الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » دور مدير المدرسة في تحقيق الأمن الفكري

دور مدير المدرسة في تحقيق الأمن الفكري

* ـ تعريف الأمن :
* الأمن بتسكين الميم وفتحها وكسرها : هو الاطمئنان ، وهو ضد الخوف . يقال : اطمأن الرجل أي : أمن ولم يخف . وأمُن يأمُن أمانة : ضد خان . واستأمن طلب الأمن أو دخل في الأمان ، والآمن ضد الخائف .
* وعليه فإن الأمن هو اطمئنان الإنسان على دينه ونفسه وعقله وأهله وماله وسائر حقوقه ، وعدم خوفه في الحاضر أو المستقبل وفق توجيه الإسلام وهدي الوحي ومراعاة الأخلاق والأعراف والمواثيق .
* وبما أن الأمن يشمل جميع تلك المجالات فإن الأمن الفكري يهتم بأمن الإنسان على أفكاره ومعتقداته ، وآرائه .
* ومهمة الأمن الفكري تتلخص بتوفير السلامة والطمأنينة للجميع ضد كل الاتجاهات ذات الطوابع الفكرية وغير الفكرية التي من شأنها تقويض البناء الفكري القويم وإحلال أفكار ومفاهيم بديلة هزيلة ذات منطلقات شيطانية لا إنسانية من شأنها أن تؤدي بشكل أو بآخر إلى الانهيار الفكري والانحلال الخلقي لبعض أفراد الأمة محولة إياهم إلى صفوف الرعاع يساقون في مهب الريح وأدراجه بكل يسر وسهولة ” .
* وعليه فإن رجال الأمن الفكري يعملون جاهدين للمحافظة على عقل سليم قويم يملك القدرة على وزن الأمور بموازين النقد والتمييز والفرز والتمحيص وانطلاقا من ذلك تحتم المصلحة العامة إعطاء الأمن الفكري أهمية وأولوية خاصة نظرا لحساسية ذلك الجانب وخطورته بحكم أخذه دورا قيادياً مميزاً بين كل الجوانب الأمنية الأخرى وتربعه على قمة الهرم الأمني .

* ـ وسائل تحقيق الأمن الفكري :
* أولا : تقوية الوازع الديني في النفوس والعودة الصادقة للإسلام :
وذلك يكون بتقوية الإيمان ، وإذكاء جذوته ، وربط المسلم فكرياً وعقائدياً وسلوكياً ، بالإسلام لأن الإسلام هو الحل العريض ، والعودة لكتاب الله وسنته هما السبيل للنجاة الأمة وعدم ضلالتها … قال الله تعالى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) (الأنعام : 82) .
والإسلام ما أن يتملك العقول والقلوب إلا ويصعب لا بل يستحيل نزعه من الصدور لأنه الثوب الكوني الخالد الذي يلامس شغاف قلب الإنسان ملامسة وجدانية حقيقية تملأ عليه دنياه بالخير والمسرات وتحقق بالسعادة مسعاه وتتوج بالنجاة منتهاه ” ومتى ما قوي الإيمان ، ورسخ الإسلام في العقول ، منهجاً وتفكيراً وسلوكاً ، فقد تحقق أمن المسلم على فكره من زيغ التيارات المنحرفة ، ومتاهات الرؤى المظلمة .

* ثانيا : التربية بشتى صورها في المدرسة والمسجد والمجتمع :
يقول السديس في خطبة الجمعة 1425هـ : ” ليس بغني عن التذكير أهمية العلم الصحيح في الحفاظ على أمن الأمة الفكري ، مع تذكير إخواننا المدرسين وأخواتنا المدرسات بأهمية الرسالة الملقاة على عواتقهم في تربية فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد ، والحفاظ على أمنهم الفكري ، ومعالجة الانحرافات الفكرية ، والملوثات الأخلاقية التي قد توجد لدى بعضهن .فالمساجد والبيوت ، والمدارس ووسائل الإعلام كلها قنوات ينبغي أن تكون قلاع أمن فكري ، وحصون أمان توعوي تتعاون أمام قوة رسالتها وعظيم تأثيرها سهام الخلل الفكري .
* في التعليم : الواجب أن تكون لنا منهجيتنا الخاصة بنا والتي تفرضها مقوماتنا وتقتضيها متطلباتنا وأن تكون مسيرتنا متأنية لا متعجلة ، تبنى من خلالها الركائز الأساسية بناءً قوياً يمكنها من الانطلاقة المثيرة ذات القفزات الوفيرة .
ويرى الدويش ( 1425 ، جمادى الأولى ، مجلة البيان ،عدد 189 ، ص : 60 ) : بضرورة ربط التعليم بهوية الأمة فيقول : ” التعليم يمثل هوية وثقافة الأمة ، وهو يسعى إلى تقرير هذه الهوية ، وتربية الأجيال الجديدة عليها ، ولئن كان هذا الأمر مهماً في أي عصر فهو أكثر أهمية في عصرنا ؛ حيث تعرض هوية الأمة وثقافتها لكثير من الاهتزازات ، وتضيق الدائرة التي يسهم التعليم في بنائها لدى الجيل لصالح مؤثرات أخرى . ومن هنا ؛ فالحاجة ملحة لمزيد من ارتباط التعليم بهوية الأمة ، وإشعار الأمة بخطورة هذا الأمر ، وأن التعليم أهم مواطن السيادة لدى المجتمعات الواعية بهويتها .
* في المناهج : هناك مجموعة من الاقتراحات حول مناهج التعليم بمراحله الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية نلخصها فيما يلي :
• في التعليم الابتدائي : اقتصار التعليم على مناهج تتضمن تعليم اللغة العربية تعليماً ميسراً، وأن تركز المناهج على الجانب التربوي باعتبار أن المرحلة مرحلة غرس للقيم والأخلاق الفاضلة ، وضرورة مخاطبة الوجدان والعاطفة لطفل هذه المرحلة ، استخدام أساليب الجذب والتشويق لتعليم طالب هذه المرحلة ، ربطه بالكون الخارجي كي يتأمل وبتدبر خلق الله وعظمته من خلال مواد العلوم والجغرافيا وغيرها ، وتربته اجتماعيا وأخلاقيا ودينيا من خلال مواد التربية الإسلامية ، وكيفية التعامل مع الآخرين في البيت والمدرسة والمسجد والشارع وحفظ حقوق الآخرين واحترامهم ، وكذا الاهتمام بالجانب الرياضي حتى يكون قويا في جسده وصحته العامة ، وهكذا يجب أن تهتم مناهج التعليم بالتربية الشاملة الكاملة عقلياً ووجدانياً وانفعالياً ونفسياً وخلقياً وفكرياً وجسدياً .
• في التعليم المتوسط : يجب أن تحاول المناهج تأصيل مفاهيم الإسلام الصافية في قلب وعقل طالب المرحلة المتوسطة ، وترسيخ القناعات الإيمانية والإسلامية حتى لا تؤثر فيها حاضرا أو مستقبلا لا الأهواء ولا الشهوات ولا أشد وأعنى التيارات والاتجاهات الحاقدة . وكذلك الاهتمام بتربيته في الجوانب العلمية والتربوية واللغوية والبدنية ، ليتكون فكر إسلامي أصيل ، لا ينجرف وراء تيارات الزيغ والانحراف .. وذلك لأهمية وخطورة هذه المرحلة من مراحل النمو للشباب المسلم .
• في التعليم الثانوي : مراعاة مخاطبة العقل والوجدان في آن واحد ، وتوضيح الأخطار المحدقة بالإسلام وأن البعد عنه طريق الجهل والظلام ، والاستمرار في تعميق تدريس اللغة العربية مع التركيز على جمالياتها وسحر بيانها وعذوبة ألفاظها ، والتركيز على المعرفة الواسعة لعالمه الإسلامي وتاريخه العريق المشرف . والتركيز المستمر على التربية الإسلامية وإدخال الجانب الاجتماعي لإعداده لمواجهة الحياة ، مع ضرورة الاستمرار في المجالات الأخرى العلمية واللغوية والتقنية والرياضية والفنية ، وإعداده لما بعد هذه المرحلة وهي المرحلة الجامعية أو الوظيفية أو الحياتية .
يقول الدويش ( 1425 ، جمادى الأولى ، مجلة البيان ، عدد 189 ، ص : 60 ) الاعتناء بالجوانب الأخرى من المنهج : المنهج ليس قاصراً على تلك الأوراق التي يدرسها الطالب ؛ فمن لاهتمامات المعاصرة في التربية على سبيل المثال ما يسمى ( المنهج الخفي ) ، ويعنى به : كل ما يمكن تعلمه في المدرسة من تعلم غير مقصود وغير موجود في المنهج الرسمي ويمكن استنباط المنهج الخفي من القوانين واللوائح الداخلية والقواعد والتنظيمات العامة الموجودة في المدرسة ومن العلاقات العامة الموجودة داخل المدرسة كعلاقة المدير بالمعلمين ، وعلاقته بالطلاب ، وعلاقة كل فئة بالأخرى ومن خلفيات هذه الفئات المختلفة الطبقية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، ومن طبيعة بنيان المدرسة والأثاث المستخدم للطلاب والعاملين ، وطبيعة المنافع والمرافق العامة ، ومن شكل المعرفة المدرسية وليس مضمونها .
* المعلم : يعتبر المعلم هو الركيزة الأولى في عملية التربية والتعليم وتنشئة الأبناء تنشئة إما أن تحقق الأهداف التربوية والسياسية والاقتصادية ، وإما أن تخفق في هذا الإعداد فيكون المخرج النهائي مواطناً ضعيفاً لا يعتز بدينه ولا يصمد أمام التحديات والمواجهات الفكرية المحدقة به .. يقول الدويش ( 1425 ،جمادى الأولى ، مجلة البيان ،عدد 189 ، ص : 60 ) ” يبقى للمعلمين والمعلمات أثر قد يؤدي إلى تهميش تأثير المنهج أو تطوير أثره . ومن هنا لا بد من الاعتناء بدور المعلمين والمعلمات بكافة تخصصاتهم .إننا نملك في مدارسنا فئة غير قليلة من المعلمين والمعلمات يملكون الغيرة على مجتمعات المسلمين ولديهم الرغبة في الإسهام والإصلاح . إلا أن التحديات القادمة تتطلب الارتقاء بخبراتهم وأدائهم حتى يمتلكوا قدرة أكبر على توظيف المنهج توظيفاً إيجابياً في تحقيق هوية الأمة
المسجد : يقول الدويش ( 1425 ، جمادى الأولى ، مجلة البيان ،عدد 189 ، ص : 60 ) : والأمر لا يقف عند حدود المدارس بل سيمتد إلى المساجد ، وهذا ما يتوقعه أحد المهتمين بقوله : « كذلك تشير التوقعات – بناء على ما يصدر عن المصادر الغربية – إلى أن التأثير لن يقتصر على التعليم بشقيه الديني والمدني ، بل سيتجاوزه أيضاً إلى المساجد ، سواء عبر ما يُلقى فيها من خطب ودروس دينية ؛بحيث تتجنب هذه الخطب الدروس ما يُوصف بأنه إثارة للكراهية وعدم قبول الآخر ، وأن تشيع بدورها ما يوصف بثقافة السلام « . ويتوجب السمو بمكانة المساجد لأنها بيوت الله عز وجل المنتشرة في كل الآفاق الإسلامية ، السمو بها كما أراد الخالق لها ، ولا بد من تفعيل العمل الإسلامي من خلال المسجد وإبراز دور إيجابي جاد له يؤثر في حياة الفرد المسلم وبالتالي يؤدي رسالته المأمولة منه حق الأداء . ويجب إعادة تأهيل أئمة المساجد والخطباء إعدادا وتأهيلا يتناسب مع مهام المسجد ودوره الأساسي في حياة المسلم .
* وسائل الإعلام : ويجب أن يكون الإعلام مواجهاً لمخاطبة الفكر الصحيح المتوازن بوسطية ومنهجية إسلامية بعيداً عن الغلو والتطرف وبعيداً عن سفاسف الأمور ، مخاطبة تسمو بالفرد إلى الفضيلة وتبعده عن الرذيلة ، وتفتح له آفاق المعرفة ، ومنابر العلم ، بصدق في المحتوى وصدق في المنهج وسلامة في الفكر والمعتقد .

* ثالثا : إشاعة ثقافة الحوار تقبل الرأي الآخر :
* الحوار في اللغة : أصله من الحور [ بفتح الحاء وسكون الواو ] وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء . والمحاورة : مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة وهم يتحاورون أي : يتراجعون الكلام ، والمحاورة : المجاوبة ، والتحاور : التجاوب .
* الحوار في الاصطلاح : الحوار يدل على التفاهم والتفاوض والتجانس ويوصل إلى الحق والصواب وهو : ” نوع من الحديث بين شخصين ، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة ما ، فلا يستأثر به أحدهم دون الآخر ، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب
وهو : ” الأسلوب الفطري لبلوغ العقل واستقراره ، وهو رد فعل النفس بالتي هي أحسن على ما تقابله من قضايا ومشاكل ” .
* ويعرف كذلك بأنه : ” فن تبادل الحديث بين طرفين أو أكثر أصدقاء أو زملاء عمل أو رؤساء ومرؤوسين ، يؤدي إلى تقبل الرأي الآخر واحترامه من أجل الوصول إلى الحقيقة التي ترضي الجميع ” .
* أهمية الحوار :
هناك مقولة تقول : ” إذا اتفق اثنان في كل شيء .. فلا حاجة لواحد منهما ” وهذا يدل على أننا مختلفون ، مختلفون في كل شيء ، في إدراكنا للأشياء ، وفي الأهداف التي نسعى إليها ، والوسائل التي توصلنا إلى هذه الأهداف ، عقولنا مختلفة ، ومشاربنا مختلفة ، وثقافتنا مختلفة ، وطباعنا مختلفة .
وهذا الاختلاف مشيئة الله في خلقه قال تعالى : ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ” ( هود ) .
وهؤلاء المختلفون بطبيعة الحال لكل منهم رؤيته ، ورسالته ، وطريقته في التعبير عن هذه الرسالة .. ولحكمة يعلمها الله عز وجل جعل هذا الكون مختلفا على هذا النسق ، وجعل من يعيشون في هذه الكون يتسقون مع طباعه ، ومن ثم أضحى كل فرد نسيجا وحده .. قال تعالى : ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) ( المائدة : 48 ) .
ومن ثم فإن الاختلاف في وجهات النظر والأشياء والحكم عليها أمر فطري طبيعي له علاقة بالفروق الفردية إلى حد بعيد ، إذ يستحيل بناء الحياة شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس أصحاب القدرات الواحدة والنمطية الواحدة .
ويقول عبد الجواد [ 1426 هـ : ص19 ] : ” لأننا مختلفون … إذا وجب الحوار ” ويرى الحارث ( مجلة المعرفة ، 1424هـ ، شعبان ، العدد 101 ، ص : 33 ) أن ثقافة الحوار ثقافة قصدية لا غبار عليها مطلوبة من الجميع وعلى مختلف الفئات العمرية أو الثقافية أو الاجتماعية ، ومن جهة أخرى فإن الكثير من دعاة العنف والتطرف والتزمت يفتقدون في الحقيقة منهجية الحوار ، بما يؤدي إلى التشكيك بمنطلقاتهم الفكرية وضعف ولائهم وانتمائهم لأوطانهم مما يدفعهم إلى الانضواء تحت تحت مظلة العمل السري والسلوك القمعي ، وذلك لعدم قدرتهم على طرح البدائل الصحيحة والمقبولة ” .. ويمضي يقول : ” إن نقد هذا الفكر من خلال الحوار المؤثر والناجح يزيل الغموض واللبس ، وبالتالي فإن من يقدم على اعتناقه يكون على وضوح وبينة ، ومن يحاربه يكون أيضا على وضوح وبينة ، وهنا نجعل من الشباب المتحمس وراء الفكر الطائش والمتطرف ، سباقين إلى مناقشة هذا الفكر وتحدياته ، وذلك بعد أن يتم تسليط الضوء عليه وكشف حقيقته ، بشفافية ومصداقية وقدرة فائقة على المحاورة والمناقشة ” .
* الحوار المؤثر :
الحوار بشتى صوره لا بد وأن يكون مع الآخر ، وهذا الآخر قد يكون فرد أو جماعة أو أمة أو حضارة أو ثقافة أو فكر ، وقد يكون بين الأب وابنه ، أو المدرس والطالب ، أو الطالب والطالب ، أو بين المسؤول في المدرسة وبين الأب ، .. إنه الفتح العقلي والوجداني الذي لو أحسنا صياغته فلا خوف فيه ولا وجل لأنه يبقى محاطاً بالاحترام والحب والتقدير بين جميع الأطراف .
* يمكن استخلاص مزايا الحوار المؤثر في في النقاط التالية :
1- أن يكون جريئاً وشجاعاً .
2- التسامح والمحبة .
3- الحكمة .
4- التوازن
5- الصراحة .
6- قبول الرأي الآخر وعدم الإقصاء .

* رابعاً : ثقافة التسامح :
يقول المقالح ( 1426 ، ربيع الآخر ، مجلة المعرفة ، العدد 121 ) : من البديهي القول : إنه لا يمكننا أن نمارس فعل الحياة على أكمل وجه في غياب فضيلة التسامح، هذا المبدأ الذي يستحيل أن تظهر معالمه لدى الأمم إلا إذا ما ارتقى أبناؤها أخلاقيًا وعلميًا. كان التسامح بالنسبة للأمة العربية والإسلامية في مراحل ازدهارهما سمة وسجية، ثم أصبح – بعد أن تدهورت الأوضاع، وتراجعت ثقة العربي بنفسه – كلمة قاموسية ناصعة البياض، لا تستخدمها سوى قلة قليلة من البشر أصحاب القلوب الكبيرة، وممن أفاض الله عليهم من رحمته طاقات من الصبر على المكاره، واحتمال الأذى، والقدرة على مواجهة السيئة بالحسنة ” .
من هنا نجد أن التسامح سجية إسلامية ، وقيمة ربانية ، وهدي نبوي كريم ، في كثير من الآيات القرآنية دعوة للتسامح ونبذ الخلاف والكراهية والحقد ، قال تعالى : ” وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ” ( فصلت : 34 – 35 ) في هاتين الآيتين تظهر عظمة الإسلام عظمة التسامح ، وسمو المبدأ ، وقدسية التوجه ، ومن هنا يظهر لكل منصف ، ولكل عادل أن الإسلام دين تسامح وتعاطف وتراحم ، وروعة التسامح تظهر في أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ، ففي فتح مكة ، عفا عن المشركين وسامحهم وتسامح معهم عندما أطلق سراحهم بعد أن تمكن منهم رغم ما قد واجهه من عنف وقسوة وظلم واضطهاد . ولعل أخطر مشكلاتنا نحن العرب، بل نحن المسلمين، بل نحن البشر، في هذه اللحظة من تاريخ الوجود الإنساني على وجه هذه الأرض، أننا صرنا نميل إلى التعصب، وبدأت أفعال بعضنا تتسم بالتطرف، ورفض الآخر حتى لو كان أخانا أو جارنا، أو زميلنا فضلاً عن ذلك الآخر البعيد والمختلف، وهي حالة قادمة إلينا من السياسة، وليس من العقيدة. وما أروع أن نتواصل مع قرآننا، وأن نداوم على قراءة آيات التسامح، وأن نطيل التأمل في معناها وأن نجعلها تترسب في أعماق الوجدان لكي تتحول إلى مواقف، وإلى فعل يمنع التصرفات المنافية لإنسانية الإنسان وللسلوك البشري الرفيع ” .
من خلال هذا المقطع من مقالة المقالح يظهر لنا : أن التسامح أسلوب من أساليب تحقيق الأمن الفكري ، ذلك أن التسامح فضيلة ونبل يجب أن يتحلى به كل مسلم ، لكن بشرط ألا يكون هذا التسامح على حساب الثوابت والمعتقدات الإسلامية ، فلا يصح أن نكون متسامحين مع الآخر وهو يهدف لتغيير هويتنا الثقافية أو تغيير معتقداتنا أو الإساءة لديننا وقيمنا ومبادئنا .
ويقول بكار ( 1426 ، ربيع الآخر ، مجلة المعرفة ، العدد 121 ) : ” لا نستطيع أن نتعلم (التسامح) من خلال قراءة كتاب أو سماع محاضرة .
كما أن التسامح لا يشكل مجموعة مواد نضعها في مقدمة دستور ونحاول التقيد بها. إنه شيء أكبر من ذلك وأعمق. إن التسامح شيء يسري في أعماق نظم التفكير والتعبير السوي، وشيء نتعلمه بطريقة لا واعية من خلال العيش في بيئة ثقافية تنظر باحترام وتقدير إلى الظروف الصعبة التي يمر بها الآخرون، كما تأخذ بين الاعتبار طبيعة المشكلات التي تخترق نظم التواصل الاجتماعي ونظم إدراك الأشياء والتعبير عن الذات والحقوق والرغبات .. ومن هنا فإن التحدي الذي يواجهنا هو النجاح في تأسيس تقاليد ثقافية تجعل من التسامح أسلوب حياة ” .
وتعليقاً على ما قاله (بكار) فإن التسامح خلق كريم ، لا يكتسب بالمعرفة ، ولا يتزايد بالتدريب ، بل هو سجية في النفس ، وفضيلة في التفكير ، وفي التربية والتعليم يمكن خلق جو من التسامح المستمر بين الطالب والمعلم ، وبين الطالب والطالب ، فكثيراً ما تحدث مشاكل سلوكية عدوانية بين الطلاب ، فيعمدون إلى المدير أو المعلم من باب أخذ الحق ، نستطيع هنا في هذه اللحظة أن نخلق جواً من التسامح يثمر نتائجه في نفس الطفل ، وأجمل صور التسامح ما كان من مصدر قوة وعزة ، فالتسامح من الموقع الأقل هو ضعف ، والضعف يعني الخنوع والذل .
* ـ آداب وأخلاق تساعد على خلق جو من التسامح :
1- تحريم الغيبة والنميمة وشهادة الزور .
2- إشاعة التحابب والتوادد بين الناس .
3- الإرشاد إلى التيسير والتبشير والابتعاد عن التنفير والعسير .
4- الحث على كظم الغيظ ومعالجة الغضب .
5- حفظ الحقوق المالية وتحريم أكل أموال الناس بالباطل .
6- النهي عن الحسد والتجسس .
7- الأمر بالرفق في الأمور كلها .
8- النهي عن الغمز واللمز والسخرية .
9- الأمر بإصلاح ذات البين عند وقوع خلاف .
10- إشاعة الخير ومحاصرة الشر بالحكمة والموعظة الحسنة .
11- التماس العذر للمخطئ، وحمل الكلام الذي لا يعجبنا على أحسن الوجوه .
12- الأمر بالعدل عند الحكم .
من خلال ما سبق يتضح أن التسامح يدعو إلى حياة هادئة مليئة بالعدل والحب والسلام ، تنبذ التطرف والعنف وكل ما من شأنه أن يخلق جواً من القلق والكراهية والبغض التي رفضها الإسلام وحذر منها في أكثر من موضع ، التسامح لغة الصفاء التي تبعث الأمن والسلام والحب والتعاون من مراقدها !

* خامساً : الوسطية والاعتدال :
جاء في مقال للكاتب بلال ( 1418 هـ ، صفر ، مجلة البيان ، العدد 114 ص: 48 ) : إن سنة الله (عز وجل) في خلقه للكون والحياة : التكامل والتوازن ، وقد خلق (جل وعلا) الإنسان في أحسن تقويم ، وجعله يحوي جوانب كثيرة مختلفة : عقلاً ، وروحاً ، وجسداً ، وعواطف ، ومشاعر ، ولكلٍّ منها حق ، ولا يمكن الوفاء بكل حقوقها إلا بتوازن يكمِّلها جميعاً ، ولا يغلِّب جانباً منها على حساب جانب آخر . وذلك التوازن هو : الوسطية التي جاء بها الإسلام ، وهي الصراط المستقيم . حتى نفهم الوسطية : لا تخرج معاني الوسطية عن : العدل والفضل والخيرية ، والنِّصف والبينية ، والتوسط بين طرفين ، فقد استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (الوسط) أرادوا معاني : الخير والعدل والنّصَفَة ، والجودة والرفعة والمكانة العالية .
* ولا يصح إطلاق مصطلح (الوسطية) على أمر إلا إذا توفرت فيه صفتان :
1- الخيرية ، أو ما يدل عليها .
2- البينية ، سواء أكانت حسية أو معنوية . كما يقصد بالتوازن في الشريعة الإسلامية : النظر في كل الجوانب ، وعدم طغيان جانب على آخر وذلك باجتناب الغلو والجفاء .. ولا بد من فهم حقيقة هذين الأمرين ؛ لتفهم حقيقة الوسطية والتوازن ، فإنه لا يمكن تحقيقها إلا بعد الفهم السليم لها .

* ـ معالم في فهم الوسطية :
أولاً : الغلو والإفراط : قال الله (تعالى) : [ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ][النساء : 171] ، وقال صلى اله عليه وسلم : (إياكم والغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) .. والغلو : المبالغة في الشيء ، والتشديد فيه بتجاوز الحد ، فحقيقته : مبالغة في الالتزام في الدين وليس خروجاً عنه في الأصل ، ويكون متعلقاً بفقه النصوص ، أو الأحكام ، أو الحكم على الآخرين ، وكما يكون فعلاً فإنه يكون تركاً ، كترك النوم وتحريم الطيبات ، وليس منه : طلب الأكمل من العبادة ، بل هو تجاوز الأكمل إلى المشقة ، ومعلوم أن الحكم بالغلو على شخص أو فعل لا يجوز إلا بالكتاب والسنة ، ولا يقدر عليه إلا العلماء .. وقد أُتِيتْ بعض الدعوات والحركات من هذا الباب ، فاستلزم الحذر منه ، ومعرفة آفاته ومظاهره وأسبابه ليحذر منه .
* فمن أخطار الغلو في الدين وعيوبه وآثاره :
1- كراهية الناس ونفورهم ، وانفضاض الأنصار ، قال صلى اله عليه وسلم : (إن منكم منفرين ، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز ، فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) .
2- الفتور أو الانقطاع ، فالإنسان ملول ، وطاقته محدودة .. وقد وضح طبيعة هذا الدين قال صلى اله عليه وسلم : (إن الدين يسر ، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة ، وشيء من الدلجة) .. فبَيّن أنه لا يتعمق أحد في العبادة ، ويترك الرفق كالرهبان إلا عجز ، فيُغلب .
3- التقصير في الحقوق والواجبات الأخرى ، وانظر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) : (فإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام) .. ؛ (فإن لزوجك عليك حقّاً ، ولزورك عليك حقّاً ، ولجسدك عليك حقّاً) .
4- تضييع العمر فيما لا فائدة فيه ، بل ما فيه الضرر .
5- الفرقة والتمزق في الصف الإسلامي ، وهو ما نشاهده ونعيشه كثيراً .
* وللغلو مظاهر كثيرة ، منها : كثرة الافتراضات والسؤالات عما لم يقع ، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل ، أو تضييع الواجب والعدول عن الرخصة في موضعها إلى العزيمة ، والاشتغال بمسائل الفروع على حساب الأصول ، واستفراغ الجهد في المختلف فيه مع إهمال المجمع عليه ، علماً وعملاً ، ومن المظاهر أيضاً : التعصب للرأي ، وعدم الاعتراف بالرأي الآخر ، وإلزام جمهور الناس بما لم يلزمهم به الله ، والتشديد في غير محله ، ككونه في غير مكانه أو زمانه أو أهله ، ومنها : الغلظة والجفاء والخشونة في غير الجهاد وإقامة الحدود ، وسوء الظن بالآخرين ، وتهمتهم وإدانتهم ، والسقوط في هاوية التكفير بلا ضوابط شرعية . والجفاء هو : الترك ، والبعد ، ويستعمل غالباً فيما فيه قصد الأمر ، من الترك والبعد وسوء الخلق . ومن مظاهر التفريط : تأخير الصلاة عن وقتها ، وترك إنكار المنكرات ، وإهمال تربية الأولاد ، وترك الأخذ بالأسباب ، والغلظة في المعاملة ، والسلبية تجاه الاهتمام بواقع المسلمين . ويبدو خطر التفريط واضحاً في كونه عين العجز والكسل ، ولا يتحقق به أمر الله (تعالى) كما أراده (سبحانه) ، وأنه يقطع الإنسان عن كثير من الأجور والدرجات ، فقد يخرجه من دائرة أولياء الله الصالحين ، وقد يعرضه للوعيد والعقوبة ، وقد يجره إلى الانحراف (والعياذ بالله) . وسببه إما أن يكون : الجهل ، أو الكسل . فأما الكسل : فما أكثر ما استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من العجز والكسل ؛ الكسل الناتج من إيثار العاجلة ، ونسيان الآخرة ، وهو نوع من الظلم . وأما الجهل : فداء عضال ، وأَقْبِحْ باتصاف الداعية به ، خاصة إذا كان الإخلال بالقدر الواجب من العلم ، المتعين أو الكفائي ، أو حتى القدر المستحب . وقد يكون السبب في التفريط : الاستجابة لضغط الواقع ، أو الهروب من تهمة التطرف والغلو .. ونحو ذلك مما يكون في الغالب إفرازاً لانحراف في المنهج ، ومظهراً من مظاهر الانحراف في الفهم . ثالثاً : الصراط المستقيم : وهذا المعلم لا يمكن فهم الوسطية دون فهمه ، ومعناه : الطريق الواضح الهادي ، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه ، وهو كتاب الله ، أو الإسلام ، أو الرسول ، أو السنة والجماعة ، وحاصل كل ذلك : المتابعة لله ورسوله . ومعنى الصراط المستقيم يدل على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي ، فمثلاً في سورة الفاتحة جعله الله طريق الخيار الذين أنعم عليهم ، وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضالين ، وفي سورة البقرة ذكره ثم ربطه بالوسطية ، فقال : [ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ] [البقرة : 142 ، 143] ، فالصراط المستقيم يمثل أعلى درجات الوسطية . والقرآن الكريم ، وكذا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، يرشدان إلى التوسط ، ويذمان التقصير والغلو ، وسورة الفاتحة قد وضعت القاعدة والمنطلق ، ورسمت المنهج ، وحددت معالمه ، ثم جاءت الآيات مقررة ، قال الله (تعالى) : [إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ] [النحل : 90] ، وقال (تعالى) : [ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ] [الأعراف : 29] ، والعدل في كل الأمور : لزوم الحد فيها ، وألا يغلو ويتجاوز الحد ، كما لا يقصر ويدع بعض الحق . وانظر إلى الوسطية واضحة في مثل قوله (تعالى) : [ وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ][الفرقان : 67] ، وفي قوله (تعالى) : [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ] [القصص : 77] ، وقوله (تعالى) : [ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ] [البقرة : 201] ، وفي دعائه : (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي . ) وكذا : فإن الوسطية سمة ثابتة بارزة في كل باب من أبواب الإسلام : في الاعتقاد ، والتشريع ، والتكليف ، والعبادة ، والشهادة والحكم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله ، والأخلاق والمعاملة ، وكسب المال وإنفاقه ، ومطالب النفس وشهواتها .

* ـ ملامح الوسطية وسماتها وضوابطها :
وتحديد ذلك ضروري ؛ لتتميز الوسطية عن غيرها ، ولئلا تكون مجالاً لأصحاب الأهواء والشهوات ، ومن تلك الملامح :
1- الخيرية : وهي تحقيق الإيمان الشامل ، يحوطه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
2- الاستقامة : وهي لزوم المنهج المستقيم بلا انحراف ، فالوسطية لا تعني التنازل أو التميع أبداً .
3- البينية : وذلك واضح في كل أبواب الدين ، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين .
4- اليسر ورفع الحرج : وهي سمة لازمة للوسطية .
5- العدل والحكمة : وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الوسط بالعدل وذلك هو معنى الخيار ؛ وذلك لأن خيار الناس : عدولهم . والوسطية أمر نسبي يخضع تحديده لعدة عوامل لا بد من مراعاتها ، ولا يتحقق ذلك إلا بإتقان الحكمة .

* ـ مثال تطبيقي للوسطية :
* فعل السنن : تتمثل مظاهر البعد عن السنة في اتجاهين :
الاتجاه الأول : التفريط والجفاء ، ومن مظاهره : عدم العناية بها ، ودعوى تقسيم الإسلام إلى لب وقشور ، والانشغال بالقضايا المعاصرة فقط .
الاتجاه الثاني : الغلو ، ومن مظاهره : تتبع الغرائب من السنن ، والاهتمام بها على حساب الواجبات ، والاهتمام بها على حساب القضايا المعاصرة ، والإكثار من طرحها وإثارتها ، والتكلف والتشدد في تطبيقها .
والواجب : العناية بالإسلام جملة وتفصيلاً ، بالسنة والواجبات ، مع الحرص على إحياء السنن المهجورة ، كالتبكير للصلاة والتبكير للجمعة ، وقيام الليل ، والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح ، لما لذلك من أثر في إحياء القلوب ، وإزالة قسوتها .. ولا بد من التحلي بالحكمة والتأني ، وعدم التكلف ، ولا يسوغ الإكثار من طرحها وإثارتها على حساب ما هو أهم منها ، بل يكفي تأصيلها . نحو تربية متكاملة متوازنة : إن التربية التي نحتاجها اليوم هي التي تأخذ الإسلام جملة وتفصيلاً ، وتراعي شخصية الفرد بجميع جوانبها وأبعادها ، مع التوازن في تربية الجوانب المختلفة : العقلية ، والمعرفية والوجدانية ، كما توازن أيضاً في رعاية الجانب الواحد ، كالجانب العقلي مثلاً ، وهذا بالنسبة للفرد .
* وعلى صعيد المجتمع : ينبغي ألا تكون التربية نخبوية تخص فئة من الناس دون غيرهم ، وتهمل بقية الفئات ، كما ينبغي أن تتكامل كل المؤسسات التربوية وتتضافر جهودها ، وأن تتكامل الجهود داخل المؤسسة التربوية الواحدة ، وكذلك أن تتكامل في استخدام الوسائل التربوية . ومما يعين على ذلك : التفكير ، والتخطيط ، والترتيب للعملية التربوية ، ووضع الأهداف الواضحة المنضبطة بالضوابط الشرعية مع المراجعة المستمرة ؛ لتلافي الأخطاء ، وألا تكون التربية مجرد استجابة لردود الأفعال .
* ومما يجب التنبه له : أن التوازن والتكامل لا يعني أن يحمل كل شخص قدراً متساوياً من كل جانب ؛ وذلك لاختلاف الأشخاص في القدرات والمواهب ، ولحاجة الأمة إلى أبواب كثيرة تستدعي أن تُعنى بكل جانب فئةٌ من الفئات ، كما لا يعني التوازن : ترك التخصص .
* وجدير بالذكر : أن فهم الوسطية تزول به إشكالات كثيرة ، يكثر السؤال عنها بسبب عدم فهم الوسطية كالتوفيق بين : العلم ، والعبادة ، والدعوة ، والجهاد … إلخ .
* تلاميذ المدرسة النبوية : وقد كان نتاج تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته أن عُرفوا باستجابتهم لأمر الله (تعالى) ، ومسارعتهم إلى الطاعة ، حتى صار لهم في كل ميدان سهم ، مع تحقيق التوازن في أنفسهم بحيث لا يُغلِّبون جانباً على حساب آخر ، وتحقيقه أيضاً في المجتمع ؛ حيث كان منهم متخصصون في كل ميدان هم أساتذته ومراجعه ، ولم يكن ينكر بعضهم على بعض من ذلك شيئاً ، بل كان من سجيتهم أن يعرف بعضهم حقوق بعض ، رضي الله عنهم . واليوم نقول ما قاله قديماً معاوية بن قرة (رحمه الله) : (من يدلني على رجل بكّاء بالليل ، بسّام بالنهار ؟ ) .
* وختاماً : عن الحسن قال : (السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي ، فاصبروا عليها رحمكم الله ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى ، وهم أقل الناس فيما بقي ، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ، ولا مع أهل البدع في بدعهم ، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم ، فكذلك إن شاء الله فكونوا) .

* ـ دور المدرسة لمواجهة الانحراف الفكري :
1- المحافظة على تماسك المجتمع ووحدته وتوازنه وفق أساليب علمية .
2- الابتعاد عن كل ما يثير التمايز الباطل وغمط الحق في مختلف التعاملات المدرسية .
3- احترام حق الطالب وإدراك حاجته إلى التعليم .
4- إفساح فرص للطالب لممارسة الأنشطة غير المنهجية .
5- إكساب الطلاب القيم والمفاهيم الدينية الصحيحة .
6- زرع قيم حب العمل في نفوس الطلاب .
7- ارتقاء المناهج بالفكر وتحقيق معنى التسامح والإخاء والسلام ونبذ الأفكار المشوهة المظللة عن الغير .
8- إبعاد الشخصيات التي تحمل أفكاراً متطرفة عن العمل التربوي .
9- حماية الطلاب من أخطار الدروس الخصوصية التي قد يكون سببها إهمال المعلم أو إهمال الطالب .
10- تعويد الطالب على مهارات تحمل المسئولية .
11- تعويد الطالب على مهارات تكوين الصداقات السليمة .
12- إكساب الطالب مهارات الثقة بالنفس .
إن المدرسة قد تفشل في تحقيق أهدافها التربوية والتعليمية ويتعرض الطفل للانحراف بسبب عوامل ترجع إلى المناخ المدرسي أو إلى التلميذ ذاته أو كليهما معاً إن سوء معاملة بعض المعلمين للطلاب أحد عوامل النفور من المدرسة كما إن الكثافة الزائدة لعدد الطلاب في الفصول يترتب عليها عدم استفادة كثير من الطلاب ويجد الطالب في الهروب من المدرسة تخفيضاً للتوترات والقلق وقد يؤدي عدم توافق النشاط مع احتياجات معظم الطلاب إلى محاولتهم البحث عن وسائل أخرى خارج المدرسة يصرفون فيها ما لديهم من طاقات كما أن لأصدقاء السوء دور كبير في انحراف الطلاب ولذت يجب على المدرسة استشعار أهمية كشف مشكلات الطلاب قبل استفحالها فيندفع الطلاب إلى السلوك العدواني كالتخريب والسرقة والعنف وربما الهروب من المدرسة .

* ـ دور مدير المدرسة في تحقيق الأمن الفكري داخل مدرسته :
1- تهيئة الظروف لعمل المرشد الطلابي ومساعدته على تجاوز العقبات وحل المشكلات التي قد تعترض عمله وعدم تكليفه بأعمال إدارية جانبية ليست ذات علاقة بعملة .
2- رئاسة لجنة توجيه الطلاب وإرشادهم بالمدرسة .
3- تيسير الإمكانيات لتطبيق برامج التوجيه والإرشاد .
4- الاستفادة من خبرات المعلمين وبعض أولياء الأمور الذين من الممكن الاستفادة من خبراتهم ذات العلاقة .
5- العمل مع المرشد على توجيه الطلاب بالمدرسة مع تقويم مستمر ومتابعه لعمل المرشد .
6- متابعة وملاحظة الظواهر السلوكية العامة لدى الطلاب والتعاون مع المرشد في تصحيح الظواهر غير المقبولة .
7- تهيئة المناخ والبيئة الصالحة التي تساعد على التوجيه والإرشاد .
8- الاهتمام بأنشطة جماعة الإذاعة المدرسية بشكل يومي .
9- التركيز على جماعة الصحافة وتشجيع الطلاب على التعبير عن رائيهم .
10- إنشاء وتكوين الجماعات المدرسية المناسبة لتنمية الوعي الأمني والأمن الفكري وما شابه ذلك .
11- الاهتمام بالمسرح المدرسي كونه وسيلة إفراغ شحنات الحركة والنشاط والمواهب لدى الطلاب .
12- مراقبة كل أشكال الصراعات الشخصية بين الطلاب وكافة أشكال العنف أو الميول والأفكار غير السوية .
13- عقد الندوات واستضافة الشخصيات والمسئولين ذوي العلاقة بموضوعات الانحراف الفكري .
14- عقد المسابقات الثقافية والمعلوماتية بين الطلاب لحفزهم على الأنشطة الهادفة والمفيدة .
15- دفع الطلاب إلى مسابقة معينة تدور حول تلخيص أحد الكتب المفيدة المنشورة على الانترنت لدفع الطلاب إلى الاستخدام الرشيد والسليمة للانترنت .

-- غازي محمد الجهني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*