الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » إثارة المسائل الخلافية مقدمة مؤدية إلى التطرف

إثارة المسائل الخلافية مقدمة مؤدية إلى التطرف

لا شك أن أصل الاختلاف في الدين شرٌ وضربٌ من العذاب، كما قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود:118-119) .
وهو على كلّ حالٍ مرفوض شرعاً، ولا يقرّ ابتداء في أصول الدين وفروعه، للنصوص الشرعية المستفيضة في نبذ الخلاف، ويضيق المقام بذكرها، وإنما يكون نظر العلماء في النظر في مقابلة الخلاف، كيف يكون؟ وكيف نتعامل مع المخالف؟ وما مدى العلاقة بين المعاملة والمحبة في المسائل الخلافية؟
كلّ ذلك من المسائل العلمية التي يجب أن يحرر القول فيها قبل الحكم على المقالات والأشخاص والطوائف، كلّ ذلك لإنزال كلّ خلاف ومخالفة ومخالف منزلته الشرعية، لا إفراط ولا تفريط، بعيداً عن جنس الظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرماً.
والمسائل الخلافية في الجملة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الخلاف المطروح المنكر، وهو ما خالف أصلاً من أصول الدين، أو معلوماً من الدين بالضرورة، فيحلّ ما أجمعت الأمة على حرمته، أو يحرم ما أجمعت الأمة على حلّه، فهذا خلاف منكر مردود على صاحبه، بغض النظر عن قائله، فحجية النص والإجماع قطعية على كلّ أحد.
القسم الثاني: الخلاف الشاذ، وهو ما خالف فيه ما عليه النص وجمهور الفقهاء، فهذا خلاف مردود، لسببين ظاهرين:
أحدهما: الشذوذ علامة على ضعف القول، خاصة مع حضور الدليل، وتظافر أئمة الدين على القول الصحيح، وإن لم يُحكَ في المسألة إجماعٌ.
الثاني: أنّ اتباع الشاذ من الأقوال، ورخص العلماء من أخطر أبواب الشر، قال الإمام ابن القيم في “مدارج السالكين” (2 / 58): (من ترخص بقول أهل مكة في الصرف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحيل في المعاملات، وقول ابن عباس في المتعة، وإباحة لحوم الحمر الأهلية، وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء، وجوز أن يكون زوج قحبة، وقول من أباح آلات اللهو والمعازف : من اليراع والطنبور والعود والطبل والمزمار، وقول من أباح الغناء، وقول من جوز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقول من جوز للصائم أكل البرد، وقال : ليس بطعام ولا شراب، وقول من جوّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقول من صحح الصلاة بمدهامتان بالفارسية، وركع كلحظة الطرف، ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصلٍ بين السجدتين بارتفاع كحد السيف، ولم يصل على النبي، وخرج من الصلاة بحبقة، وقول من جوز وطء النساء في أعجازهن، ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة إذا كان ذلك الحمل من زني، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص) انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء”(8 / 90): (ومن تتبع رخص المذاهب، وزلات المجتهدين، فقد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: “من أخذ بقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، فقد جمع الشر” وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق) انتهى كلام الذهبي.
القسم الثالث: الخلاف السائغ، وهو ما كان في المسائل الفرعية، التي قد تختفي فيه الحجة من حيث (1) البلوغ (2) والثبوت (3) والدلالة.
هو وإن أقره العلماء، واستمر قيامه إلى آخر العصور، وهو الباب الواسع في مسائل الأحكام، إلا إنّه لا يستساغ إلا فيما لا يسبب فرقة بين صفوف المسلمين، وإلا كان منكراً مردوداً على قائله مهما كان فضله ومنزلته، وهذا أصلٌ من أصول الدين، لأن مصلحة الاجتماع على الدين تفوق سائر المصالح، حتى لو كان القول صحيحاً غير معمولٍ به، فالأولى أن يترك لمصلحة اجتماع المسلمين، وهذا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة  رضي الله عنها : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لها: «ألم تَرَيْ أنَّ قومَكِ حين بَنَوْا الكَعبةَ، اقْتصروا عن قواعد إبراهيم، فقلت: يا رسول الله، ألا تَرُدَّها على قواعِدِ إبراهيم؟ فقال رسول الله: لولا حدْثانُ قومِكِ بالكُفرِ لفعلتُ».
فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم ترك العمل بما هو الأولى وذهب للأدنى حرصاً على مصلحة الإسلام العامة، وجمع كلمة المسلمين، فكيف يأتي اليوم من يبحث عن الأقوال الغريبة بل الشاذة بل المنكرة ثم يفتن بها أمة محمد، ويشغلهم عن أمور دينهم ودنياهم، بل ويدخل الشك في قلوبهم بعدم مصداقية الدين، وتزعزع مقالة العلماء، وأن ما كان منكراً بالأمس صار معروفاً اليوم، وما كان معروفاً اليوم صار منكراً بالأمس؟
إن هذا خطر عظيم قد يسبب الفرقة بين أفراد المجتمع، بل قد يحمل هذا (الاغترار) بمشروعية الخلاف! بإخراج أقوالٍ منكرة شاذة تستباح بها المحرمات، وتنتهك بها الأعراض، ومن ذلك مسألة الغناء والموسيقى، فجمهور المسلمين، بل وحكي من إجماعاتهم على أنه لا يجوز، فكيف يأتي من يبيحه، ويبح لنفسه القول بهذا القول؟
فهل يبيح لمن قال من علماء الحنفية أن إباحة الغناء كفر؟
ولكل ردّة فعلٍ ردّة فعلٍ مكافئة لها في القوة من الطرف الآخر، وهما الإفراط والتفريط، فلا نعجب عندما يفرط هذا في إباحة الغناء، والجمهور على تحريمه، أن يخرج بعض من يريد الانتصار لمنع الغناء بأن يقول بكفر من أباحه، مستدلاً ببعض مقالات العلماء كما نص بعض كالبرازي والكرماني من الحنفية، والقاضي عياض من المالكية، وابن قدامة الحنبلي، فقد حكم الأخير بكفر من أباح الغناء.
فما الظن في زمن التساهل في نشر الفتاوى الشاذة عندما يخول من يجاهر بإباحة الغناء لنفسه أن يصرح بهذا القول، ألا نخشى أن يظهر لنا من الطرف الآخر متطرف ينتصر للقول بالتكفير، وناهيك عن أبعاد هذا القول من النفخ في شرارة الإرهاب بين الشعوب الآمنة.
وكان الجدير بكل من لديه أدنى مسكة من علم وعقل عندما يرى رأياً يستصوبه، والناس على خلافه، أن يطرح قوله في دور العلماء، وميادين الفقهاء، قبل أن ينشر هذا القول بين عموم المسلمين، ثم بعد النظر والتحقيق، والتمحيص والمناظرة، ينظر في الأصلح من إعلان قوله أو إسراره، فالعلم جليل، وهو أرفع من أن يبحث في كثير من الصحف أو القنوات التي لا تعرف بعلم ولا أدب ولا حكمة، والله المستعان.

-- بدر بن علي بن طامي العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*