الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » دراسات تربوية » الرحمة .. منهج حياة

الرحمة .. منهج حياة

أتى الإسلام كمهنج شامل للحياة ، نظام  يجتث الجاهلية من الجذور ،عقيدة وأخلاق تصنعان الإنسان روحاً وفكراً ،تسمو به نحو الكمال  ،حمّله نبيه رحمة بعباده وهو أرحم الراحمين .

والمستقبل هنا للمسلم هو الحياة بعد الموت ، ولن يتحقق هذا إلا أن تكون تصرفاته وسلوكه في الحياة الدنيا رحمانية لانفسانية ،أي خاضعة لتهذيب يجعلها موزونة في ميزان الأخلاق الإسلامية الربانية ، ومن هذه الصفات صفة ربانية أدبنا بها رب العامين ، ألا وهي صفة الرحمة  .
 
الرحمة هي الرقة والتعطف كما في مختار الصحاح للرازي ،وهي صفة إلهية ذاتية ( الرحمن الرحيم ) ،رحمة رحمانية عامة تشمل كافة المخلوقات،المؤمن والكافر،في الدنيا والآخرة ،ورحمة رحيمية خاصة بالمؤمنين في الآخرة وهي الرحمة المستقرة (مستقر رحمته)،وهي صفة نبوية عموماً ومحمدية خصوصاً،وهي صفة تتعدى الإنسان لتشمل الحيوان ،وخُلق إنساني أوسع من أن يكون إسلامي ،عن رسول صلى الله عليه وآله انه قال :(جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق…) .
 
 الرحمة شعور قلبي يدفعك لسلوك خارجي ، يكوّن علاقة إجتماعية فردية أو مؤسساتية كالجمعيات الخيرية  ، ومن تُنتزع منه هذه الصفة فقد خرج عن الفطرة بما كسبت يداه ، وتجلبب بالقسوة كأثر معنوي، ورد عن  رسول الله صلى الله عليه وآله (لاتُنزع الرحمة إلا من شقي ).

منازل الرحمة 

وللرحمة الإلهية منازل ، مكانية وزمانية ،الأولى كمشعر عرفة ، والثانية كليلة القدر ويوم الجمعة ، وهي تنزل من الله تعالى بغير حساب ، والإنسان هو الذي يجعل من نفسه منزل ومهبط لهذه الرحمة أو مطروداً منها وملعوناً ،حسب وعائه النفسي ،وقد يفيض الوعاء النفسي للإنسان بالرحمة الإلهية ليكون هو في ذاته رحمة من الله تعالى ، كالنبي محمد صلوات الله عليه وآله (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )).

مظاهر الرحمة

وللرحمة الإلهية مظاهر منها إنزال القرآن (( وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين إلا خسارة ))  ، وكذلك هبوط المطر ،ذكر الله في كتابه : ((فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يُحيي الأرض بعد موتها )) والرحمة في الآية المطر .وتبديل السيئات إلى حسنات من الله للعبد التائب ،رحمة أيضاً .والبكاء من الإنسان لمخلوق من بني جلدته أو لبهيمة عجماء مظهر آخر للرحمة ، روي عن رسول الله انه قال عندما دمعت عيناه لموت إبن إبنته (هذه رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده ،وإنما يرحم الله من عباده الرُحماء )،والبر بالوالدين في الكبر رحمة (( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة )).
 
أبواب وموجبات الرحمة

وللرحمة موجبات أهمها الدعاء والتضرع لله سبحانه وتعالى في السراء والضراء وذكر الله عموما لقول الرسول صلى الله عليه وآله:( ما إجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ) ،والتوبة من الذنوب ( إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما) ، ورحمة المخلوق لمخلوق مثله تستوجب رحمة الله ،حيث أوصى الإسلام بالتراحم بين كافة افراد المجتمع ، صغيرهم وكبيرهم ، حُرهم ومملوكهم ، غنيهم وفقيرهم ، ذكرهم وأُنثاهم ، والروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله تحض على ذلك ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا ) (إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )، وحتى البهائم شملهم برحمته وأوصى المسلم بالرفق بهم وعدم الإساءة إليهم، قال رسول صلى الله عليه وآله :( من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة ).

وعيادة المريض موجب آخر  للرحمة من الله تعالى ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال :(من عاد مريضاً فلا يزال في الرحمة ،حتى إذا قعد عنده استنقع فيها . ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها ، حتى يرجع من حيث خرج ).
 
رحمة النبي في التبليغ نموذج
 
(( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك )) يقول الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب (أن المقصود من البعثة أن يُبلّغ الرسول تكاليف الله إلى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه ، وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لايتم إلا إذا كان رحيماً كريماً ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ،كثير القيام بإعانة الفقراء ،كثير الصفح عن زلاتهم ،فلهذا المعنى قال :((ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك )) ولو إنفضوا من حوله فات المقصود من البعثة والرسالة ).

-- السكينة – التربية والسلوك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*