الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » أثر الحوار خلال العهد النبوي جواهر الطبيشي

أثر الحوار خلال العهد النبوي جواهر الطبيشي

إن الدعوة إلى الله تعالى وإلى كتابه العظيم القرآن الكريم، وتبليغ رسالته وتحكيم شريعته هي وظيفة من أعظم الوظائف ومهمة من أهم المهمات, كلف الله تعالى بها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وعلى أتباعهم أجمعين.
هذه المهمة قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي أشرف منزلة وأعلى وظيفة وأرفع مكانة وأثقل مسؤولية حملها الإنسان وأنبل أمانة تعهدها بعد أن أشفق عليها رب العزة والجلال في قوله: ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) [ الأحزاب:72 ] وقد قام محمد صلى الله عليه وسلم خير قيام، وجاهد من أجل ذلك خير جهاد، وبلغ الرسالة وتحمل المشاق والأذى الشديد من أذى المشركين وعدائهم وعنادهم، ولم يزل على ذلك صلى الله عليه وسلم حتى أتاه اليقين وأكمل الله به النعمة وأقام الدين ثم جاء بعده خلفاؤه وساروا على شريعته ومنهاجه واتبعوها فكان لهم النصر والظفر رغم قوة قادة الكفر وعباد الأصنام وكثرتهم ثم قيض الله لهذا الدين الذي قام بالدعوة إلى الأمن والسلام وحب الناس كانوا نبراساً للدعاة ينافحون عن الإسلام ويذبون عن حياضه ويدعون إلى اعتناقه بالحكمة واللين بلا إكراه يبرون من خالفهم، ويقسطون إليهم ويقاتلون من قاتلهم جهاداً في سبيل الدعوة إلى الإسلام ودفاعاً عن النفس ولا يخافون بالله لومة لائم.
ولقد نحوا في هذه الدعوة وكان من أسباب نجاح هذه الدعوة أن الداعية كان عالماً بما يدعوا إليه, حسن السيرة والسلوك, حسن الأسلوب فصيح اللسان, واضح البيان قوي الحجة بالدليل والبرهان, وكان يقوم بالأعمال الحسنة ويتحلى بالأخلاق الكريمة.
لذا وجب علينا نحن الـدعاة اليوم أن نجتهد ونجهد أنفسنا في الدعوة إلى الله، ونشر تعاليم الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن كما قال تعالى: ( ادع إلى سبيـل ربك بالحكمة، والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل:125].
وبما أن الحوار جزء من الدعوة وطريقة من طرقه ولما له من أهمية كبرى من دعوة الناس إلى هذا الدين الحنيف وهو طريق مختصر لتوحيد الأمة الإسلامية والقضاء على الخلافات والحزازات القائمة بين فئات مختلفة من المسلمين, والحوار فرصة للدفاع عن الدين ورد الشبهات عنه لذلك أردت أن أشارك بهذا الموضوع المهم في حياتنا.
الحوار لغة: أصل من الحَوْر ( بفتح الحاء وسكون الواو ) وهو الرجوع عن الشيء, قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
والمحاورة: مراجعة المنطق, والكلام في المخاطبة, وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام, واستحار الدار: استنطقها, من الحوار الذي هو الرجوع ( ) . إذاً الحوار لغة: هو الرجوع والمجاوبة.
الحوار اصطلاحاً: هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين.
وعرفه بعضهم بأنه( نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين, يقع فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر أحدهما دون الآخر, ويغلب عليها الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب ) ( ).

أهمية الحوار وأهدافه:

أولاًـ أهمية الحوار :
للحوار أهمية كبيرة في حياة المسلم, فإذا كان المسلم يسعى لنشر دعوته من خلال وسائل وطرق, فإن وسيلته الأولى المتقدمة على غيرها, هي وسيلة الكلمة والحوار.
وإنه بمقدار ما يكون الداعية متمكناً من فن الحوار, محيطاً بآدابه وأساليبه, يكون أقدر على النجاح في دعوته.
ويتبين لنا أهمية الحوار من خلال:
أولاً: كثرة استعمال الحوار في الكتاب والسنة, وكثرة وقوعه من الأنبياء, بل تكراره واستخدامه في التاريخ كله فلا يخلو منه زمان, ولم يستغني عنه نبي ولا عالم ولا داعية, وكما هو واقع في الدنيا فهو موجود في الآخرة كذلك, بل في الجنة والنار, ففيهما حوار وجدال ومحاجة ومخاصمة.
والدليل على كثرة استعمال الحوار في الكتاب والسنة قوله تعالى: ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) [ هود:32]. قال الرازي: أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة فالمجادلة في نصرة الحق … ( ).
ثانياً : إن أقوال علماء الأمة في أهمية المناظرة, وضرورة استخدامها, له صلة كبيرة بموضوع الحوار.
ثالثاً: ما يظهر في هذه العصور المتأخرة مع كثرة الخلاف من خروج الحوار بين المسلمين عن أهدافه وغاياته، وما يطرأ عليه غالباً من سوء الأدب وحدة الكلام, وربما تطور إلى تبادل التهم والسب والشتم، والتبديع والتفسيق، وربما التكفير!. بل ربما وصل للتعدي على الثوابت العقدية، والقيم والمبادئ الإسلامية.
رابعاً: إن الحوار له تعلق كبير بفنون أخرى مستقلة كـ « فن الجدل » وفن « البحث والمناظرة », وقد ذكر العلماء آداباً لتلك الفنون مما يستفاد منه في الحوار وغير ذلك مما يبين لنا أهمية الحوار.
ثانياً : أهداف الحوار:

للحوار أهداف كثيرة ولكن من أهمها:
1- دعوة الآخرين وإقناعهم, سواء كانت دعوة الكفار إلى الإسلام, أو دعوة المبتدعين إلى السنة, أو دعوة غيرهم إلى الحق, وأقل ما يتحقق من هذا الهدف هو إقامة الحجة على الخصم, وإبراء الذمة أمام الله ? لذلك قد ذكر الله سبحانه الجدال بالتي هي أحسن في ضمن وسائل الدعوة حيث قال: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) [ النحل:125].
قال الشنقيطي: إن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة وحسن الأسلوب واللطافة مع إيضاح الحق ( ) .
2- من أهداف الحوار أيضاً الوصول إلى الحق, وترجيح أحد الآراء المطروحة, وتضييق هوة الخلاف, وتقريب وجهات النظر.
3- ومن أهم غايات الحوار: بيان الباطل الذي عليه الخصم، والرد على الشبهات لإقامة الحجة على المخالف, ولإظهار الباطل على حقيقته حتى يحذره الآخرون.
4- تحقيق أهداف أخرى مشروعة: فهناك مصالح أخرى وأهداف كثيرة يمكن تحقيقها عن طريق الحوار.
فمثلاً: قد يكون الحوار مع كافر ويقصد منه إظهار عزة الإسلام وقوة حجته, وذلك ليزداد المؤمنون إيماناً, ويكون الهدف هو تثبيت بعض المؤمنين على الإيمان, أو زيادة اطمئنانهم إلى الحق, ومن الأمثلة كذلك: أن يكون الحوار لهدف تعليم السامعين إلى غير ذلك من الأمثلة.
أصول وقواعد في موضوع الحوار:
أـ أصل الحوار في القرآن:
إن موضوع الحوار قد تعرضت له آيات القرآن في مواضع شتى, وبأساليب مختلفة, ففي بعض الآيات تظهر الدعوة إلى الحوار أو إلى شيء من مستلزماته وأصوله, وفي نصوص أخرى حث على التزام آداب عامة للحوار, وفي قسم منها بيان آداب خاصة من آداب الحوار, وفي قسم منها نماذج وأمثلة للحوار.
فمن النصوص العامة التي وضعت مقومات الحوار وأصوله وشروط الانتفاع به قوله تعالى: ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) [سبأ:46] قال محمد بن أحمد الكلبي المفسر في هذه الآية: والمعنى أن تقوموا اثنين اثنين للمناظرة في الأمر، وطلب التحقيق وتقوموا واحداً واحداً لإحضار الذهن واستجماع الفكرة( ).
فهذه الآية نص في المناظرة والحوار، وأهمية الإخلاص لله فيهما، وضرورة طلب الحق وحده.
ب- أصول وقواعد مهمة في موضوع الحوار:
لابد من التفريق بين « أصول الحوار » و « آداب الحوار ».
فالأصول: هي عبارة عن القواعد الرئيسة الثابتة التي تضبط مسار الحوار.
وأما الآداب: فهي طريقة الحوار ( ) .
فمن الأصول المهمة هي:
1- تحديد الهدف, وأن يكون هو الوصول إلى الحق, لا لإظهار الغلبة والمجادلة في الباطل, بالإضافة إلى تحديد القضية التي حولها الحوار.
2 – الاتفاق على أصل يرجع إليه, والأصول المرجعية عند المسلمين هي الكتاب والسنة, وما كان عليه السلف حيث قال تعالى: ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) [ النساء:59].
قال الشنقيطي: أجمع المسلمون على أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه هو الرد إليه في حضوره وحياته وإلى سنته في غيبته وبعد مماته … ( ).
3- عدم مناقشة الفرع قبل الاتفاق عل الأصل . فلا بد من البدء بالأهم من الأصول وضبطها والاتفاق عليها, ومن ثم الانطلاق منها لمناقشة الفروع والحوار حولها.
حكم الجدل والحوار:
حكم الجدل والحوار والمناظرة, يرجع إلى القصد منه، والغرض من استعماله, فإن كان بالحق وللوصول إلى الهدى والصواب, ولكشف الباطل ودحض الشبهات فهو مباح جائز، وربما كان واجباً إن كانت الحاجة ملحة إليه, وأما إن كان جدالاً بالباطل لرد الحق ودفع الحجة أو للوصول إلى الباطل فهو مذموم محرم.
قال السمرقندي في تفسيره: قال الله – ? – ( ادع إلى سبيل ربك ) [ النحل:125] أي: إلى دين ربك، وإلى طاعة ربك ( بالحكمة ) أي بالنبوة، والقرآن ( والموعظة الحسنة ) أي عظهم بالقرآن ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) أي حاججهم وناظرهم بالحجة والبيان، ويقال باللين. وفي الآية دليل على أن المناظرة، والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحق ( ).
أركان الحوار:

للحوار ثلاثة أركان رئيسية لا يتصور وجود حوار بدونها وهي:
1– المحاوِر.
2- المحاوَر ( الطرف الآخر ).
3- موضوع الحوار.
أولاً: المحاور: المحاور المسلم له شروط يجب توافرها فيه وهي:
1- الإخلاص: أي أن يكون حواره في سبيل الله, ونصرة دينه, وإعزازاً لكلمته بعيداً عن الأهواء والرياء وحب الظهور ونحوها.
2- العلم: لابد أن يكون حواره عن علم وبصيرة, إذ أن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح وقد ذم الله المجادل بغير علم كما في قوله تعالى: ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) [ الحج:8 ]. قال ابن كثير: منهم من يجادل في الله أي: في توحيده، وإرساله الرسل، ومجادلته في ذلك بغير علم ولا مستند من حجة صحيحة ولا كتاب مأثور صحيح ( ) .
3- الالتزام بأدب الحوار: فالمحاور المسلم منضبط في أقواله، وأفعاله, وفي كلامه وحركاته, بمنهج الكتاب والسنة.
ثانياً: المحاوَر ( الطرف الآخر ): وهو إما أن يكون مسلماً فشروطه هي شروط المحاور السابقة إلا أنه قد يكون معرضاً أو مقصراً وغير ذلك.
أما إذا كان المحاور غير المسلم أصلاً كأن يكون كتابياً فهذا شرطه عدم الظلم لقوله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) ( ).
ثالثاً: موضوعات الحوار:

إن الضابط في الموضوع الذي ينبغي أن يتناوله الحوار هو ما يحقق هدفاً مشروعاً, ومصلحة معتبرة, وعليه فكل موضوع يؤدي إلى نتيجة منهي عنها فلا يجوز طرحه للحوار.
آداب الحوار:

آداب الحوار النفسية: هي الآداب التي تتعلق بنفسية المحاور وشخصه, وبنفسية الخصم كذلك, فهناك ظروف نفسية قد تطرأ على الحوار فتؤثر عليه تأثيراً سلبياً, فينبغي مراعاة ذلك حتى ينتج الحوار ويحقق غايته.
ومن هذه الآداب:
1- تهيئة الجو المناسب للحوار.
2- الإخلاص وصدق النية.
3- الإنصاف والعدل والتفريق بين الفكرة وصاحبها.
4- التواضع وحسن الخلق.
5- الحلم والصبر.
6- الرحمة والشفقة بالخصم والحرص على إقناعه.
7- العزة والثبات على الحق.
8- حسن الاستماع.
9- المحبة رغم الخلاف.
10- الهدوء والثقة بالنفس.
11- احترام الطرف الآخر.
12- الجرأة والغضب لنصرة الحق.
وغير ذلك من الآداب النفسية.
آداب الحوار العلمية:

هي الآداب التي تتعلق بمادة الحوار الأصلية, وموضوعاته الأساسية, والضوابط والأصول العلمية, من حيث إيراد المعلومات وترتيبها وتقريرها أو ردها, وما يتعلق بذلك من أسس يجب إتباعها أو محاذير يجب اجتنابها حتى ينضبط الحوار ويحقق نتيجته.
وهذه الآداب هي:
1- العلم.
2- البدء بالنقاط المشتركة وتحديد مواضع الاتفاق.
3- التدرج والبدء بالأهم.
4- الدليل.
5- الوضوح.
6- الصدق والأمانة.
7- التثبت.
8- الرد على الشبه بما يناسبها.
9- ضرب الأمثلة.
10- العدول على الإجابة باستخدام المعاريض وأسلوب حكيم.
11- تأكيد القضية وتقريرها.
12- الرجوع إلى الحق والتسليم بالخطأ.
13- الاحتمالات.
14- التحدي والإفحام وإقامة الحجة على الخصم.
آداب الحوار اللفظية:
هي الآداب التي تتعلق بالألفاظ المختارة, والكلمات المنتقاة, والعبارات المناسبة, والتي تطرح وتدور أثناء الحوار من قبل الطرفين.
وحيث إن الحوار – غالباً – ما تصاحبه الرغبة في الظهور على الخصم, والخوف من الانهزام أو الإحراج أمام الآخرين فربما انعكس أثر ذلك على ألفاظ المحاور فيلقي كلمة خشنة, أو لا يسعفه التعبير فيزل لسانه بتعبير سيء, قد يؤجج الصراع بين الطرفين, ويشعل الفتيل بين المتحاورين.
لذلك يلزم المحاور أن يراعي ألفاظه فيدققها وينقحها, ويتبين فيها ويزنها, قبل أن تخرج من فيه فلا يستطيع ردها, أو يندم عليها بعد فوات الأوان, فتعصف بالحوار وتهوي به في مكان سحيق.
فلا بد إذن من مراعاة لكل عبارة يتفوه بها المحاور, وكل كلمة يعزم على قولها, حتى يستقيم الحوار ويحرز تقدماً.
وإجمال هذه الآداب اللفظية على الترتيب كما يلي:
1- العبارة المناسبة وحسن العتاب.
2- التذكير والوعظ.
3- التعريض والتلميح بدل التصريح.
4- أدب السؤال.
5- ذكر المبررات عند الاعتراض.
6- طلب الإنظار وعدم الاستعجال.
7- ثناء المحاور على نفسه أو على نفسه بالحق.
8- مباغتة الخصم وقطع الطريق عليه.
أمثلة من الحوار في عهد النبوي:

أولاً: المثال الأول:

عن أنس بن مالك قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك. قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال:صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً. قال: صدق. قال: ثم ولى. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لئن صدق ليدخلن الجنة ( ).
الدروس الدعوية المستفادة من هذا المثال:
1ــ فيه حسن سؤال هذا الصحابي وملاحة سياقته وترتيبه فانه سأل أولاً عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولاًَ للصانع، ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رصين( ).
1ـ أحياناً يكون القصد من الحوار الوصول إلى معلومة مهمة أو أمر ينفع في ترتيب المعلومات.
2ـ من آداب الحوار التقدمة بين يدي السؤال، والاعتذار قبل طرحه، لا سيما إذا كان السؤال محرجاً أو دقيقاً.
ثانياً: المثال الثاني:

عن معاذ بن جبلرضى الله عنه قال:بينا أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا أخرة الرحل. فقال: يا معاذ. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يامعاذ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ ابن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم( ).
الدروس الدعوية المستفادة من هذا المثال:
1- أنه على الداعية أن يلتزم بأسلوب الحوار عن طريق طرح أسئلة والإجابة عليها أثناء التحدث إلى الناس كما فعل عليه السلام مع معاذ بن جبلرضى الله عنه .
2- للحوار والمساءلة أثر كبير في تنبيه الأذهان, فيشارك جميع الحاضرين في الاستماع, ويشارك بعضهم في الكلام ( ) .
3- فيه فضل معاذ وحسن أدبه في القول. قاله ابن حجر ( ).
4- الأسلوب الاستجوابي في التعليم من أساليب الإسلام.
ثالثاً: المثال الثالث:

عن ابن أبي مليكة قال: إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حوسب عذب. قالت عائشة: فقلت أو ليس يقول الله تعالى: ( فسوف يحاسب حساباً يسيراً ) [ الانشقاق:8 ]. قالت: فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك ( ) .
الدروس الدعوية المستفادة من هذا المثال:
1ـ ما كان عند عائشة من الحرص على تفهم معاني الحديث.
2ـ وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتضجر من المراجعة في العلم.
3ـ وفيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب. قاله ابن حجر ( ).
4ـ أن الغرض من السؤال في المحاورة غرضاً صحيحاً شرعياً لا يقصد منه التعنت أو إضاعة الوقت.
رابعاً: المثال الرابع:

قال أبو رفاعة ?: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب. قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه. لا يدري ما دينه. قال: فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، حسبت قوائمه حديداً. قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها ( ).
الدروس الدعوية المستفادة من هذا المثال:
1ـ فيه استحباب تلطف السائل في عبارته، وسؤاله العالم.
2ــ فيه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم .
3ـ رفقه بالمسلمين وشفقته عليهم وخفض جناحه لهم .
4ـ فيه المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها( ).
أثر الحوار في نفس المدعو:

إن أثر الحوار الإيجابي في الواقع أكبر دليل على أهميته ودوره.
أما بالنسبة لأثر على المدعو فإن كم من كافر قد دخل الإسلام عن طريق الحوار، وكم من مبتدع ضال رجع عن بدعته بسبب الحوار والمناظرة، وكم من عاص تاب إلى ربه، ورجع إلى عقله بعد محاورته، ومن ذلك:
ــ الحوار الذي كان سبباً في إسلام عمر بن الخطاب ( ).
ــ والحوار الذي كان سبباً في إسلام عمير بن وهب( ) .
ــ وحوار ابن عباس مع الخوارج الذي كان سببه في رجوع أربعة آلاف منهم عن بدعتهم( )… وغير ذلك كثير.
موضوع الحوار في الدعوة من أهم المواضع التي يجب على الداعية أن يعرفها ويتعلمها ويتعرف على طريقة الحوار وآدابه وخصائصه وأهميته الكبرى في مجال الدعوة، وفي نهاية المقال أنبه على بعض الأمور المهمة وهي:
1ـ أن للحوار أهمية كبرى وأهداف سامية.
2ـ أن هناك آداباً نفسية وعلمية ولفظية للحوار لابد للداعية المحاور أن يتعلمها ويلم بها كي يتمكن من الوصول إلى الهدف المطلوب من الحوار.
1ـ أن هناك أثر للحوار على نفس المدعو وقد يكون سبباً في دخوله للإسلام… وغير ذلك.
2ـ وأوصي إخواني وأخواتي الدعاة بالإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره في مجال الدعوة، وفي كل مجالات الحياة حيث أنه هو قدوتنا عليه الصلاة والسلام حيث قال تعالى: ( لقد كان في رسول الله أسوة حسنة ) [ التوبة:128 ].

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*