الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » مناهجنا وعلاقتها بالغلو والتكفير

مناهجنا وعلاقتها بالغلو والتكفير

مناهجنا والتكفير

إن المنهج العلمي المتعارف عليه بين أهل العلم في إثبات قضيةٍ ما أو نفيها، يرتكز في مجمله على أمرين رئيسين: البحث النظري المبني على أصول البحث من تتبع واستقراء المتجرد عن كل هوى وغرض غير إرادة الحق، و الواقع العملي أو التجربة المشاهدة المتعلقة بالقضية محل البحث. وأنا استصحب هذه الأسس العلمية في موضوع ٍ كثر الحديث واللغط فيه في هذه الأيام ! وهو ( مناهج التعليم الرسمي في هذه الدولة -وفقها الله- وعلاقتها بالغلو والتكفير).
ومن هنا: فإن الحديث يتركز في منهج ” التوحيد “، والأمر لا يخلو من حالين : إما أن المناهج مؤثرة سلباً وهي من أسباب وقوع الغلو والانحراف في منهج التكفير، وإما العكس فهي داعية ٌ إلى التوسط وبيان القول الشرعي العدل في المسألة.
 وكلا الاحتمالين يحتاج في إثباته أو نفيه إلى منهج علمي متجرد ينبري له من كان مؤهلاً لمثل هذا البحث، والصبـر عليه!

أما الخروج بنتائج سريعة والتعجل في إلقاء التهم والتشكيك في النوايا والحديث بعموميات؛ فهو مما لا يليق أبداً بأبجديات المنهج العلمي وأدبيات التحدث في مثل هذه القضايا!! ومن كان هذا شأنه؛ فهو كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى! ولست في صدد العـرض والاستقراء للموضوعات العلمية في مناهج التوحيد ومدى صدق تلك الإحتمالات عليها من عدمه، بل أشير إشارةً سريعة – بحسب ما يسمح به المقام- إلى مسألةٍ أشغلت الجميع على كافة المستويات، وهي مسألة ( الغلو في التكفير ) ولا أقول( التكفير ) لأن التكفير مسألة شرعية دل على حكمها وضوابطها كتاب الله وسنة نبيه-صلى الله عليه وسلم-. وبينها علماء السلف قديماً وحديثاً، وإنما الإشكال في (الجهل بالقواعد العلمية الحاكمة لهذه المسألة)، وهنا وقفات:
1- وكما هو مقرر في المنهجي المنطقي في الاستدلال أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدماً، والسؤال : ألم يكن الغلو في التكفير موجوداً منذ القرن الأول ( وهو من القرون المفضلة)، واعتمد أصحابه على ظواهر القرآن، وفهموها على غير مرادها الصحيح! فهل السبب في المنهج والأصول أم في الفهم والتطبيق؟
فالتكفير كان قديماً وفي فترات متفاوتة من التاريخ، ولم تكن هناك مناهج ولا مقررات، بل ووقع عند أناسٍ لم يتعلموا أصلاً !
إذاً : وجود هذا الغلو في هذه المسألة مع عدم وجود المناهج محل البحث دليلٌ على عدم التأثير، أو على الأقل مدعاة إلى عدم القطع به هكذا جزافاً !!

2- لنقرأ نموذجاً مختصرًا من منهج الصف الثالث الثانوي ، في هذه المسألة، لنرى أي غلو وإرهاب يخرج هذا التأصيل، جاء في ص32 عنوان ” خطورة تكفير المسلم ” :( تكفير المسلم أمرٌ عظيم وخطير لا يجوز الإقدام عليه إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع..التكفير حقٌ لله، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله… ثم جاء في المقرر نفسه: للتكفير أنواع ثلاثة:
أ- التكفير بالعموم : ومعناه تكفير الناس كلهم عالمهم وجاهلهم من قامت عليه الحجة ومن لم تقم، وهذا طريق أهل البدع ..
ب- تكفير أوصاف :كقول أهل العلم في كتب العقائد وفي باب الردة من كتب الفقه : من جعل بينه وبين الله وسائط …ومن سب الله ورسوله كفر ..الخ ..
جـ – تكفير المعين: والمقصود به الحكم على الشخص الذي وقع في أمر يخرج من الملة بالكفر، ومذهب أهل السنة والجماعة في ذلك وسط بين من يقول:
لانكفر أحداً من المسلمين ولو ارتكب ما ارتكب من نواقض الإسلام، وبين من يكفر المسلم بكل ذنب.

شروط التكفير

يشترط للتكفير شرطان؛ أحدهما: أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر به فاعله.
الثاني : انطباق الحكم على من فعل ذلك، بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً مختاراً، فإن كان جاهلاً أو متأولاً او مخطئاً أو مكرهاً؛ فقد قام به مانعٌ من موانع التكفير فلا يكفر..)، وجاء أيضا ً(ولا يحكم على معين بالكفر إلا بعد قيام الحجة عليه وإصراره على الكفر الذي وقع منه)! مع العلم والتأكيد أن معرفة ذلك كله والحكم به لا يكون إلا للعلماء وليس لعامة الناس .

فأين الغلو والتطرف من هذا القول الوسط العدل المعتمد على كتاب الله وسنة حبيبنا رسول الله؟ وهل من فهم هذه القواعد العلمية وشرحت له شرحاً علميًّا جيداً، يتطرق إليه غلو أو تكفير بلا علم ؟ سبحان الله! ما بال أقوام لا يقرؤون ولا يتأملون وبالتالي كيف ينصفون ويعدلون؟!
وللحديث بقية، واسأل الله أن يحفظ الحق من كل تلببيس، وأن يجمع كلمتنا على الحق دائماً.

مناهجنا والغلو

و المقصد من المقال السابق(مناهجنا والتكفير) والحاضر هو بيان شيء من الأخطاء المنهجية التي يقع فيها عددٌ من المتحدثين والكاتبين في مثل هذه المواضيع العامة والمهمة ،وذلك عندما يبتعدون عن المنهج العلمي الصحيح في البحث المتجرد عن كل هوى وغرض إلا الوصول للحق!
وإن كنت في الحلقة السابقة ركزت على الإشارة فقط إلى الجانب النظري الاستقرائي في منهج البحث في مثل قضيتنا هذه (المناهج وعلاقتها بالغلو والتكفير)، وقلت ما خلاصته: إن المكتوب والمقرر في هذه المناهج فيما يتعلق تحديداً “بالتكفير” هو من الأقوال المعتدلة والمؤصلة والهادية -بإذن الله- إلى المنهج الوسط، ومن ألفها كان يتحدث بعلمٍ وعن علمٍ مصدره في ذلك الصحيح الصريح من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما قرره علماء السلف -رحمهم الله-، وبدون هذا المنهج المقرر في هذه القضية فإننا نخشى –حقيقة- من الجهل بمثل هذه القضايا العقدية الخطيرة!

وفي هذه الحلقة ألفتُ الأنظار إلى الجانب العملي الواقعي ، وهو أحد جانبي (المنهج العلمي في إثبات القضايا أو نفيها) وخلاصة القول فيه:
1- أن أفواجًا كثيرةً جدًّا ومنذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن وهي تدرس وتسمع هذا الطرح العلمي في قضية ” التكفير” وتخرج عشرات الآلاف من الأساتذة والدكاترة والمشايخ والأطباء والمهندسين وغيرهم كثير رجالاً ونساءً، ولم نسمع أونلمس شيئًا ملحوظًا من هذا الغلو الحادث الآن من فئةٍ قليلةٍ من شبابنا!
فالمنطق والعدل يقتضي أن نصدر أحكامنا على الغالب وليس الأقل؛ فإذا كان الغالب الأعم من هذه الألوف من خريجي مدارسنا وجامعاتنا لم يُعرف عنهم إلا التوسط والاعتدال في الفكر والممارسة فهل نغفل هذه النسبة الكبيرة جدًّا بسبب بضع مئات من الأفراد؟!

2ـ في الاعترافات الأخيرة – والتي بثتها وسائل الإعلام- لنفرٍ لا يتجاوزون العشرين ممن وقعوا في هذا الأمر الخطير، لم يصرح أو يلمح أحدٌ منهم أن مناهج التعليم كانت من أسباب غلوه وانحرافه الفكري وضياع مستقبله، وهم خير شاهد !! فماذا بعد الاعتراف إلا التخبط وعدم الدقة والعجلة في الحديث والطرح؟!.
ثم إني لا أضفي على أي عملٍ بشري (كالمناهج وغيرها) أي قداسةٍ أو عصمة؛ فالعصمة لكتاب الله ولرسوله، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد، إلا أن الذي أعرفه جيداً وأنادي به أن التغيير أو التطوير ، لابد أن يكون وفق معايير علمية ومنهج علمي صحيح، ولا بد من الإجابة وبوضوح وإنصاف عن هذه الأسئلة قبل الولوج في هذه المهيع الواسع:
التغيير أو التطوير (والأخيرة أدق) لماذا….؟ وكيف…؟ وفي أي شيء…..؟
وممن….؟ وإلى أين….؟!
وإني أهيب بأهل الاختصاص من التربويين والمسؤولين في وزارة التربية والتعليم أن يقولوا كلمتهم بكل تجرد ووضوح، مراعين عظم الأمانة ومقاصد الشريعة في جلب المصلحة ودرء المفسدة، وليعلموا أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز….! أصلح الله الجميع ووفقنا لمعرفة الحق والعمل به.

-- د.فهد بن سعد الجهني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*