الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » معقولية التنوع.. والتنشئة على أدب الاختلاف!

معقولية التنوع.. والتنشئة على أدب الاختلاف!

هذه قيمة مهمة من الضروري أن تمثل بعد مركزيا في تربية النشء، وهي ” معقولية التنوع والاختلاف” فحين لا يرى الطفل إلا نفسه في المنزل يكون أنانيا وربما تحولت مشاعر الحب الواجبة تجاه أشقائه لمشاعر سلبية تزاحم بل قد تهيمن على مشاعر الحب والرحم الواجبة تجاه أسرته وأشقائه!

وقد يتصاعد الأمر بهذا الطفل ويصبح صاحب رؤية، أو تتكون له رؤية، ويكون قد تعود في حياته على هذه النظرة الذاتية المقدسة لذاته وما تؤمن به وتراه صوابا فقط، يكون التعصب، وتكون شدته على الآخرين بقدر شدة تدليله وخضوعه لنفسه وهواه أو ما يراه صوابا..

وقد لاحظت دراسات لعدد من علماء النفس أن كثيرا من المتطرفين والمتعصبين ممن قاموا بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، أو قاموا بتفجيرات لندن بعدها بقليل، وغيرهم، أنهم لم يكونوا مرضى نفسيين أو أشخاصا غير طبيعيين قدر ماكانت التنشئة الاجتماعية الخطأ التي كرست النظرة الأحادية أو عودت الطفل الذي صار شابا متطرفا منذ صغره على إنفاذ ما يريده، عودته للخضوع لما يراه صوابا دون اعتداد أو تقدير بقيمة أو حق المختلفين في اختلافهم..

لذا كان ضروريا غرس قيمة التنوع والاختلاف ومعقولية التنوع، أن تكون فردا وسط أفراد، وأن يكون الإقناع ومرونة الحوار والفكرة في مقابل الفكرة هي الأساس الذي تنطلق منه علاقات الحوار وعلائقه مع الآخرين، طالما لم يكن هناك مضرة ولا إضرار، ويكون الشرع والعرف معيارا حاكما للموازنة بين الآراء..

ألف في تراثنا الإسلامي حسب ما يروي أبو عبد الله المروزي في مقدمة كتابه” اختلاف العلماء” ما لا يقل عن سبعين مؤلفا قبله فقط تؤكد على حق الاختلاف وآدابه في تفسير اختلافات الأحكام بين فقهاء الأمة.. كما عرف تراثنا الإسلامي كذلك رفض الأئمة إلزام غيرهم بآرائهم، بل زهد بعضهم في الهيمنة على اجتهادات المختلفين معه، كما حدث عندما طلب أبو جعفر المنصور من إمام أهل المدينة أن يسود الموطأ على ما سواه من كتب الفقه ومذاهب الأئمة!

كما يذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الل- رفض طلب الوالي أن يقتص له من مخالفيه الذين أودعوه السجن في القلعة، كالقاضى ابن مخلوف المالكي والصوفي ابن عطاء الله وغيرهم، عافيا عنهم، وهو ما اعترف وأقر به ابن مخلوف نفسه مؤكدا على قدر الشيخ وعلمه وحلمه الذي جعله يعفو عمن آذوه حين قدر عليهم.

أيها الإنسان.. أنت لا ترى نفسك:

حين يستيقظ كل منا كل صباح ويفتح عينيه يرى كل ما حواليه ولا يرى نفسه، هذه حاجتنا للآخرين ومراياهم، وهكذا كان حديث السلف الصالح رضوان الله عنهم عن طلب إهداء العيوب، وتأكيد الشرع الحنيفة على أن الدين النصيحة، وأن الاكتمال يكون بتكامل الرؤى عبر جسر الشورى والاستشارة!

حدثتنا والدة عن عناد ابنها الصغير، الذي يصر على رؤيته في كل شئ، فقلت له هل ترى نفسك، أم أننا نراك؟ فأجاب: بل ترونني ولا أراكم.. فقلت هذا تحتاجنا وهكذا نحتاج الآخرين.. وصله المعنى دون أن ؟اقول إنها معقولية التنوع وحقيقة الاختلاف التي هي واحدة من أعظم الدلائل على عظمة الخالق سبحان وتعالى: ” واختلاف ألسنتكم وألوانكم” واختلاف اجتهاداتكم ورؤاكم، واختلاف ميولكم وأهوائكم ليكن الشرع والخلق والسلام الإنساني والاجتماعي وغاية إصلاح الناس وهدايتهم وأفادتهم، وحفظ ضرورات الشريعة الخمس فيهم، حفظ الدين وحفظ النفس، وحفظ المال وحفظ العقل وحفظ النسل كما حددها فقهاؤنا مع الشاطبي وقبله غاية نبيلة لسائر سلوكياتنا وجهودنا ودورنا في وجودنا الخاص ( الشخصي) أو وجودنا العام( في المجتمع وحيوات الآخرين).

ولعل هذا المبدأ النبيل هو ما أكد عليه في كتابه الثبت” اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم” حين حذرنا أن نقول قول اليهود والنصاري في بعضهم:” وقالت اليهود ليست النصارى على شئ، وقالت النصاري ليست اليهود على شئ، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم: تشابهت قلوبهم”

نسأل الله العافية والسماحة وفكر الاختلاف وأدبه ونسأل الله أن يلهمنا خير الوسائل في تنشئة أبنائنا عليه عصمة وحصانة لهم من التطرف وحظوظ الذات من التعصب على الآخرين!

-- هاني نسيرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*