
نهي الإسلام عن طريقة أهل الإجرام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه إلى يوم الدين وبعدُ
فإن الإسلام له قيمه المتميزة وأخلاقه السامية، فلا يعرف الإسلام ولا أبناء الإسلام خِسّة الطبع ولا نذالة الفعل، كهؤلاء الذين يعيشون في شريعة الغاب، فيسفكون دماء الأبرياء، دون وازع من ضمير يحكمهم أو أخلاق تضبطهم، ولكن الإسلام وضع نهاية للوحشية، وقدم نموذجًا مشرفًا
يقول مصطفى صادق الرافعي:إن لسيوف المسلمين أخلاقًا
نعم إن سيوف الصالحين من المسلمين لها أخلاق فهي لا تضرب خبط عشواء ومن جملة أخلاق سيوف الإسلام
حرمة الدماء في الإسلام
لقد خلق الله عز وجل الإنسان وكرّمه غاية التكريم، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وأنزل من أجله الكتب، وأرسل له الرسل؛ ليأخذوا بيديه إلى صراط الله المستقيم، ووضع للإنسان شريعة محكمة تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة وتحفظ له حقوقه، وأول حق من هذه الحقوق حق الحياة، فهو حق جليل لا يحل لأحد على الإطلاق أن ينتهك حرمته أو أن يستبيح حماه؛ لأن الله عز وجل وحده هو واهب الحياة وهو صاحب الحق وحده في أن يسلب هذه الحياة
وشريعة الإسلام جاءت بحفظ الكليات الخمس، وحرمت الاعتداء عليها وهي الدين، والنفس والمال، والعرض، والعقل
ولا يختلف المسلمون في تحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة، وهي إما أن تكون مسلمة فلا يجوز بحال الاعتداء على الأنفس المسلمة، وقتلها بغير حق، ومن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من الذنوب العظام، وهي الكبيرة التي تلي كبيرة الشرك بالله، قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا الفرقان ، وتدبر هذا الوعيد الذي يخلع القلوب الحية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا النساء ، هل تجد في القرآن كله وعيدًا كهذا الوعيد؟ وعيد يخلع القلب
وقد بيّن رسولنا وهو في عرفات حرمة الدماء، روى الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الطويل والبخاري من رواية أبي بكرة وابن عباس رضي الله عن الجميع، أن النبي قام خطيبًا في الناس يوم الحج الأكبر في منى وقال «أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم إلى أن قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا؟»
روى البخاري وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصبْ دمًا حرامًا» وكان ابن عمر يقول «إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله (البخاري)
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم من حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي قال «كُلُّ ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا أو قتل مؤمنًا متعمدًا» (أبو داود وصححه الألباني )
وروى النسائي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي قال «قتلُ المؤمنِ أعظم عند الله من زوالِ الدنيا» (النسائي وصححه الألباني )
ومن الأنفس المعصومة في الإسلام، أنفس المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين
عقد الأمان من أهم العقود، والغدر لا تبيحه شريعة الإسلام، ومهما كانت جنسية هذا المستأمن، ومهما كانت أفعال دولته، فإذا أمَّنت الدولة أحدًا فعلى الجميع الالتزام بهذا الأمان، بل لقد عصم الإسلام دم كل كافر تحارب دولته الإسلام ما لم ينتصب لقتال المسلمين وهم المدنيون.
روى البخاري وغيره «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا» البخاري
فمن أدخله ولي الأمر بعقد أمان التأشيرة ؛ فإن نفسه وماله معصوم لا يجوز التعرض له، ومن قتل فإنه كما قال «لم يرح رائحة الجنة» وهذا وعيد شديد لمن تعرض للمعاهدين؛ لأن لهم عهد أمان، حتى لو دخلوا من غير أمان معتبر، فهنا يجب ردهم إلى مأمنهم لا القيام بقتلهم، قال تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ (التوبة )
روى البخاري في التاريخ الكبير والنسائي بسند صحيح من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي رضي الله عنه أن النبي قال «مَن أمَّنَ رجلاً على دمه أي أعطاه الأمان على حياته ونفسه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا (البيهقي في السنن الصغرى وحسنه الألباني)
لو أعطى مسلمٌ عهدًا بالأمان لمشرك أو كافر؛ فلا يحل لمسلم على وجه الأرض أن ينقض عهد أخيه المسلم
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي قال «ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا أي نقض عهد مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبل منه صرف ولا عدل» متفق عليه أي فرض ولا نفل.
ومعلوم أن ذمة المسلمين واحدة، روى أبو داود وابن ماجه والبيهقي في السنن الكبرى وعبد الرزاق من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، والحديث حسن أن النبي قال «المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم» (أبو داود وصححه الألباني )
فلو قامت امرأة ضعيفة فقيرة وأعطت عهدًا لا يجوز لأي مسئول أن ينقض هذا العهد؛ لأن المسلمين دماؤهم واحدة متكافئة إنما «تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أنادهم».
وفي الحديث المتفق عليه من حديث أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي رضي الله عنه جاءت إلى النبي عام الفتح تشكو إلى رسول الله عليًّا رضي الله عنه، لماذا؟ لأنها أجارت أي أعطت عهدًا بالأمان لمشرك، يقال له ابن هبيرة، أعطت هذا المشرك عهدًا بالأمان، عندما قال لها أدخليني في جوارك، تحميني، تعطيني أمانًا، فقبلت أم هانئ وأدخلت هذا المشرك في جوارها، لكن عليًّا رضي الله عنه أصرّ على قتل هذا الرجل المشرك بعدما أخذ العهد بالأمان، فجاءت أم هانئ تشكو عليًّا لرسول الله وهي تقول يا رسول الله، زَعَمَ ابنُ أُمِّي تعني عليًّا أنه قاتل رجلاً من المشركين قد أجرته يقال له فلان ابن هبيرة، قال «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» متفق عليه
الإسلام والعمليات التفجيرية
نهى الإسلام عن قتل النساء والولدان والشيوخ والرهبان، وكل من لا يشارك في الحرب، ففي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال وُجِدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان (متفق عليه)
وكان يوصي قادة الجيوش «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا ولا امرأة، ولا تغلوا، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين أبو داود.
وروى الحاكم في المستدرك عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن أبا دجانة يوم أحد ورحى الحرب دائرة ونارها مستعرة، وإذا به يرى فارسًا ملثمًا يخمش الناس خمشًا يحثهم على القتال ويشجعهم فهوى إليه بسيف رسول الله الذي كان في يده فسمع صوت ولولة فعلم أنها هند بنت عتبة، فقال أكرمت سيف رسول الله أن أضرب به امرأة الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
فهذا الصحابي أكرم سيف رسول الله أن يضرب امرأة تحمّس الكفار على القتال، فكيف إذا كانت امرأة من المدنيين أو شيخًا أو طفلاً، فما أحوجنا ألا نجعل صليل السيوف يطغى على صوت الشرع والعدل والحق، وألا ننسى ثوابت وقيم هذا الدين العظيم، وعلينا أن نقول في كل مدني مقتول ما كان لهؤلاء ليقاتلوا، ولذلك فإننا ندين لله تعالى بأن الذي حدث في مدينة الإسكندرية لا يجوز، والمسلمون جميعًا منه براء، ولا ندين الله تبارك بمثل هذا أبدًا.
وجمهور الفقهاء من خلال هذه النصوص منعوا من استهداف الأصناف المذكورة، وكل من كان في معناها، ووجدت فيه ذات العلة، وقرروا أن هذا الاعتداء على نفس حرم الله قتلها، وقد قال الله تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقر ، ومن العدوان كما قال المفسرون قتل المرأة والطفل والشيخ الفاني وغيرهم من الأنواع التي يحرم قتلها ولو كانت من دولة تحارب الإسلام وتعادي المسلمين، فكيف إذا كانت من دول لا تحارب الإسلام ولا تعاديه، بل تعيش معهم؟
أن هذا من الإفساد في الأرض ،وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ (البقرة)
أن فيه إتلافًا للأموال المعصومة.
من قام بهذه العمليات الإرهابية التفجيرية من قتل أنفس بتفجيرها، مع تفجير نفسه فهو داخل في عموم قول النبي «ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة» أبو داود وصححه الألباني وفي الحديث المتفق عليه «ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا(متفق عليه)
إن هذه العمليات الإجرامية تجعل الدولة في حالة عداء مع العالم، مما لا تخفى عواقبه، قال الله تعالى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا المائدة ، ونظر ابن عمر رضي الله عنهما يومًا إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك (الترمذي ).
في هذه العمليات نشر للرعب والترويع في أوساط المجتمع، ويعد ذلك فسادًا عظيمًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ البقر ، وقال «لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا» أبو داود وصححه الألباني وفي ذلك بيان لعدل الإسلام ورحمته؛ لأن الإسلام جاء لقطع مادة الفساد في الأرض، ونشر بذور الإصلاح ،فالقيام بالعمليات التفجيرية والقتل دعوة خاطئة، وفهم سقيم؛ لأن كل من لم يشارك في القتال من الكفار؛ لا يجوز قتله، وسبق نهي الرسول والخلفاء عن قتل من لم يشارك في القتال.
فعِلَّة القتالِ في الإسلام ليست هي الكفر، وتأشيرة الدخول اليوم تقوم مقام الأمان، ولا يشك أحد في أن السائح أو الأجنبي عندما يقبل مثل هذه الدعوة أو يحصل على تأشيرة الدخول يعتبر نفسه آمنًا على نفسه وماله فإذا أمنت الدولة أحدًا فعلى الجميع الالتزام بهذا الأمان، فلا يجوز الغدر .
إن قتل الأنفس ليس من الإسلام في شيء، وليس من المروءة في شيء، وماذا جنى الإسلام والمسلمون من التفجيرات سوى الخراب والدمار والنكسات؟
إنْ غدر المشركون فنحن لا نغدر، وإن خان الكافرون فنحن لا نخون.
إن أول ما يقضي الله عز وجل فيه يوم القيامة بين العباد في الدماء، ففي الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي قال «أول ما يُقضى بين الناس في الدماء»، فكل من قتلتهم في الدنيا يتعلقون بك ربما لا تعرفهم، ربما نسيت يوم القيامة روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه بسند حسن أن النبي قال «يجيء المقتول يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا يتعلق بالقاتل ويقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟» الترمذي وصححه الألباني ماذا سيكون جوابك أيها القاتل؟
لقد سفكت دماء كثيرة بالجهل، وبسبب سوء الفهم عن الله ورسوله.
والقضية ليست في الدليل، لكن لا بد من فهم الدليل، ومراتب الدليل ومناطات الدليل، حتى لا تستدل بالدليل في غير موضعه، حتى لا تفسد من حيث تريد النفع، حتى لا تضر من حيث تريد الإصلاح، وفي الحديث الذي رواه أبو داو وابن ماجه والبيهقي في السنن الكبرى من حديث جابر بن عبد الله وفيه «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العيِّ السؤال» (أبو داود وحسنه الألباني )
كم قتل الجهل أناسًا وكم سفكت دماء بسبب الجهل بمراد الله وبمراد رسوله، كم سفكت دماء باسم الإسلام؟
لقد طُعن عثمان بن عفان وطاعنه يقول طعنت عثمان تسع طعنات، ست طعنات لما كان في صدري عليه، وثلاث طعنات لله تعالى سبحان الله يُقتل عثمان زوج ابنتي رسول الله باسم الله تعالى وباسم الإسلام، إنا لله وإنا إليه راجعون ،فلا بد أن نراجع أهل العلم الذين يفهمون قول الله وقول رسوله ، وأن نسمع ونتعلم منهم ،لأن هذا الدين لم تأت شعيرة من شعائره ولا فريضة من فرائضه إلا لتسمو بالأخلاق .
أخلاقه غَزَتِ القلوبَ بنبلها ****** قبل استلال سيوفه ورماحه
إن هذا الدين لم يبح قتل كائن من الكائنات الحية إلا لجلب المصلحة أو دفع مضرة ومفسدة، حتى الأنعام التي أباح لنا ذبحها من أجل مصلحة حفظ نفوسنا، وضع لنا قواعد الرحمة بها «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم؛ فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (مسلم)
فإذا كانت هذه هي رحمة الإسلام بالحيوان الذي سيذبح، فكيف تكون رحمته بامرأة وطفل ورجل مدني لا يقاتل المسلمين ولا ينتصب لقتالهم .
روى أحمد في المسند والطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال «لا تقتلوا أصحاب الصوامع» يعني الرهبان الذين يتفرغون للعبادة، وكذلك الشيخ الكبير والمريض إلخ كل هؤلاء يسمى في أيامنا هذه بالمدنيين، فالإسلام لا يبيح قتل المدنيين من غير المسلمين، ولا يبيح إلا قتال من يقاتله في ساحة الحرب .
----
*أمين عام لجنة الفتوى بالازهر الشريف
المصدر: مجلة التوحيد
http://www.assakina.com/taseel/13154.html










ارسل إلى صديق
طباعة الصفحة
نسخة نصية
حفظ بصيغة PDF
حفظ بصيغة WORD
اضف إلى المفضلة


اكتب تعليقك