الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » خصائص منهج الغلاة التكفيريين وسماته

خصائص منهج الغلاة التكفيريين وسماته

1- ضعف جانب التبيّن والتثّبت في كثير من الأحوال التي حكموا بسببها بالكفر على الدولة أو الأفراد، ولا أعرف أحداً أثبت أنه توصل إلى يقين في الدعاوى  التي حكموا بسببها بالكفر، وربما يقول بمقاله أو لسان حاله: هذا مستفيض، هذا مشهور، وقيل، وقالوا، ونحو ذلك، وعلى هذا فإن بعض القضايا والأحوال التي زعموا أنها مكفرة إما أنها لا تثبت، أو أنها تثبت على غير ما توهموا، أو أنها تثبت فعلاً لكنهم أخطأوا في تطبيق القواعد والمنهج في الحكم بالكفر على المعيّن، .

2- يقوم منهجهم -غالباً- على التأويل المتكلف، وحمل أفعال من يحكمون عليهم على أسوأ المحامل.

3- يجهلون قواعد الاستدلال، وبعضهم يدفعه الهوى والتهور إلى التغافل عن إعمال القواعد الضرورية في الاستدلال، فقلما يجمعون بين الأدلة، ولا يردون المتشابه إلى المحكم، ولا يعتدون بفقه السلف، ولا بفتاوى العلماء المعتبرين ( إلا حين يكون لهم فيها شبهة أو متعلق يخدم غلوهم ). ولعل من أوضح الأمثلة لذلك استدلالاتهم على استحلال الدماء المعصومة بمثل حديث: ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) في حين أنهم يعلمون أن للصحابة والتابعين وأعلام الأمة إلى يومنا هذا فقهاً للحديث يناقض فقههم.

4- وكذلك يجهلون ( وبعضهم يحمله الهوى على تجاهل ) قواعد التكفير، وشروط تكفير المعيّن .

5- لا يراعون الفوارق الشرعية والطبيعية، ولا السنن الإلهية في تقدير الأمور وعواقبها؛ بسبب الاندفاع العاطفي غير المتزن، والغيرة غير المنضبطة بضوابط الشرع.

6- لا يستفيدون -بسبب انغلاقهم- من الحوادث والتجارب والدروس والعبر التاريخية التي حدثت من أسلافهم سواء من أهل الأهواء ( كالثوار على عثمان رضى الله عنه والخوارج وجماعة التكفير والهجرة، وجماعة الجهاد ) أو الجماعات المتهورة في الجزائر وغيرها، أو غيرهم من المتهورين والمتعجلين، أو الذين أخطأوا مجتهدين أو غير مجتهدين، كأصحاب الحرة، وضحايا فتنة ابن الأشعث، والعديد من أئمة آل البيت الذين استهوتهم الغوغاء والشيع وغيرها؛ للخروج على بني أمية وبني العباس، فلم يفلح منهم أحد وهم يقاربون الأربعين.

ثم ملحمة (الإخوان) في السبلة حين لم يصغوا لنصيحة العلماء والمشايخ، ثم ملحمة جماعة (جهيمان)، وقد عرفنا كثيرين منهم كانوا أصلح وأعلم وأعقل من أكثر الغلاة اليوم، ومع ذلك حين تجاهلوا نصح العلماء والناصحين، وخرجوا على السلطان والجماعة، حدثت منهم تلكم (الباقعة) التي لم يحدث مثلها في الحرم في تاريخ الإسلام -فيما أعلم- إلا من القرامطة الباطنية، وكل مستبصر يعلم أن أغلب الدوافع التي تذرَّع بها أولئك هي الدوافع التي يتذرع بها هؤلاء اليوم؛ مما يزعمون أنه: استحلال الربا، ووجود بعض الأنظمة المخالفة للشرع، والعلاقات الدولية، والمشاركة في المنظمات والتحالفات، والمنكرات والمفاسد، ونحوها، مما هو حاصل أو غير حاصل.

نعم قد توجد بعض هذه الأخطاء والمفاسد، لكن الشأن في المنهج الشرعي السليم في إثبات الدعاوى والحكم فيها وطرق الإنكار والتغيير التي خالفوا فيها نهج السلف الصالح الذي عليه علماؤنا وذوو العقل والحكمة والرأي والتجربة.

7- غالبيتهم يحكمون في الأمور الكبار وعلى الدولة والعلماء والمعنيين، بلا علم راسخ، ولا أهلية للاجتهاد، ولا رجوع للراسخين وأهل الاجتهاد، بل إن شيوخهم منهم كعادة أهل الأهواء، لكنهم قد ينتحلون من أهل العلم من يوافقهم على بعض أمورهم، أو يتعاطف معهم عن جهل بحقيقتهم، أو هوى، أو تشفٍّ، أو نحو ذلك مما يعتري البشر.

كما أنهم قـد يـوجد بينهم من لديـه علم، لكنه مصاب بأدوائهم من الغلو والهوى والعنف، فـلا يتحـرى للحـق، وتعمى بصيرتــه عـن الهـدى، نسـأل الله العافية.

8- يجهلون (وقد يتجاهل الكثير منهم) الأصول الكبرى والقواعد العظمى التي قررها الشرع، واتفق عليها سلف الأمة، مثل:

– درء المفاسد مقـدم عـلى جلب المصالح: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن: من الآية16)

– المشقة تجلب التيسير« ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما » [1]1].

– « سددوا وقاربوا » [2][2].

– « وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين » [3][3].

– « إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه » [4][4].

– « ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه » [5][5].

– « إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف ومالا يعطي على سواه » [6]6].

9- يقوم اعتقادهم ومنهجهم ومواقفهم على تجاهل الأصول والثوابت الشرعية في هذه البلاد (المملكة) والتنكر لها، ومن هذه الثوابت:

– مرجعية العلماء، فلا يرعون للعلماء حقهم، ولا يرجعون إليهم كما أمر الله تعالى.

– حقوق الجماعة، فلا اعتبار عندهم للجماعة بمفهومها الشرعي العظيم.

– حقوق أهل الحل والعقد من العلماء والأمراء، والوزراء، وقادة الجيوش، ورؤساء القبائل والعشائر، وأهل الرأي والمشورة، وسائر من لهم حق الاعتبار والاحترام؛ إما لعلمه، أو لإمارته، أو  لمنزلته الاجتماعية [7][7]، أو لوجاهته، كل هؤلاء لا قيمة ولا قدر ولا اعتبار لهم عند كثيرين من الغلاة. وقد يظهر بعضهم خلاف ذلك؛ لضرورة المعايشة والمداراة، وليسوا فقط ينكرون هذا الأصل والحق والاعتبار، بل يطلقون التكفير والصفات غير اللائقة، ويسخرون بالحكام والعلماء ومن دونهم بعبارات لا تصدر ممن يحترم نفسه فضلاً عن أن يحترم من له حق الاحترام، ومن ذلك أن بعضهم يصف كبار العلماء بـ(كبار العملاء)!

– السمع والطاعة بالمعروف وفي المنشط والمكره في غير معصية الله، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك » [8][8]، وقال صلى الله عليه وسلم: « السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة » [9][9].

– البيعة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: « ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » [10][10] ومن فضل الله علينا أن تحققت البيعة في هذه البلاد من قبل أهل الحل والعقد.

– النصيحة: وهي من مباني الدين العظيمة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الدين النصيحة » (ثلاثاً) قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: « لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم » [11][11]، والنصيحة لأئمة المسلمين هي بذل النصح للعلماء والولاة وكل من له ولاية على شؤون الأمة بالتسديد والمشورة، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق، والسمع والطاعة لهم بالمعروف، وجمع الشمل حولهم، ودفع ما يحصل منهم من ظلم وجور وفسوق بالحكمة، حيث يعالج بالطرق والوسائل المشروعة: (ولا تنزع يداً من طاعة) [12][12]، فأمر الله ووصية رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك حق لا محيد عنه، ولن يجد المسلم أثمن ولا أسلم عاقبة في الدنيا والآخرة من هذه الوصايا من الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم، ولأئمة السلف من المواقف تجاه ولاة الأمور الذين يرتكبون العظائم ما فيه القدوة  والسداد والرشاد، كابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهما، وكالإمام مالك والإمام أحمد وابن تيمية وغيرهم، وهــؤلاء الغــلاة اليوم تجاوزوا حـدود الشرع، وعارضوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسبيل المؤمنين ونهج السلف الصالح في هذه الأمور وغيرها.

– الصبر: والصبر مطلـب شرعي ضروري أمـر الله بـه، وأوصــى به رسـوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: وَالْعَصْرِ* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر   (العصر:1-3)

 وقال سبحانه:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  (آل عمران:200)

ونص النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفت على الصبر على الجور والظلم والأثرة من الولاة خاصة؛ لأن في تجاوز ذلك من المفاسد والفتن ما هو أعظم في الدين والدنيا. فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية » [13][13].

– حفظ الأمن: والأمن مطلب ضروري جاء الإسلام برعايته وحفظه؛ لأنـه لا يستقيم للمسلمين دينهم ولا دنياهم إلا بــالأمن، فلا يمكن حفظ الضرورات الخمس التي جاء الإسلام برعايتها إلا بالأمـن، وهي: الدين، والنفس، والنسب (العرض)، والمــال، والعقل، وهذا (والله أعلم) من أعظم أسباب تحريم المنازعة والخروج على ولاة الأمر، لكن الغلاة في كل زمان لم يفقهوا هذه الحقائق والمصالح الكبرى.

– ودرء المفاسد العظمى: وهو مقدم على جلب المصالح [14][14]، فالغلو في الدين، والتكفير، واستحلال الدماء، والفساد في الأرض، والإخلال بالأمن، وترويع الآمنين، والخروج على الجماعة (وعلى رأسهم العلماء) والخروج عن الطاعة، كل هذه الأمور ونحوها مفاسد كبرى، والإخلال بها فساد عظيم، عواقبه وخيمة في الدين والدنيا، وأما الغلاة فزعموا أن انتهاك هذه الأمور جهاد [15][15]! نسأل الله أن يبصرنا وإياهم بالحق، ويردهم إلى جادة الصواب.

– ومن الثوابت التي يجهلها كثيرون من الغلاة وغيرهم -ويتجاهلها آخرون- نظام الحكم المعلن عام 1412هـ والذي أصَّل شرعية النظام واعتماده على مصادر الإسلام وثوابت الدين، وأصول العقيدة والسنة، وفي المبحث التالي أسوق نماذج من مواد هذا النظام.

10-  يعتمد أسلوبهم ومنهجهم في جمع المعلومات وتحليلها والحكم عليها وعلى خصومهم من خلالها، على المبالغات والتهويل، والإلزامات، والخلط بين الحقيقة والخيال، وبين الصدق والبهتان، وبين الواقع والأوهام، والتناقضات العجيبة.

11- قادهم الغلو والإخلال بالأصول المعتبرة شرعاً وعقلاً إلى الجرأة على التكفير واستحلال الدماء والأموال، والفساد في الأرض، ووسائل العنف من التفجيرات والقتل الجماعي والفردي.

12- أنهم مصابون بعقدة الإسقاط، وعقدة المؤامرة والتشاؤم واليأس، والنظرة السوداوية لسائر الأمور، وسوء الظن، وافتراض (بل واعتقاد) أسوأ الاحتمالات وأقسى الأحكام، وأصعب الحلول في سائر الأمور، حتى مع أنفسهم أو مع بعضهم، حتى اشتدوا وغلوا في الدين (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)[16][16].

فحالهم وتصرفاتهم تدل على أنهم غلَّبوا جانب التشدد والتشاؤم واليأس، وأنهم يئسوا من رحمة الله أو يكادون، ثم يئسوا من صلاح المشايخ وعطفهم، وصلاح الدولة وعطفها [17][17]، ومن صلاح المجتمع وعطفه، ولذلك ارتكبوا أبشع التصرفات وعظائم الأمور، زاعمين أن هــذا هــو ســبيل الصــلاح والإصلاح، وذلك حين جهلوا (أو تجاهل بعضهم) قواعد الشرع التي سبق ذكر شيء منها، نسأل الله العافية والهداية لنا ولهم ولجميع المسلمين.

 [18][1] – صحيح البخاري برقم (3296)، صحيح مسلم (4294).

[19][2] – صحيح البخاري برقم (6464) ومسلم (2818) وصحيح الجامع الصغير (3522).

[20][3] – صحيح الجامع الصغير (2677).

[21][4] – صحيح البخاري برقم (39)، سنن النسائي برقم (4948).

[22][5] – صحيح الجامع الصغير برقم (5530) وأخرجه مسلم برقم (2594) بلفظ: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه …) الحديث.

[23][6] – صحيح مسلم رقم الحديث (4693).

[24][7] – في غزوة حنين جاءت هوازن بعد قسمة الغنائم تطلب ردّ الأموال والسبي فخيرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما فاختاروا السبي فخطب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: “إن أخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين وإني أردت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل فقال الناس: طيبنا يا رسول الله لهم فقال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم فيه ممن لم يأذن فأرجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم طيبون وأذنوا” (انظر قواعد في التعامل مع العلماء لعبدالرحمن اللويحق ص123)، فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم مرد معرفة آراء العوام إلى العرفاء ورؤوس الناس (رواه البخاري في صحيحه برقم (2417). .

[25][8] – صحيح مسلم (1836) وصحيح الجامع الصغير (3927).

[26][9] – سبق تخريجه.

[27][10] – صحيح البخاري (7144) ومسلم برقم (3423).

[28][11] – سبق تخريجه.

[29][12] – انظر الحديث في صحيح مسلم برقم (1855).

[30][13] – صحيح البخاري برقم (7053) ومسلم برقم (3439).

[31][14] – وهذه قاعدة عظيمة فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح لأن إعتناء الشرع بالمنهيات بتركها أشد من إعتنائه بالمأمورات، وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها لا فرق بين ما تعلق بالأصول وما تعلق بحقوق الله وحقوق عباده.

(شرح القواعد والأصول الجامعة لابن عثيمين رحمه الله) بتصرف. وانظر الموافقات للشاطبي 2/5، قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبدالسلام ص 21.

[32][15] – والحق الذي أدركه كل عاقل وضعف أن المفاسد والأضرار التي حصلت بسبب هذه الأساليب؛ من التفجيرات وإهدار الدماء والإخلال بالأمن لا تكاد تحصى ومنها الإضرار بالدعوة والأعمال الخيرية وتعويقها، ثم أي فائدة عادت على المسلمين في دينهم أو دنياهم من هذه التصرفات؟! فإن أصحابها للدين نصروا ولا لخصومهم كسوا، وما تغير بفعلهم منكر ولا تقرر به معروف أو حق.

[33][16] – سبق تخريجه.

[34][17] – وقد أعلنت الحكومة -وفقها الله للخير- العفو عمن يسلِّم نفسه من المطلوبين ونحوهم، ولمدة كافية لمن هداه الله واستبصر.

 

-- ناصر العقل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*