الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » سيكولوجيا الإرهاب والتطرف : الأنموذج العراقي

سيكولوجيا الإرهاب والتطرف : الأنموذج العراقي

لعله من نافلة القول بأن التطرف والإرهاب خاصيتان سلوكيتان متصلتان ومنفصلتان بنفس الوقت, أي إن الإرهاب يستدعي تشبع ممارسيه بدرجة عالية من التطرف لكي يندفعوا لارتكاب الفعل الإرهابي, لكن ليست بالضرورة كل متطرف هو إرهابي, إلا إن تحول سلوكيات التطرف إلى فعل إرهابي يرتبط بتأثير السياقات والظروف المجتمعية والأطر التاريخية والعوامل الإيديولوجية والدينية , أي أن التطرف أشبه بحامل فيروس خامل ينشط حين توفر البيئة المواتية لكي يتحول إلى فيروس نشط يجسده فعل الإرهاب,  وان سلوك التطرف ـ الإرهابي ليست مقصورة على طائفة بعينها وخاصة عندما تتوفر البيئة الحاضنة له, فبإمكانه أن يكون أراهبا بلباس سني, أو شيعي, أو قومي, أو فاشي وغيره, وخاصة عندما تتشبع هذه المكونات الدينية والاثنية والفكرية بفكرة التطرف والكراهية للآخر المغاير بعيدا عن التسامح والاعتدال والوسطية !!!.

والتطرف وما يدفع إليه من إرهاب يقوم على خلفية الادعاء بتملك الحقيقة المطلقة وفرض الرأي على الآخرين وإساءة الظن بهم وكراهيتهم وتكفيرهم والتحريض ضدهم والوصاية على الناس, وهي سمات للتطرف, ولابد من الإشارة هنا إلى إن المتطرف الحقيقي كما يراه الكاتب الأمريكي اريك هوفر( 1902ـ 1983) في كتابه ” المؤمن الصادق : العقائد وطبيعة الحركات الجماهيرية “, والذي نشر في خمسينيات القرن الماضي, ثم ترجمه إلى العربية الكاتب غازي القصيبي ونشره هذا العام, بأن المتطرف يدعي انه مالك الحقيقة المطلقة ولا يقبل من يقول بأن الحقيقة نسبية, بل يسعى إلى عزله أو ابلسته قبل نفيه.وهو أحادي التفكير لا يقبل بتعددية الأفكار, مقتنع بأن القضية التي يطرها مقدسة, والبرهان عليها  إشراق من داخله, وليس بالحجة والمنطق والمعرفة, ولا يعني ذلك أن المتطرف صاحب مبدأ, بل انه يمكن أن ينتقل من مذهب إيديولوجي إلى آخر, وفي كل مرة يضفي القداسة على مذهبه وبنفس الدرجة من التطرف. لذلك فهو يتوافق نفسيا مع المتطرفين في المذاهب الأخرى, لأنه مثلهم لا يقبلون بنسبية الحقيقة, ولعل هذا التشخيص الاخير يفسر لنا ظاهرة الحراك والتداخل المستمر بين ” جماهير ” النظام السابق وقواعد الأحزاب السياسية ألان في العراق وخاصة الإسلامية منها, حيث اللغة المشتركة في التشكيك في الآخر وإقصائه عند الضرورة وبكل الوسائل غير المشروعة !!!!.

ومؤلف الكتاب المذكور لا يجيب بشكل تقليدي عن أسباب الثورات كما في الكتابات الكلاسيكية أو المعاصرة, فقد تغلغل اريك هوفر في أزمة الفقر وخرائطه وألوانه وجعل من ” محدثي الفقر ” هم رأس الحربة الداعمة لأي “حركة جماهيرية”, ومثلهم من تحسن وضعهم الاقتصادي قليلا ونقلهم من مستوى الإعدام والادقاع إلى وضعية أفضل توفر لهم هامش ما من التفكير والحركة وخاصة في ظل ضعف سلطة الدولة, أي أن الفقراء ليسوا أنصار “للثورات” كلهم, بل محدثي الفقر ومن تحسن وضعهم قليلا فقط, أما المعدمون والمدقعون فهم ابعد عن تأييد “الحركات الثورية”, بل أنهم حسب المؤلف يحسبون على فئة المحافظين بسبب خوفهم الدائم من المستقبل !!!, وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه التحليلات ومدى انسجامها مع الإحداث التاريخية, إلا أنها تضع أمامنا محكا يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة الإرهاب في العراق وخارجه, وهل أن الإرهاب في العراق وليد الفقر فعلا, وهل من يقوم به وينفذه ويحرس عليه هم من الطبقات أو الفئات الاجتماعية المعوزة فعلا ومن لا يمتلكون لقمة العيش, إني اشك في ذلك على الرغم من قناعتي الشخصية أن ظاهرة الفقر المتأصل  قد تحلق بعيدا عن أسبابها المباشرة لترينا المزيد من تداعياته بما فيه بعض من ملامح الإرهاب !!!!.

إن ما يجري في العراق اليوم هو انعكاس للخصائص والسمات السيكولوجية للعقل المتخلف بكل احباطاته وعدوانيته المتراكمة, متخذا من العنف والإرهاب كوسيلة للتخلص من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها النظام السابق وما قبله, وهكذا يصبح القتل على الهوية جزء من آليات الدفاع النفسية التعويضية, فيقع الإنسان المقهور سابقا في نفس أخطاء قاهره المستبد, ويصبح ممجدا للقوة يستبدل بعقد نقصه السابقة تضخما في الذات واستعلاء على الآخرين, ويصبح هو نفسه مستبدا ومتسلطا على غيره, ولعل ابرز سمات هذه العقلية المتخلفة هو ما أكده الكاتب الدكتور مصطفى حجازي في كتابه الشهير ” التخلف الاجتماعي : مدخل في سيكولوجيا الإنسان المقهور “, والتي قام بتقسيمها على النحو الآتي:

1ـ الخصائص الذهنية المنهجية : وتتميز باضطراب منهجية التفكير من جهة, وقصور الفكر الجدلي من جهة أخرى, ويتجلى اضطراب منهجية التفكير بما يعانيه الذهن المتخلف من قصور  الفكر النقدي, فهناك عجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة, بين المميزات والعيوب لمسألة ما, انه يعجز عن الذهاب بعيدا في تحليله  للأمور لأنه لا يدرك أن لكل ظاهرة مستويات من العمق, وهو يكتفي بالمستويات السطحية التي تشكل عادة قناعا يخفي الحقيقة, وهو من ثم يقوم بإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل, وهو إضافة لذلك يتميز بانعدام المثابرة فهو ينطلق بحماس كبير, ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها, ويتميز الفكر المتخلف أيضا بانعدام الدقة والضبط وكل شيء يظل على مستوى التفكير الإجمالي والانطباع العام, كل ما سبق يؤدي إلى العجز عن التخطيط للمستقبل, الذي نرى افقه ضيقا عند الإنسان المتخلف, أما ضعف الفكر الجدلي فهو لب الذهنية المتخلفة, فهي جامدة قطعية وحيدة الجانب تخفق في إدراك الترابط والتفاعل الشبكي بين الظواهر وما ينتج عنه من حركية وتغير.

2ـ الخصائص الذهنية الانفعالية : أن طغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية ظاهرة مألوفة في الأزمات, ولكنها عند الإنسان المتخلف تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود, انه يعيش في حالة من التوتر الانفعالي الذي يعبث في ثنايا شخصيته معطلا القدرة على الحكم الموضوعي والنظرة العقلانية للأمور, أن العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية يدفع بالمرء إلى النكوص إلى المستوى الخرافي, إلى الحلول السحرية والغيبية, إلى الإرهاب باعتباره واجبا مقدسا أو حلا قسريا للأزمة النفسية !!!!.

وعلى خلفية بعض المسلمات السيكولوجية المذكورة يثير الإرهاب في العراق وعملياته وماذا يستهدف الكثير من التساؤلات والحيرة والتأمل في أوساط الكتاب والسياسيين والصحفيين والمتخصصين بشؤون الإرهاب وبالشأن العراقي بشكل خاص, إلا أن هناك تصور ايجابي يلوح في الأفق من أن الإرهاب بنسخته العراقية يكاد يختلف عن الإرهاب الدولي بزعامة القاعدة ـ بن لادن في الكثير من وجهوه وأهدافه وطبيعته وقواه المنفذة, على الرغم من أن رموزه الانتحارية المنفذة تدعي الانتماء إلى القاعدة ـ فرع العراق, الأمر الذي يسهل الإمساك بخيوطه على طريق معالجته والقضاء عليه.

إن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الإرهاب العراقي يمكن التحكم فيه, وهو ذو أهداف سياسية موضعية بحتة, ترتبط بشكل خاص بالبيئة السياسية العراقية الحاضنة له, رغم التمويل والإسناد من دول الجوار أو من دعم ومؤازرة تنظيم القاعدة الدولي, وان دليل ارتباطه وثيقا بالبيئة العراقية هو فترات المد والجزر في العمليات الإرهابية, والتي تكاد تختفي كليا في بعض مناطق العراق, والتي ارتبطت أساسا بطبيعة الصفقات السياسية في تداول الحكم في العراق, والتي أخذت هي الأخرى طابع الشد والاسترخاء, والتي كادت تصل إلى حد المطابقة مع العمليات الإرهابية في علاقة ارتباطيه عكسية فحواها : “كلما حصل الانفراج السياسي ضعفت العمليات الإرهابية وبالعكس”, أي بمعنى آخر أكثر وضوحا أن للعملية السياسية الديمقراطية في العراق ذيول ترتبط مع المنظمات الإرهابية ذات الطابع العراقي البحت ” وهي من مفارقات الديمقراطية العراقية “, وهو مخالف بالتأكيد لأعراف تنظيم القاعدة الدولي الذي لا يعرف الصفقات السياسية والمساومات أو التحالفات المؤقتة مع المخالف الديني أو السياسي بفعل ارتباطه بأهداف لاهوتية كونية تأخذ من تكفير الأخر الديني والطائفي والمذهبي والسياسي هدفا تدميريا لها باختلاف خصوصية المكان وتفاعلات السياسة هنا وهناك !!!.

إن الاختلاف الجوهري والأساسي بين تنظيم القاعدة الدولي والقاعدة العراقية يستند إلى حيثيات كثيرة, لعل أبرزها أن ” القاعدة العراقية ” إذا قصدنا بها كتنظيم إرهابي وليست كفرع من القاعدة الدولية, فهي تضم كل ألوان التنظيمات الإرهابية أو التنظيمات السياسية ذات الأجنحة المسلحة الممولة والمخترقة من دول الجوار, والمخترقة أيضا من فلول النظام السابق ذو القدرة والخبرة العسكرية واللوجستية في تنفيذ العمليات الإرهابية وذو المقدرة الاستثنائية والفريدة في خلط الأوراق واختراق النسيج الاجتماعي العراقي عبر عمليات نوعية تثير الاحتقان الديني والطائفي والعرقي, ومستندة إلى الإرث اللااخلاقي والبغيض للنظام السابق في إبقاء ” العراق أرضا بدون شعب “, وليست بالضرورة أن يكون المنفذ للعمليات الإرهابية بعثي معروفا بانتمائه التقليدي لحزب البعث, لا بل قد يكون المنفذ من منظومة أحزاب الإسلام السياسي وطوائفه المختلفة مستندة إلى التلوث ألقيمي والفكري لكلا الجانبين والتي يجمعها مشترك إقصاء الأخر المغاير في الهوية الدينية أو السياسية, إلى جانب أن الكثير من الأحزاب ذات الصبغة التدينية تنفذ أجندة خارجية تستهدف تقسيم العراق وشعبه والعبث في جغرافيته السياسية والدينية والاثنية وتتقاطع أجندتها ضمنا مع فلول النظام السابق في العبث في الاستقرار بأي ثمن, ولذلك تلجأ هذه القوى إلى الإرهاب كآلية للوصول إلى الأهداف عبر تشتيت مكوناته الدينية والاثنية وخلق حالة الجزع النفسي والفكري وصولا إلى اقتناع الفئات المتضررة من الإرهاب بضرورة ترك العراق,ولكي يخلو الدار إلى المتصارعين الثيران الكبار كما هو الحال في مجزرة كنيسة النجاة !!!.

إن كل متابع للمشهد السياسي العراق لم يرى في ” القاعدة العراقية ” إلا كونها الذراع المسلح للبرلمان العراقي, فهي تنطلق فورا في عملياتها الجبانة حال انفراط عقد السياسة في قبة البرلمان لتوغل في العنف وإراقة الدماء ولتحقيق أجندتها عبر التهديد والوعيد. أن العمليات الإرهابية في العراق تنسجم كثيرا مع رؤى البروفسور بروس هوفمان في قوله : ” إن الإرهاب هو الخلق المتعمد للخوف واستغلاله في تحقيق التغير السياسي , وبالتالي فهو دون شك شكل من أشكال الحرب النفسية “, ويؤكد أيضا أن الناس كثيرا ما يتعرضون للقتل والإصابات المأساوية في هجمات الإرهابيين, إلا أن الإرهاب بطبيعته يرمي لأحداث آثار نفسية بعيدة المدى بشكل يتجاوز الضحية أو الضحايا المباشرين وما استهدفه عنفهم, فالإرهاب يرمي إلى غرس الخوف في داخل النفوس وبالتالي إلى إرهاب المجموعة التي يستهدفها الإرهابيون وللتأثير على سلوكها. أن الإرهاب في العراق يجسد هذا النمط من التصور للفعل الإرهابي في محاولة لإعادة بناء التحالفات السياسية وفق أجندة خارجية وداخلية وفي ظل ظروف غياب ملموس لسلطة الدولة والقضاء العادل وضعف الممارسة الديمقراطية, يقابلها في الطرف الآخر مواطنا مخترق في الأمن والخدمات والعيش الكريم !!!.

-- د. عمر صالح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*