الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » ( العنف ضد النساء ظاهرة مركبة ) دراسة من الواقع المغربي

( العنف ضد النساء ظاهرة مركبة ) دراسة من الواقع المغربي

كشف السيد أحمد الحليمي يوم الإثنين 10 يناير 2011 عن نتائج البحث الميداني الذي أنجزته المندوبية السامية للإحصاء حول انتشار ظاهرة العنف ضد النساء على مدى الفترة الممتدة من يونيو 2009 إلى يناير 2010 ، في مجموع التراب الوطني ، وشمل عينة تضم 8300 امرأة ؛ كشفت عن مدى تفشي ظاهرة العنف ضد النساء في المجتمع المغربي بحيث قارب عدد النساء اللائي تعرضن لشكل من أشكال العنف خلال الإثني عشر شهرا التي سبقت البحث 6 ملايين من أصل 5ر9 مليون امرأة تتراوح أعمارهن ما بين 18 و 64 سنة، أي بنسبة (8ر62 في المائة).

إنه رقم كبير ومخيف يعكس خطورة الظاهرة وتفشيها في المجتمع رغم الجهود التي تبذلها الدولة على مستوى وضع التشريعات القانونية التي تجرم العنف ضد المرأة .

ولعل أبرز النتائج التي ينبغي الوقوف عندها لما تثيره من مفارقة على مستوى الفهم بسبب الإسقاطات القيمية التي تصنف سكان العالم القروي ضمن الفئة الأشد ميلا إلى ممارسة العنف ضد النساء كثقافة وسلوك يشكلان ذهنية الإنسان القروي ويحكمان علاقته بالمرأة كمخلوق تصنفها الثقافة المحافظة في مرتبة الدونية التي تكاد تساوي بين المرأة والدابة من حيث الوضع الاعتباري والقيمي ، والذي تجسده العبارة التي ظلت تتداولها الأوساط البدوية كلما ذُكرت المرأة وهي ” الولية حاشاك” ؛ مما يفيد أن مفردة “حاشاك” تذكر تكريما للمخاطَب في حال الإتيان على ذكر البهيمة لوضاعتها وحقارتها قياسا لمكانة الشخص المخاطَب .

ولعل هذا أشد أنواع العنف ضد النساء لأنه يصيب المرأة في آدميتها وإنسانيتها ويجردها منهما حين يحشرها ضمن أحقر الدواب وأبخسها ؛ فيكون باعثا على اعتماد الأسلوب الذي يقتضيه التعامل مع هذا النوع من المخلوقات ، ألا وهو العنف بكل أنواعه وأساليبه .

وجاءت هذه النتائج لتعلن زوال الصورة النمطية للإنسان البدوي الذي ارتبطت به ممارسة العنف كتقليد وثقافة وقيمة ، ولتصحح ، في الوقت نفسه ، نظرة المجتمع والباحثين إلى هذه الفئة المرتبطة بالنشاط الفلاحي والرعوي .

فالنتائج التي أسفر عنها البحث تؤكد أن المرأة تتعرض للعنف في الوسط الحضري بمعدل يزيد ب 7،12 في المائة عن المرأة في العالم القروي في ما يخص العنف الجسدي في الحياة الزوجية، وبـ` 4،35 في المائة في ما يخص العنف الجنسي وب` 8،7 في المائة في ما يخص العنف النفسي.

بالتأكيد أن المجتمع المغربي يعيش تحولا عميقا على مستوى بنياته الذهنية والاجتماعية تضع العلوم الاجتماعية والنفسية والأنثربولوجية أمام ضرورة رصد هذه التغيرات وتحديد عواملها ؛ لأن هذه النتائج تطرح إشكاليات عديدة منها على سبيل المثال : هل ارتفاع نسبة العنف ضد النساء في الوسط الحضري مرتبطة بظاهرة ترييف المدن الناتج عن الهجرة القروية سيما وأن نسبة انتشار العنف الجسدي في إطار الحياة الزوجية ترتفع بين ذوي المستويات التعليمية المتدنية ، بحيث تصل لدى النساء المتزوجات من أزواج بدون مستوى دراسي (8ر6 في المائة مقابل 9ر3 في المائة للذين يتوفرون على مستوى التعليم العالي) ؟

إن كان الأمر كذلك ، ما الذي يجعل نسبة اللجوء إلى العنف ضد النساء في البادية أقل بكثير مقارنة مع المدينة؟ هل الضغوط المادية والنفسية عوامل مسببة أم مساعدة على ارتفاع نسبة العنف في المدن ؟ إن ممارسة العنف ضد النساء يشمل جميع الفئات الاجتماعية ، إلا أنه يزداد استفحالا وسط الأزواج العاطلين بنسبة 8ر9 في المائة مقابل 8ر5 في المائة بالنسبة للنشطين المشتغلين،  وبنسبة 1ر13 في المائة بالنسبة للذين يزاولون عملا موسميا مقابل 2ر5 في المائة بالنسبة للذين يتوفرون على عمل قار.

ومن النتائج المثيرة التي كشف عنها البحث أن نسبة ضحايا العنف الجنسي من النساء بالوسط الحضري تفوق مثيلتها في الوسط القروي بثلاثة أضعاف ؛ بحيث بلغ عدد ضحايا هذا العنف بالوسط الحضري 2ر2 مليون مقابل (712 ألف) بالوسط القروي .

ونفس الأمر فيما يتعلق بالعنف النفسي الذي اعتبرته الدراسة الأكثر انتشارا وذلك بمعدل 4ر48 في المائة ، أي ما يمثل 6ر4 مليون ضحية موزعة كالتالي (3 ملايين بالوسط الحضري و6ر1 مليون بالوسط القروي).

وبالقدر الذي تتسع فيه ظاهرة العنف ، فإنها تستفحل وسط النساء الشابات ، حيث بلغت نسبة ضحاياها من الشابات البالغات من العمر ما بين 18 و24 سنة  ، بلغت  57 في المائة مقابل 4ر48 في المائة بالنسبة للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 35 و39 سنة .

لا شك أن النتائج التي كشفت عنها هذه الدراسة في موضوع العنف بكل أشكاله ضد النساء ، تضع الدولة وكل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والتربويين والإعلاميين والفقهاء أمام مسئوليات جسيمة للنهوض بأوضاع المرأة ورفع كل أشكال الحيف والتمييز ضدهن .

ولعل الفتوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى في موضوع النساء السلاليات وحقهن الشرعي في الميراث تكون بداية الانخراط العملي للفقهاء في تحسيس المجتمع بمخاطر العنف ضد النساء في تنسيق مع باقي الفاعلين .

خصوصا وأن الدراسة الميدانية التي أنجزها مرصد “عيون نسائية” الذي يضم جمعيات مناهضة للعنف ضد النساء ، تؤكد أن العنف الزوجي ( العنف المرتبط بالممارسات الجنسية الشاذة داخل بيت الزوجية )  يشكل 8 في المائة من مجموع أشكال العنف الممارس ضد الزوجة.

الأمر الذي يستدعي ضرورة الإسراع بوضع التشريعات القانونية الكفيلة بحماية المرأة وتجريم الاغتصاب الزوجي نظرا لفشل المعنفات جنسيا من قبل الأزواج في تقديم شكاواهن لدى السلطات الأمنية التي لا تأخذها بعين الاعتبار لإنجاز محاضر المتابعة في حق الأزواج المعنِّفين ، فضلا عن هذا فقد كشفت جريدة الأحداث المغربية ــ في الملف المخصص لعالم الأسرة يوم 12/01/2011 استنادا إلى المعطيات التي تتوفر لمراكز الاستماع للنساء ــ  عن عنف أفظع تتعرض له بعض الزوجات حين يرغمهن الأزواج على معاشرة رجال آخرين تحت التهديد والابتزاز .

نحن إذن أمام ظاهرة العنف ضد النساء كظاهرة متشعبة ومركبة تنخر مفاصل الأسرة والمجتمع  ، ولا سبيل لتطويقها والحد منها إلا بتضافر الجهود واعتماد آليتي التحسيس والزجر حفاظا على كرامة المرأة واحتراما لإنسانيتها .

-- خاص بالسكينة - سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*