الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » وصايا شرعية عند الفتن

وصايا شرعية عند الفتن

الحمدُ لله الذي جعلنا مِن خيرِ أمةٍ أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي بعثه ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد
فإن الحياة الدنيا مملوءة بالفتن، وقد حذرنا الله تعالى في كتابه، وكذلك نبينا في سُنته المباركة، من الفتن، من أجل ذلك أردت أن أُذَكّر نفسي وإخواني الكرام ببعض الأمور المهمة التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند الفتن، فأقول وبالله تعالى التوفيق

الاعتصام بالقرآن والسُّنة

إن اعتصام المسلمين بالقرآن والسُّنة، والتأليف بين قلوبهم هو السبيل الأمثل للخروج من الفتنة بسلام
قال الله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران)
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال قال رسول الله «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
وعَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا بَعْدَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» صحيح سنن الترمذي للألباني

استشارة علماء أهل السُّنة عند حدوث الفتن

ينبغي للمسلم أن يسأل علماء أهل السُّنة عن موقف الشريعة الإسلامية من هذه الفتن
قال الله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل )
وقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء)
وقال عبد الله بن عباس وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ يعني أهل الفقه والدين تفسير ابن كثير
واعلم، أخي الكريم، أن أهل العلم هم ورثة نبينا محمد ، وهم الذين يجب علينا أن نسألهم عند حدوث الفتنة
عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي قال «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» صحيح الترمذي للألباني

التوبة الصادقة والاستغفار

من المعلوم أنه لا ينزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا يرفعه الله إلا بتوبة صادقة روى الزبير بن بكار في كتابه الأنساب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استسقى بالعباس بن عبد المطلب، قال العباس رضي الله عنه «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك؛ لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث» فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس (التوسل للألباني)
وقال عز وجل عن نوح فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا نوح
وقال سبحانه عن هود وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ هود

نبينا يحثنا على التوبة

عن عبدِ الله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» مسلم
عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» صحيح الترمذي للألباني

اللجوء إلى الله بالدعاء والقنوت في الصلوات المفروضة

الدعاء سلوى المحزونين، ونجوى المتقين، ودأب الصالحين، فإذا صدر عن قلب سليم، ونفس صافية، وجوارح خاشعة، صادف إجابة كريمة من رب رحيم ودود
حثنا الله تعالى على الدعاء في آيات كثيرة من كتابه العزيز فقال تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة ).

وقال سبحانه أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (النمل)

وقال جَلَّ شأنه وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (غافر)
وحثنا نبينا على الدعاء في كثير من أحاديثه المباركة، وسوف نذكر بعضًا منها
عَنْ سَلْمَانَ الفارسي رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» صحيح أبي داود للألباني
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» صحيح الترمذي للألباني

شروط إجابة الدعاء

هناك شروط يجب توفرها حتى يكون الدعاء مستجابًا عند الله تعالى، ويمكن أن نوجزها فيما يلي

الإخلاص في الدعاء

المأكل والمشرب والملبس الحلال

عدم الدعاء بإثم أو قطيعة رحم

أن يحسن العبد الظن بإجابة الله تعالى دعائه

أن يكون الدعاء بالأمور الجائزة شرعًا

ومن السُّنةِ القنوت جهرًا في الركعة الأخيرة من الصلوات الخمس المفروضة أو في صلاتي المغرب والفجر فقط، عند نزول فتنة بالمسلمين، وذلك في جميع المساجد
عَنْ عبدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنها قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ، إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ صحيح أبي داود للألباني
عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ مسلم

التحلي بالصبر والرفق في مواجهة الفتنة

الصبر والرفق في التعامل مع الناس من أفضل السُّبل لمواجهة الفتن والتغلب عليها
قال سبحانه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة)
عَنْ أَنَسٍ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي ولِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَلٍ» صحيح الترمذي للألباني
وحثنا الله تعالى وكذلك نبينا على الرفق في التعامل مع الناس، خاصة في وقت الفتنة
قال جَلَّ شأنه ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )النحل )
وقال سبحانه فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ (آل عمران)
وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ» مسلم
اعلم أخي المسلم الكريم أن الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كثيرًا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير أفضل من التأنيب والتوبيخ

التعاون بين المسلمين على البر والتقوى

ينبغي للمسلمين تكوين لجان شعبية، وذلك بالتنسيق مع الجهات الحكومية إذا كانت موجودة ؛ لحماية الممتلكات العامة والخاصة من اللصوص والمجرمين، الذين يسعون في الأرض فسادًا وعلى هذه اللجان الشعبية أيضًا مواساة المتضررين بالطعام والشراب والكساء والدواء والمأوى

قال الله تعالى وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة)
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» البخاري ومسلم

ضبط الأقوال والأفعال بميزان الإسلام

يجب على المسلم أن يعرض أقواله على ميزان الشريعة الإسلامية، قبل أن يتكلم بها، وكذلك الأفعال، قبل أن يقوم على فعلها
قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (الإسراء)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ قَالَ «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» البخاري
وليعلم كل مسلم أن لله ملائكة تكتب أقواله وأفعاله.

قال الله تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ(آل عمران)
وقال سبحانه أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (الزخرف)
وليعلم كل مسلم أيضًا أنه سوف يقف وحده للحساب بين يدي الله تعالى
قال اللُه تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (الأنعام)
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» البخاري ، ومسلم

عدم احتكار التجار لما يحتاجه الناس

المقصود بالاحتكار هو شراء التاجر سلعة ما، وحبسها حتى يحتاج إليها عامة الناس، فيبيعها التاجر بسعر مرتفع، مستغلاً حاجة الناس إلى هذه السلعة مع قلتها في الأسواق والاحتكارُ حرامٌ لأنه من أبواب أكْلِ أموال الناس بالباطل المغني لابن قدامة
عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي مَعْمَرٍ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» أي عاصٍ مسلم
قال الإمام النووي هذا الحديث صريحٌ في تحريم الاحتكار
وقال أيضًا قَالَ الْعُلَمَاء وَالْحِكْمَة فِي تَحْرِيم الاحْتِكَار دَفْع الضَّرَر عَنْ عَامَّة النَّاس، كَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْد إِنْسَان طَعَام، وَاضْطُرَّ النَّاس إِلَيْهِ وَلَمْ يَجِدُوا غَيْره، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعه دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاس مسلم بشرح النووي

تحذير الناس من عاقبة الانقياد لدعاة الفتنة

يجب على العلماء تحذير الناس، وخاصة الشباب، من المشاركة في الفتنة، والانقياد لدعاة الفتنة؛ لما يترتب على ذلك، غالبًا، من إراقة الدماء، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وترويع الآمنين في منازلهم وأماكن أعمالهم، وانتشار أعمال السلب والنهب، وتعطيل جميع مظاهر حياة الناس اليومية

اعتزال الفتنة

على المسلم أن يتجنب الفتن ويعتزلها؛ فرارًا بدينه، وذلك بالبقاء في بيته، أو مكان عمله، أو أي مكان آخر، يأمن فيه على دينه
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ رءوس الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ المطر يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» البخاري
عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا ملجأ فَلْيَعُذْ بِهِ» البخاري ، مسلم
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ «بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ ذَكَرَ الْفِتْنَةَ، فَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمْ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ اختَلَطَت عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَالَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ» صحيح أبي داود للألباني
وعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ رضي الله عنه قَالَ «وأيْمُ اللَّهِ أسلوب قَسَم لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ» صحيح سنن أبي داود للألباني

اعتزال سلفنا الصالح للفتن

لقد اعتزل كثير من أصحاب النبي الفتنة التي حدثت بين المسلمين كموقعة الجمل وموقعة صفين وغيرهما فمن شارك فيما حدث في مصر فله سلف، ومن اعتزل فله سلف، ولا ينبغي أن يعيب أحد الفريقين على الفريق الآخر، فضلاً عن أن يتهمه بالتقاعس أو بالخيانة، والله المستعان
أسألُ اللهَ تعالى أن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين
وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

——

المصدر : مجلة التوحيد

-- إعداد / صلاح الدق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*