الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » الشباب والإرهاب

الشباب والإرهاب

إن وضع كلمتي الشباب والتطرف جنبا إلى جنب قد يوحي بأن ثمة علاقة أو تلازمية بين ما ترمز إليه الكلمتان.
وهذا يدفع إلى التساؤل هل هناك بالفعل علاقة حتمية أو صلة جدلية بين مرحلة الشباب وظاهرة التطرف ؟
ولعل الإجابة على هذا السؤال تقتضي التعرض إلى ذكر ماهية الشباب وخصائصه من ناحية وتعريف التطرف ومواصفته من ناحية أخرى، وذلك لمعرفة هل هناك علاقة أو تلازم بين الظاهرتين .

فما ملامح التطرف ومواصفاته ؟

يمكن تعريف التطرف بأنه الغلو المفرط والشطط الجامح وعدم مراعاة الوسطية وعدم اعتبار التوازن الذي يتركز عليه الوفاق والانسجام بين الآراء والمواقف والمقاربات والمسلكيات المختلفة.
إنه التعبير عن أحادية النظرة والشمولية ورفض الاختلاف ونكران التعددية.
إنه السعي إلى فرض الذات وإحكام السيطرة بالقوة وإخضاع الآخر بواسطة الإكراه والتعسف واللجوء إلى القوة والعنف والترويع والإرهاب الفكري والمادي.

التطرف هو بالتالي نقيض الوسطية والقبول بالتعددية الفكرية والتنازلات المتبادلة والتوافق عبر الحوار السلمي والنقاش الرصين والإقناع من خلال المحاججة الهادئة.
فالتطرف إذن موقف إقصائي أناني لا مجال معه لوجود قيم الندية والتعددية والقسطاس التي تقوم عليها الديمقراطية.

بقي الآن أن نعرف الشباب ونذكر خصائصه ومميزاته:
الشباب كما يعرف الجميع هو الشريحة الاجتماعية التي يتراوح عمرها بين 15 و 30 سنة.
وتختص هذه الشريحة بخصال ومواصفات مميزة ولها عقلية ومسلكيات تنفرد بها عن غيرها من الفئات الاجتماعية الأخرى.
فمن وجهة النظر الجسدية يمتاز الشباب بالعنفوان والنشاط والحيوية والتوفر على فائض من الطاقة قد تكون خلاقة وقد تكون هدامة حسب الوجهة التي توجه إليها.

ومن وجهة النظر النفسية يتسم الشباب بالحساسية وسرعة الانفعال وسهولة التأثر والجنوح إلى التمرد على القيود الاجتماعية و على الامتثالية وبالميل إلى التحدي والمجابهة والمغامرة وعدم الاكتراث التي تصل أحيانا إلى التهور فضلا عن المخاطرة المترتبة عن التلقائية وعدم المقدرة على قياس المخاطر وتقدير العواقب.
كما أن الشباب ميال بطبعه إلى الطوباوية والمثالية ويطمح إلى العدالة والمساواة، وينفر من الظلم والغبن والإهانة والإذلال ويرفض العسف والغطرسة والتسلط.
فالشباب منجذب إلى تبني القيم السامية والإيمان بالمثل العليا كالحرية والعدالة والمساواة وإشاعة الحب وتوفير السعادة للجميع.

إلا أن الشباب بحكم طبيعته ميال إلى الاندفاع والجموح والنزق والمغامرات غير المحسوبة النتائج لكن هذه التصرفات مرحلية ومؤقتة وقابلة لأن يحد منها ويسيطر عليه جزئيا أو كليا حين يتم اتخاذ الإجراءات الملائمة وانتهاج المسالك المواتية لذلك، فهذه المسلكيات وهذه المواقف التي تميز الشباب هي وليدة حالة ظرفية ومؤقتة وعابرة ومن ثم فإنه لا يمكن بحال من الأحوال وصفها بالتطرف الذي يتمثل في التصرف الأهوج الهدام والمبيت.
لكن من المؤكد أنها قد تتحول إلى تطرف مدمر إذا لم تتخذ الاحتياطات الضرورية للحيلولة دون ذلك.

بعبارة أخرى إن حيوية الشباب والطاقة الهائلة الكامنة فيه إذا لم يصرفا في تحقيق إنجازات محسوسة ويوجها إلى ممارسات مثمرة، وإذا لم تتم مراعاة المثل التي يؤمن بها واحترام القيم التي يستأنس بها، وإذا ما تم إخضاعه للعسف والمعاناة والإهانة والدونية، وإذا ما سدت في وجهه الآفاق وسيطر عليه اليأس والقنوط، عندها فإن شعوره بالغضب وميله إلى التحدي والمغامرة غير محسوبة العواقب تتحول إلى عوامل قد تقود إلى التطرف الجارف الذي قد يحول البلدان إلى خراب ودمار يكونان وبالا على الجميع.

وعندها فالمسؤولية لا تقع على الشباب بقدر ما تقع على السلطات السياسية المسئولة عن تدبير الأوضاع في هذه البلدان.
الحقيقة أن التطرف ليس سلوكا تلقائيا ومجانيا أو عبثيا آت من فراغ، بل لابد أن له أسبابا ودواعي ومبررات يجب تشخيصها ومعالجتها، إذ أن الأمور في الغالب تزول بزوال مسبباتها.

فما هو التطرف في تجلياته السلبية المهددة للوئام والسلم الاجتماعي ؟
يتمثل ذلك في المبالغة والغلو والشطط وتخطي كل الحدود المتفق عليها في سياق اجتماعي معين، ويتجلى في الجموح المفرط، والإخلال بالموازين التي ترتكز عليها حياة المجموعات والأفراد وفي الخروج عن الوسطية وعن الوفاق والتطرف يرتكز على الأنانية والشمولية وأحادية النظرة ونكران التعددية ورفض الاختلاف والرغبة في السيطرة وفرض الذات، وإخضاع الآخر لرؤية معينة أو سلوك أحادي الجانب بواسطة الإكراه والعنف واللجوء إلى القوة والترويع والإرهاب الفكري أو المادي.

وهل الشباب بحكم طبيعته متطرف ؟
لا ليس الأمر كذلك، لكن الشباب كما ذكرنا حساس، سريع الانفعال، ميال إلى المجابهة والتحدي، مولع بالمغامرة والفضول، منجذب إلى كل طريف وجديد ومتطلع إلى المستقبل.

وينبغي أن لا يتم الخلط بين عنفوان الشباب وولعه بالتجديد والخروج عن المألوف ورغبته الجامحة في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية وبين التطرف، فعنفوان الشباب وتوقه إلى المغامرات غير محسوبة العواقب تصرفات مؤقتة ومرحلية تزول بتخطي تلك المرحلة من العمر.

بيد أن الشباب إذا لم يعط الفرصة لصرف شحنة الطاقة الكامنة فيه وإذا لم يتح له أن يستثمر حيويته في عمل إيجابي ذي مردودية، وإذا سدت في وجهه الآفاق وأصيب بالإحباط واليأس فإنه لا محالة سيسخط ويغضب ويصبح ناقما على المجتمع، حاقدا عليه، فتولد لديه الرغبة في الانتقام والهدم وهنا يتحول غضبه ونقمته إلى تطرف قد يتخذ أشكالا عديدة غير محمودة العواقب لاشك أنه من الحصافة والحكمة تفادي وقوعها والحيلولة دون ظهورها.

-- محمد الأمين ولد الكتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*