وأصول، وفقه، وآلتها من اللغة ، والنحو، والصرف، والبلاغة، وغيرها، وإيجاد المحاضن الملائمة لذلك من أهم وسائل العلاج. ــ ومن العلاج تلقي هذا العلم من العلماء الراسخين المعروفين بصحة المنهج وسلامة المعتقد . ــ ومن ذلك ربط هذا العلم بالواقع ربطاً وثيقاً؛ ليظل الفقه الصحيح ممسكاً بزمام المبادرة، وليس مجرد تابع للواقع، وهذه مسألة حساسة.فهناك من يذوب ويتماهى في الأوضاع الواقعية.وهناك من ينعزل عن الواقع، ويكتفي بالتنظير اللفظي، ويترك أخطر ما في المسألة، وهو تطبيق الأحكام على محلها للعامة الذين لا يفقهون . ــ ومن العلاج : ضرورة التفات الدعاة إلى الرد على الأفكار المنحرفة سواء كانت تكفيرية أو كانت غلواً في أي جانب آخر، وتعريتها، وكشف زيف حججها.  والحمد لله رب العالمين

________________________________________

المصدر: http://www.saadalbreik.com/saad/index.php?t=content&tid=40&cid=76

-- الشيخ د. سعد البريك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*