الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » دور المرأة والأسرة في نشر قيم الوسطية والإعتدال

دور المرأة والأسرة في نشر قيم الوسطية والإعتدال

عندما نقرأ في سورة لقمان تلك الوصايا الثمينة من أب لولده يعطيه فيها عصارة تجربته في الحياة وأوصاه بالتزام التوسط والاعتدال ويظهر ذلك واضحا في قوله عز وجل :{ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (19)- لقمان.

وكانت هذه الوصايا في إطار أسري يعكس أهمية الوصايا وأهمية الإطار إذ تعتبر الأسرة المركز الأساسي في بناء مجموعة القيم عند الفرد وهي المؤسسة التي تتولى مهمة نقل القيم من جيل إلى جيل عبر الزمان والمكان ولهذا أولاها الإسلام أهمية كبرى ووضع القواعد الضرورية لبناء هذه المؤسسة المهمة والتي هي آية من آيات الله في هذا الكون { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (21)- الروم .

بداية بالاختيار وانتهاء بتقديم النموذج :

1- الاختيار: في تكوين الأسرة [تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس…]2- توفير مقومات الاستقرار و الاستمرار: الرحمة، السكن، المودة ،المعاشرة بالمعروف،القوامة والشورى، والمسؤولية، حقوق وواجبات الزوجين [كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …]3- المعالجات: الطلاق ،الخلع ،الحضانة .
4- تقديم النموذج: حياة النبي صلى الله عليه و سلم مع زوجاته [خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ..]كل هذه العوامل يقدمها الإسلام واضحة من أجل أن تستمر هذه المؤسسة في أدوارها عبر الزمان و المكان .

إننا لما نتكلم عن قيم الوسطية والاعتدال التي يجب أن ننشرها داخل أسرنا وفي المجتمع نريد أن نشير إلى أسباب ومظاهرالغلو والتطرف على مستوى الفكر والسلوك داخل الأسرة والتي من بينها :

1) انتشار ظاهرة الانتحار عند المراهقين والشباب: و التي تعد مظهر من مظاهر التطرف إذ يلجأ من يشعرون  بالإحباط والتهميش والإقصاء إلى وضع حد لحياتهم.
2) ظاهرة الهروب من البيت و المدرسة: يلجأ الأطفال إلى الهروب من البيت بسبب النزاعات الأسرية أو مشاكل في الدراسة ( لضعف التحصيل الدراسي مع الخوف من الوالدين) ويشكلون شريحة جديدة وهي أطفال الشوارع وهي معرضة لجميع الأخطار( التسول، العمالة ، السرقة ، المخدرات ….).
3) انتشار العنف اللفظي والجسدي: و انتشار ظاهرة السب والشتم و أحيانا لأتفه الأسباب وانتشاره في الأنشطة الرياضية في الملاعب بما يسمى عنف الملاعب، في المدارس سواء بين الطلاب أوبين الطلاب و المعلمين.
4) ظاهرة الانخراط  في شبكات الإجرام و المخدرات: ظاهرة جنوح الأحداث في سن مبكرة جدا نتيجة  الخروج المبكر من المدرسة بما يسمى التسرب المدرسي .
ظاهرة الانخراط في التيار التكفيري عند الشباب والعمل المسلح أوالتنصر  .

ولعل هذه المظاهر هي نتائج لأسباب نذكر منها :

1. على مستوى الأسرة :
* سوء استعمال مفهوم القوامة : يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:”فالرجل رب البيت والقيم على الأسرة بيد انه في اغلب الأحيان تصبح الرياسة لون من ألوان الفرعونية والإنفراد بالسلطة فلا تفاهم و لا شورى ….” فالقوامة التي أقرها الإسلام للرجل
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (34)- النساء .

 ولا يكون هذا الإقرار سببا في المساس بكرامة المرأة وإهانتها والدوس على شخصيتها وحقوقها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى عليه وسلم [لايفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها بآخر ….] .

* تفكك الأسرة: الطلاق وفقد الأبناء للحضن الذي كان يجمعهم ويحيطهم بالرعاية ويوفر لهم أجواء النمو الطبيعي.

* الشقاق المستمر داخل الأسرة : فقد يتعامل أفراد الأسرة مع الجمادات أكثر من تعاملهم مع بعضهم البعض عن طريق الهاتف، التلفاز، الاتصال عبر النت وذلك لغياب الحوار داخل الأسرة الذي يجسده التفاهم والتعاون

* الإفراط في القسوة في التربية: فالقسوة البالغة تعود على الخوف والجبن والكذب والتحايل للنجاة من العقاب
يقول ابن خلدون في مقدمته : من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أوالخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها وحمله على الكذب والجبن خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة ولذلك صارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له …

وقد تترجم هذه القسوة بما يصطلح عليه اليوم بالعنف داخل الأسرة سواء كان لفظيا أوجسديا و يعتقد البعض آباء وأمهات أن العنف الذي مورس عليهم في صغرهم  يجب أن يمارسوه على أبنائهم ويكون هذا عن طريق النقد والنهر واللوم المستمر والإذلال والاتهام بالفشل والاستهزاء والإهانة كما أن الضرب والعقوبة القاسية تؤدي إلى حدوث حالات الاكتئاب والانتحار والتعثر في الدراسة.

إن الإفراط في القسوة يفقد الطفل الإحساس بالأمان سواء كان ذلك مع والديه أوعند فقد أحدهما فتكون قسوة الولي زوج الأم أو زوجة الأب أكبر والتوجيه القرآني {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} (9)- الضحى.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم [ إن الله رفيق يحب الرفق و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ] رواه مسلم.
الإهمال وتخلي بعض الأسر عن أدوارها في الرعاية والتربية وتوكل ذلك إلى المدرسة  والشارع
الأوضاع الاقتصادية الصعبة للأسر والمستوى المعيشي المتدني: الفقر والمرض  والدفع بالطفل لتحمل مسؤولية أسرته والبحث عن عمل نجده في الغالب لايناسب سنه وقدراته يجعله يقترب أكثر من فضاءات  الخطر.
الاختلال في التوازنات الإجتماعية: تقلص الطبقة المتوسطة وتوسع الهوة بين طبقتين اجتماعيتين طبقة غنية ( الثراء) وطبقة فقيرة أو تحت خط الفقر حيث يصبح المناخ  ملائما لنمو الفكر المتطرف.

2. خارج الأسرة :
¯  التخلف العلمي و انتشار الأمية
¯  غياب رؤية تجديدية عند الحركات الإسلامية
¯  انتشار المظالم: الرشوة، الفساد
¯  السجال الحاصل بين تيارات العلمنة و التغريب و التيارات الإسلامية
¯  التدين السطحي
 
المعالجـات:
 1- إيجاد و تفعيل فضاءات و مساحات التواصل :

أ‌- الفضاء الأول: بين العلماء والأمة.
من أجل نشرالفهم الصحيح للإسلام والسلوك الصحيح وتقديم النموذج من عبر المعارض والملتقيات والمحاضرات وكل وسائل الاتصال الممكنة ويعمم هذا على القطاعات كلها.
بين العلماء و الشباب: وخاصة منهم طلبة الجامعات

ب- الفضاء الثاني: بين الحكام (المسؤولين) والشعب
كلكم راع  وكلكم مسؤول عن رعيته وذلك من أجل رفع المظالم وتصحيح الإختلالات وإشراك الثروة البشرية في الانتفاع بالثروة المادية .

ت‌-  الفضاء الثالث: بين العلماء والحكام
من خلال الاستشارة والنصح و الحاكم الذكي هو الذي يستفيد من مشورة العلماء وخبرة  المجربين ويوظف جميع القدرات الإبداعية فيما يخدم مصالح الأمة و ذلك عبر استحداث هيئات للتشاور والبحث والاجتهاد خاصة فيما يستجد من أمورالأمة
العقوبات / قوانين الأحوال لشخصية/ المعاملات الاقتصادية / المناهج التعليمية

2- البرامج الموجهة للأسرة:

أ‌- العلماء: مسؤولية العلماء في  متابعة أوضاع الأسر و تصحيح كلما هو خطأ أوملتبس أو سوء الفهم أوسوء التطبيق وأن كل عالم يجب أن يأخذ على عاتقه جزء من هذه المشاكل عبر الموجودة أو استحداث هيئات جديدة إن استدعى الأمرذلك وخاصة مسألة القوامة والواجبات المشتركة بين الزوجين .
ب‌- الإعلام : معالجة ما اشرنا إليه سابقا عبرالدراما والمسرحية و ليس فقط إبراز القضايا كل يوم على صفحات الجرائد
ت‌- الحكومات :
¯  إنشاء مراكز التوجيه والإرشاد الأسري
¯  التحسين المستمر للأوضاع المعيشية للأسر
¯  إجراءات قانونية من أجل معالجة أوتقليص الظواهر( أطفال الشوارع، عمالة الأطفال ،العنف الذي يتعرض له الأطفال )
¯  توفير الأجواء المساعدة على التربية ( فضاءات اللعب للأطفال، المساحات الخضراء)
3- الواجبات الأسرية الملزمة :
¯  حقوق وواجبات الزوجين المحددة بالقانون والشرع
المادة 36 من قانون الأسرة الجزائري المعدل والمتمم بالأمر رقم5-1في 27فيفري2005
يجب على الزوجين
¯  المحافظة على الروابط الزوجية و واجبات الحياة المشتركة
¯  المعاشرة بالمعروف و تبادل الاحترام و المودة و الرحمة
¯  التعاون في مصلحة الأسرة و رعاية الأولاد وحسن تربيتهم
¯  التشاور في تسيير شؤون الأسرة و تباعد الولادات
¯  المحافظة على روابط القرابة و التعامل مع الوالدين والأقربين بالحسن والمعروف
¯  زيارة كل واحد منهما لأبوية و أقاربه واستضافتهم بالمعروف
 
4- تنشئة الأبناء على القيم السمحة والوسطية والاعتدال :
ذكرنا سابقا أن كثيرا من الأسر بسبب عوامل مختلفة أصبحت الوظيفة الأساسية لها (من تربية الأبناء على القيم و محاسن الأخلاق و الفضائل) مهمة ثانوية أوكلت إلى الشارع أوالمدرسة أو وسائل الإعلام و هذا خطر كبير وجب أن ننبه إليه لتعود الأمور إلى نصابها
1-  التنشئة على الوسطية في التفكير : التدريب على المرونة فالأمور ليست كلها سوداء وليست كلها بيضاء
¯  توظيف العقل في الحكم على الأشياء باستعمال الموازنات
¯  العدل في الحكم على الأمور حتى على من خالفنا في الرأي
¯  نقول للمحسن أحسنت و للمسيء أسأت
¯  عدم التعصب للرأي على قاعدة  “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب”
¯  نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه
¯  الاختلاف لايفسد للود قضية
2- الوسطية في السلوك :
الوسطية في التعامل مع الآخرين
التسامح و التنازل
رحمة الصغير وتوقير الكبير
 
3- الوسطية في نمط العيش : الإعتدال في المأكل و المشرب و الملبس (نوعه و شكله و قيمته) والإعتدال في النفقات و المصاريف {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُورا } (29)- الإسراء  و التعويد على القناعة والرضا بما أعطاه الله له وعدم اللجوء إلى أسلوب المقارنات بين العائلات و الأقران.
4- الوسطية في العلاقات الإجتماعية :
صلة الأرحام و ذوي القربى ( أهل الزوج وأهل الزوجة معا أحيانا نجد الزوجة لا تصل  أرحام زوجها و أقاربه والعكس و تنشأ قطيعة الرحم عند الأبناء نتيجة عدم العدل في هذا الأمر )
¯  التعامل مع الجيران : قطيعة الجيران بسبب مشكلة أوأخرى …..
¯  المعارف والأصدقاء خاصة لدى الأبناء: فلا انطوائية وعزلة ولا علاقات بلا حدود ولا ضوابط أي حسن اختيار الأصدقاء بما فيها  (أصدقاء النت )
5- الوسطية والاعتدال في تربية الأبناء :
¯  عدم استعمال القسوة في تربية الأبناء والعدل بينهم  ( قضية ميراث البنت )
¯  التعاون والمسؤولية المشتركة للوالدين في تربية الأبناء ( ليست الأم وحدها المسؤولة عن تربية الأبناء)
¯  الحوار داخل الأسرة : حول مختلف القضايا وإشعار كل فرد في الأسرة أنه مهم و له رأي محترم
¯  توفير جو المودة والرحمة و السكن داخل الأسرة حتى تنتقل هذه المعاني إلى الأبناء وهم يبنون  أسرهم في المستقبل وأن لا يتأثرأفراد الأسرة بالأفكار الغربية حول استقلالية الابن أوالبنت بمجرد  وصوله السن القانونية للرشد.
6- الوسطية في الحب والبغض :
¯  الحب في الله : حب الله و رسوله والصحابة والتابعين و العلم والعلماء والمقدسات
و إننا لا نبغض اليهود لأنهم يهود ولكن لاغتصابهم الأرض والمقدسات وظلمهم وجورهم.
¯ الوسطية في :
في تنظيم الوقت
بين الدراسة والعمل
و قضاء شؤون البيت
الرياضة
مشاهدة التلفازأوالنت
المسجد
حتى لا تنقلب الحياة إلى فوضى مع تقدير الوقت و احترام  المواعيد [ ساعة وساعة….] ، [ إن لبدنك عليك حقا]¯ التنشئة على الوسطية ( حب الذات و حب الغير ) :[ لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه ….]التنشئة على التعاون والسعي   لقضاء حوائج الناس  والتدريب على الخدمة والتطوع .
و إذا كانت هذه بعض القيم التي يجب أن تغرسها الأسرة وتعيش بها وتنشرها في الأسرالأخرى فإنه هناك قيم أخرى يمكن أن ننشرها كأفراد نساء ورجال وكمؤسسات نذكر منها :
– الاعتدال في الانفتاح على ثقافات المجتمعات الأخرى : حتى لايفقد المجتمع مميزاته وهويته وانتمائه ولا يذوب في تقاليد أخرى.
– الاعتدال بين دعاة  التحرر ودعاة التزمت: لا للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ،لا للصراع ولا للتضاد، لا للإقصاء والتهميش والعلاقة بين الرجل والمرأة مبنية على التكامل في الأدوار {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } (195)- آل عمران  لا على الصراع وتبادل المواقع.
وللمرأة أن تشارك في كل شؤون الأمة سواء فيما تعلق بالعمل والسياسة والجهاد والدعوة والبيع والشراء والتجارة وطلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمشاركة في أعمال البر والخير أوالمعاملات المختلفة ولامانع إلا مامنعه الشرع ونظمه القانون .

-- فاطمة سعيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*