الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » خطورة إطلاق اللسان

خطورة إطلاق اللسان

نعمة البيان من نعم الله عز وجل التي لا تعد و لا تحصى على بني آدم، ولمكانة هذه النعمة امتن الله بها على عباده بذكرها من بين سائر النعم تنويها لها وتنبيها لمكانتها لتؤدى شكر هذه النعمة على الوجه الذي يرضاه مسديها سبحانه وتعالى.

فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } [الرحمن: 1 – 4].

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (7/ 489): قال الحسن: يعني: النطق. وقال الضحاك، وقتادة، وغيرهما: يعني الخير والشر. وقول الحسن ها هنا أحسن وأقوى؛ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين، على اختلاف مخارجها وأنواعها.

ولما كانت هذه النعمة بهذه المنزلة وهذه المكانة السامية من بين سائر النعم؛ كان دليلا على أن لها شأناً ومكانة ليس لسائر النعم.

ولقد ميز الله تعالى بني آدم بالبيان والفصاحة والكلام؛ وإن كان لكل جنس من المخلوقات ما يناسبها من هذه النعمة؛ إلا أن تمامها كان أظهر في بني آدم من غيرهم، ولذلك جاءت الشريعة بالعناية بهذه النعمة وأداء شكرها على الوجه الأمثل الذي لا يكون فيه ضرر ولا شطط.

ومما يدل على تلك العناية الشرعية تلك التوجيهات الدالة على ضرورة المحافظة على ما يتكلم به الإنسان وما يتفوه به؛ وأنه مسؤول عن كل كلمة يقصدها؛ كقوله تعالى وتبارك اسمه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: 17، 18]، وما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ».

ويكفي إشارة إلى أهمية الكلمة في الإسلام أن بالكلمة-وهي شهادة التوحيد- يدخل المرء بسببها في الإسلام وبسببها يعصم دمه وماله وعرضه؛ وبالكلمة أيضاً-وهي الكلمة الكفرية كسب الله تعالى وسب رسوله صلى الله عليه وسلم ونحوها- يهدر دمه ويحل ماله بالضوابط التي وضعها الشرع في ذلك.

بل من خطورة الكلمة وأهميتها يكون سبب إلقائها من غير علم القائل بها بما تصله من الأثر يكتب لقائلها الأجر العظيم أو الوزر الكبير؛ يشهد لذلك ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.

ومما يشهد لما للكلمة من أثر بالغ من الأثر السلبي على صاحبها ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ جُنْدَبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّثَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ.

والكلمة قد عظَّم الله جل وعلا شأنها وخطورتها حينما بين حال المنافقين الذين يتكلمون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلمة متفكهين بذلك؛ ويعتبرونه هينا؛ فبين سبحانه أنها وإن كانت هينة عندهم فهي عند الله عظيم؛ فقال تعالى: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } النور (15).

ومن عظيم ما للكلمة من أثر ولها ما بعدها ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت بأن يدافع عن الدعوة وينافح عنها ويرد على المشركين ويعيرهم بالشرك والكفر؛ حيث بين له صلى الله عليه وسلم أن كلماته تلك كانت على المشركين أشد وقعا من النبل حين وقوعها في مقتل؛ ويأمره صلى الله عليه وسلم بأن يهجوهم ويخبره بأن روح القدس معه؛دلالة على عظيم أثر الكلمة ونفاذ صولها.

وقد تعجب أحد الصحابة الكبار رضوان الله عليهم من كون أنهم محاسبون على ما يتلفظون به متسائلا متعجباً لخطورة الأمر؛ كما روى الإمام أحمد في المسند وغيره بإسناد صحيح عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ . قَالَ: ” لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ” ثُمَّ قَالَ: ” أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ ؟: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ” ثُمَّ قَرَأَ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}، حَتَّى بَلَغَ، {يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ثُمَّ قَالَ: ” أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ ” فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ: ” رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ” ثُمَّ قَالَ: ” أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ ” فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ . فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: ” كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ” فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ؟ “

ولما كان هذا الأثر الكبير للكلمة وما تحدثه من وقع كان الواجب أن يحتاط العبد في كلامه؛ وأن ينزله المكانة اللائقة به؛ ولا يدع لسانه يقوده إلى المهالك والردى وهو لا يشعر؛ لكون حركة اللسان من أسهل حركات أعضاء البدن وأخفها؛ وخاصة إن صاحب ذلك شهوة في الباطن.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله متعجباً من تساهل بعض الناس وخاصة ممن يشار إليهم بالزهد من عدم تحفظهم عن كلامهم:

ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والإحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول.

وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جُنْدَبٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّثَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ. فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله، وفى حديث أبي هريرة نحو ذلك، ثم قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

وقال رحمه الله أيضاً: وفي الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ يرفعه: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ.

وفي لفظ لمسلم: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ ، أَوْ لِيَسْكُتْ.

وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله: ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا. والحديث صحيح.

… وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: يوم حار ويوم بارد.

ولقد رُئي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم بعد موته فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها. قلت: ما أحوج الناس إلى غيث! فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي.

وقال بعض الصحابة لخادمه يوما: هات السفرة نعبث بها. ثم قال: استغفر الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة؛ خرجت مني بغير خطام ولا زمام. أو كما قال.

وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على العبد.

واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، أو الخير والشر فقط؟ على قولين، أظهرهما الأول.

وقال بعض السلف: كل كلام بن آدم عليه لا له إلا ما كان من ذكر الله وما والاه.

وكان الصديق رضى الله عنه يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد.

والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أسيره. [الداء والدواء، 374 بتصرف].

وفيما سبق يتبين بجلاء أن الكلام ليس من الأمور السهلة التي يستسهلها إلا من قلّ فهمه وفقه في نصوص الشريعة، أو متغافلاً عن آثار هذه الجارحة وما تحدثه من طوام.
إن إرسال الكلام دون روية؛ أو الزعم بأن الكلام لا أثر له إن لم يقترن بالفعل؛ أو القول بأن الناس قد سئموا السكوت ولا بد أن يتكلموا قول باطل؛ وقائله جاهل بالأثر الذي يحدثه الكلام في مسار الحياة العامة للشعوب.

والتاريخ حافل بأن بداية شرارة كل تغيير هو منطلق من كلمة؛ والتغيير حتما ليس هدفا مشروعاً لذاته في مقصد الشريعة؛ وإنما هو مطلب إن تحققت نتائجه وانبلج أثره؛
وكان الحاضر أفضل من الماضي قطعاً؛ وذلك من المظنون الذي لا يمكن تكهنه إلا لذوي الألباب القلة الذين أو توا العلم والإيمان.

وقد لحظ نصر بن سيار دعوة بني العباس رحم الله الجميع فقال مخاطبا بني أمية منبها لهم:

أرى بين الرماد وميض نارٍ … ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن لم يطفها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام
فإن النار بالعودين تذكي … وإن الحرب أولها كلام
فقلت من التعجب: ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام؟

فكان بذلك مدركاً لما سيؤل إليه الأمر؛ ونصح وخلص في النصيحة؛ فكان أن تم ما توقعه.

والناظر الناصح يرى ما تموج به بلاد العرب من فتن؛ فيدرك النعمة العظيمة التي تعيشها بلاد الحرمين الشريفين من الأمن والأمان؛ تحت ظل قيادة شرعية؛ وذلك مما يستوجب حمد هذه النعمة العظيمة الكبيرة؛ والمحافظة عليها والعض بالأنامل بها.

إن الأخطاء الواقعة من المسؤولين في جميع قطاع الدولة لا تبرر أبداً التهاون في المحافظة على وحدة أمن بلاد الحرمين الشريفين؛ لأن في انفلات أمنها -لا قدر الله ذلك- من المفاسد العظيمة والمخاطر الكبيرة التي لا توازيها تلك الأخطاء الواقعة من المسؤولين مهما كبرت؛ لأن أمن الناس والحفاظ عليه نعمة لا تعدلها إلا نعمة الإسلام؛ وحتى الدين نفسه لا يقوم أمره إلا باستتباب أمن الناس؛ وإن صاحب ذلك ظلم وطغيان.

فتهييج الناس بذكر مثالب الولاة والحط من منزلتهم ليس من منهج وطريقة السلف الصالح من الرعيل الأول رحمهم الله.

وطرق المناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابطه المعروفة وطرائقه المشهورة.

أما الزعم بأن ذكر أخطاء الولاة في القنوات والمنتديات مجرد كلام لا يقدم ولا يؤخر، وأنه لا يماثل حمل السلاح في وجوه الناس كما يفعله من ضلّ فكره؛ فهو قول مردود غير مبني على دليل شرعي ولا حجة عقلية؛ بل ما يكتنفه من الباطل والآثار السلبية أكثر بكثير من المصالح التي توهمها من أطلق هذا القول.

ولكن من العماية ما قد يصيب الإنسان أن يصل به فكره أن يطلب تغيير ما فيه من النعمة إلى نقمة ظاناً أنها من الخير؛ وهو من المكر الذي يحيق بالإنسان جراء كفره للنعم؛ ومثال ذلك ما حصل على بني اسرائيل حينما طلبوا أدنى مما كانوا عليه من وفور النعم وسهولتها كما حكى الله عنهم بقوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61].

ومثله أيضاً ما حصل لسبأ الذين منَّ الله عليهم بقرب قراهم فيما بينهم فكان المسافر يسافر بين تلك القرى دون ملل ولا ضجر؛ فلما سئموا تلك النعمة طلبوا إبدالها بإبعاد قراهم فيما بينها فكان أن جُوزا بذلك نكالا لعدم شكرهم لتلك النعمة العظيمة؛ كما بين ذلك ربنا تبارك وتعالى في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } [سبأ: 18، 19].

ولذلك كان الواجب من كل ناصح وعاقل أن يكون لبنة صالحة بانية؛ متعاوناً على إبقاء هذه البلاد-بلاد الحرمين الشريفين- آمنة مطمئنة؛ لا أن يكون معول هدم، مؤثراً على المصالح العامة الكافة على مصلحته الآنية وإن هضمت؛ ويد الله مع الجماعة؛ ومن شذ شذ في النار..

-- خاص بالسكينة:محمد بن عبد السلام الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*