الجمعة , 24 أكتوبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » التأصيل الشرعي » سلامة فهم السلف للنص الشرعي

سلامة فهم السلف للنص الشرعي

تعتبر النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مفزع كل متكلم في الأمور الشرعية؛ فهما عماد كل متحدث ومؤلف وكاتب في النواحي الشرعية؛ ولأن الأمور الشرعية لا يمكن قبولها ما لم يتوج المتحدث فيها بتلك النصوص المباركة؛ وحتى يُكسب ما كتبه قوة ومتانة وصدقاً.

ولكن الاستدلال بهذه النصوص الشرعية تباينت فيه آراء المتكلمين؛ واختلفت فيه أنظار المتحدثين؛ تبعاً لمقاصد كل فريق.

والاختلاف الحاصل من منطلقات صحيحة وخلفية علمية سليمة؛ لا حرج على صاحبه مادام قد سلك الطرق الصحيحة في الاستنباط ومسالك الاستدلال.

وإنما الذم متوجه لمن لم يعبأ بالطرق الصحيحة المعتبرة التي وضعها الأئمة لفهم النص الشرعي على وجهه الصحيح؛ واكتفى بإعمال فكره المجرد في استنباط ما يظنه مؤديا إليه الدليل الشرعي.

وهذا الخطأ في الاستدلال هو ما سبب وجود الفرق المنحرفة في تاريخ الإسلام؛ لأنه ما من فرقة إلا وتستدل لما تذهب إليه بنصوص الشريعة؛ واجتزاء ما يوافق أهواءها وخاصة القرآن الكريم؛ ولذلك كان من نصيحة علي بن أبي طالب لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعاً حينما أراد مناظرة الخوارج أن يناظرهم بالسنة؛ وأن لا يكتفي بالقرآن؛ وعلل ذلك بأن القرآن حمال أوجه.

فالفهم الصحيح للنص الشرعي لا يمكن التوصل إليه بمعزل عن تلك القواعد التي استقرأها علماء الرعيل الأول؛ وما أجمعوا عليه من طرق لاستنباط المعاني الصحيحة من النصوص الشرعية.

وإن مما يعين على الفهم الصحيح للنص الشرعي أن يكون الناطق بالنص الشرعي مسترشداً بفهوم السلف الصالح من الصحابة والتابعين؛ لأنهم -وخاصة الصحابة رضوان الله عليهم-قد شاهدوا التنزيل؛ وأخذوا مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا من سنته العملية ما يرشد لفهم النصوص.

وكذا التابعين وأتباعهم من القرون المفضلة؛ فلديهم من فصاحة اللسان؛ وسلامة الفطرة ما يؤهلهم لإنزال النصوص منازلها التي تليق بها.

ومتى ما رأيت المتكلم أو المؤلف يسفه فهوم السلف أو طريقتهم في الاستنباط وخاصة فيما أجمعوا عليه؛ فاعلم أنه إنما أوتي من جهله؛ وهو علامة الخذلان للعبد.
ولفهم السلف ميز عن غيره من الفهوم؛ فمن ذلك:

•سلامة مصادرهم في التلقي؛ حيث تلقوا النصوص الشرعية بتجرد تام وتسليم مطلق وطرح للتكلف والتأويل المذموم؛ ولم يحاكموا النصوص إلى أمر خارجي.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه آمراً بالتمسك بما عليه السابقون من الصحابة في العلم والعمل والفهم: من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هدياً ، وأحسنها أخلاقاً اختارهم الله عز وجل لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

ويقول ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً للخوارج حينما ناظرهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم المهاجرين والأنصار ومن عند بن عم النبي صلى الله عليه و سلم وصهره وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم أحد.

ويقرر الشاطبي رحمه الله سبب ترجيح أقوال الصحابة وفهمهم على غيرهم بقوله: معرفتهم باللسان العربي فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة.

والثاني مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة فهم أقعد في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك والشاهد يرى ما لا يرى الغائب

فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات فالعمل عليه صواب وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة. الموافقات. (3/ 338)

•أن قرونهم من خير القرون وأفضلها؛ وقربهم للحق أكمل ممن جاء بعدهم؛ وفهومهم من أسلم الفهوم.
روى مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ يَلُونِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وكما أنه لم يكن في القرون أكمل من قرن الصحابة، فليس في الطوائف بعدهم أكمل من أتباعهم، فكل من كان للحديث والسنة وآثار الصحابة أتبع كان أكمل، وكانت تلك الطائفة أولى بالإجماع والهدى والاعتصام بحبل الله، وأبعد عن التفرق والاختلاف والفتنة، وكل من بعد عن ذلك كان أبعد عن الرحمة، وأدخل في الفتنة”. “منهاج السنة” (6/368).

•أن فهمهم للنصوص الشرعية مكتسب بأيسر الطرق دون تطويل كما يحتاجه المتأخرون.
فلا يحتاجون إلى إعمال القواعد اللغوية لأنهم أهل لسان؛ ولا إلى النظر في أحوال الأسانيد؛ لكونهم أخذوا النصوص مباشرة؛ فكل شروط النظر في النص متوفرة في حقهم؛ ولذلك كانت فهومهم أصح الفهوم.

قال ابن القيم رحمه الله: فَالْعَرَبِيَّةُ طَبِيعَتُهُمْ وَسَلِيقَتُهُمْ –أي الصحابة-, وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ مَرْكُوزَةٌ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ , وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى النَّظَرِ فِي الْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ , وَلَا إلَى النَّظَرِ فِي قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَأَوْضَاعِ الْأُصُولِيِّينَ , بَلْ قَدْ غُنُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , فَلَيْسَ فِي حَقِّهِمْ إلَّا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا , وَقَالَ رَسُولُهُ كَذَا , وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا , وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ , وَأَحْظَى الْأُمَّةِ بِهِمَا , فَقُوَاهُمْ مُتَوَفِّرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلَيْهِمَا , وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقُوَاهُمْ مُتَفَرِّقَةٌ , وَهِمَمُهُمْ مُتَشَعِّبَةٌ , فَالْعَرَبِيَّةُ وَتَوَابِعُهَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْ قُوَى أَذْهَانِهِمْ شُعْبَةً , وَالْأُصُولُ وَقَوَاعِدُهَا قَدْ أَخَذَتْ مِنْهَا شُعْبَةً , وَعِلْمُ الْإِسْنَادِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا شُعْبَةً , وَفِكْرُهُمْ فِي كَلَامِ مُصَنِّفِيهِمْ وَشُيُوخِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ , وَمَا أَرَادُوا بِهِ قَدْ أَخَذَ مِنْهَا شُعْبَةً , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ , فَإِذَا وَصَلُوا إلَى النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ إنْ كَانَ لَهُمْ هِمَمٌ تُسَافِرُ إلَيْهَا وَصَلُوا إلَيْهَا بِقُلُوبٍ وَأَذْهَانٍ قَدْ كَلَّتْ مِنْ السَّيْرِ فِي غَيْرِهَا . وَأَوْهَنَ قُوَاهُمْ مُوَاصَلَةُ السُّرَى فِي سِوَاهَا , فَأَدْرَكُوا مِنْ النُّصُوصِ وَمَعَانِيهَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْقُوَّةِ , وَهَذَا أَمْرٌ يَحُسُّ بِهِ النَّاظِرُ فِي مَسْأَلَةٍ إذَا اسْتَعْمَلَ قُوَى ذِهْنِهِ فِي غَيْرِهَا , ثُمَّ صَارَ إلَيْهَا وَافَاهَا بِذِهْنٍ كَالٍّ وَقُوَّةٍ ضَعِيفَةٍ. [إعلام الموقعين 1/285].

ويتقرر بما سبق أن فهم السلف رحمهم الله من أوثق ما يفسر به النصوص الشرعية؛ وكل فهم حاد عن إجماع فهمهم أو استنباطهم فهو فهم زائغ عن سبيل المؤمنين والذين حذر الله تبارك وتعالى بمن زاغ عنه أن يوله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيراً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>