السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » فقه الجهاد من سورة الحجر

فقه الجهاد من سورة الحجر

قال الله تعالى: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(الحجر 94-99).
في هذه الآيات الكريماتِ ثلاثَةُ أوامِر ونَهيٌ ووَعدٌ.

وأمَّا الأوامر فهي:

الأول: الأمرُ بالدَّعوة؛ وذلك في قولِهِ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ).

الثاني: الأمرُ بالعبادةِ؛ وذلك في قولِهِ: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ).

الثالث: الأمرُ بالدَّيمومَةِ على العِبادةِ؛ وذلك قولُه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

وأمَّا النَّهيُ، فالنَّهيُ عن مواجهة المشركين؛ وذلك قولُه: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).

وأمَّا الوَعدُ، فوَعدُه سُبحانه نبيَّه صلى الله عليه وسلم بكِفايَتِه المُستهزئين ودَفع شرِّهم عنه؛ وذلك قولُه: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ).

وقد كان هذا هو شأن الجِهادِ عِندَ الاستضعاف في العَهدِ المكِّيِّ قبلَ الهِجرةِ النَّبويَّة،وكذلك هو الشأنُ عندَ ضَعفِ المُسلمين في كلِّ زَمانٍ ومكانٍ، فلمَّا أمَرَ الله بالصَّدع بالدَّعوة إلى دينِه، نَهى عن التَّعرُّض للكفَّار مع إخبارِه بأنَّهم مُستهزءون مُعتدون، فكأنَّه قيل: إنَّهم لن يترُكوننا ولو تركناهم! ولن يتسامحوا معنا ولو تسامحنا معهم، إنَّهم سيَقضُون علينا إن بقينَا مَكتُوفي الأيدي! فجاء الجوابُ بالوعد الصَّادِق: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)، أي إنَّ الدَّفاع عنكم على الله؛ لأنَّكم ضُعفاءُ،وخوضُكم المَعركة معهم يُؤدِّي إلى هَلَكتِكم، فكأنَّه قيل بعدَه: إنَّهم يَفعَلون كذا وكذا من المُخالفات وأنواع الظُّلم…!!

فجاء الجوابُ بأنَّه لا يَخفى علينا ذلك، بل إنَّهم يَفعَلون شرًّا ممَّا تَذكرون عنهم، بل إنَّهم مُرتَكِبونَ لأَكبَر شرٍّ على الإطلاق، ألا وهو أنَّهم (يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ) ،فمَهما ذكَرتُم عنهم من المُخالفات فلن يَبلغوا شرًّا من الشِّرك، فأنتُم مَأمورونَ بالإعراض عنهم ما دُمتُم ضُعفاء، ثمَّ جاءت التَّسليةُ من الله لنبيَّه صلى الله عليه وسلم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)، لكنِ المسألةُ لَيسَت مسألَةَ انتِقام، كما هي ليست مسألةَ خذلانٍ للحقِّ وجُبنٍ، إنَّما هي اتِّباعٌ وتَحكيمٌ لأمر الله، فأمَرَه ربُّه-زيادةً على ما أمَرَه بِه من الصَّبر- أن يَفزَع إلى الصلاة التي بها طُمأنينةُ القلب وراحةُ النَّفس من مُكابدَةِ المُواجهة المَنهيِّ عنها عند عدم القُدرة، وكي لا يَقولَ جاهلٌ بفِقه الجِهادِ أو عارفٌ غلَبَ عليه الاستعجال والعِنادُ: إلى متى ونحن صابرون؟! أو يَظنَّ آخرُ أنَّ هذه العبادة شُرعَت من أجل التَّخلص من كيد العدوِّ فحسب، أمَرَ الله بالاستمرار عليها إلى المَمات الذي هو اليَ
قين فقال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ
حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

فما أعظَمَ هذا البَلسَم لجِراح المُسلمين اليوم، وهم يُكابدون من الأعداء ما لا يُوصف مع قلَّة ذات اليَدِ! وما أعظم الحِكمةَ الرَّبَّانيَّة في هذه الأوامر الثلاث والنَّهي الحكيم والوعد الصَّادق الأمين! وكذلك يفعلُ المُسلمون كلَّما شابهَت حالُهم تلك الحال، ولن يَضرَّهم الأعداء ما تمسَّكوا بهّدي الكِتابِ الكريم وتأسَّوا بسُنَّة النَّبيِّ الصَّابر المُطيع المُنتصر صلى الله عليه وسلم، ولن يَخيبَ متَّبِعٌ صادقٌ أمَام أيِّ عدوٍّ شرِسٍ غَشوم، ولو كانت الدُّنيا له تبَع، والناس له شِيَع، وإنَّما الخَيبَةُ لَمن يَنطلِق من عند نَفسِه، ويستجيبُ لاستفزاز عدوِّه، دون أن يُراعيَ فِقهَ الجِهادِ كهذا الذي نحن بصَدَدِه، وتَغلبُه عاطفةُ الغضَبِ، فتعصفُ به بَعيداً عن حُكم الله ورسوله وهو يَحسبُ أنَّه يُحسنُ صُنعاً، يَحسبُها غضبةً لله وهي انتقامٌ للنَّفس، والله المستعان.

ولهذه الآيات نَظائرُ كثيرةٌ في كتاب الله، أكتفي بسورتين كان رسول الله يَقرَاُ بهما في المَحافِل العامَّة، الأولى سورة (ق)، ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَقرَاُ بها في خُطبَةِ الجُمُعة كما في (صحيح مسلم)(873)، والثانية سورة (الغاشية) ومعلومٌ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَقرَاُ بها في صلاة الجُمُعة والعِيدين كما في (صحيح مسلم) (878).

ففي السورة الاولى قوله تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق45)، وفي الثانية: (فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية 21)، وهما في الأمر بالدَّعوةِ كقولِه هنا: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ).

وفي الأولى قولُه: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق 45)، وفي الثانية قولُه: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية 22)، كقوله هُنا: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ). وتفصيلُ الكلام حول هذه الآيات وغيرها يتحمَّلُه مَوضِعٌ آخرُ إن شاء الله وإنَّما أردتُ لَفتَ نظَر المُستفيد وتَعجيل بَعض الفوائد له، والله المُوفِّقُ للفِقه في كِتابِه والعَمَل بِه

-- موقع السكينة :عبدالمالك رمضاني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*