الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » التكفير بين العلم والجهل

التكفير بين العلم والجهل

المتأمل في ما يقع فيه أصحاب الأفكار المختلفة، والذين يصدرون عن فكرٍ معين يدفعهم لاتخاذ مواقف معينة فكرية أو حركية ،ولا يوفقون لإصابة الحق ويخالفون ما عليه جمهور علماء الأمة من ثوابت وتصورات ،يعلم أن لذلك أسباباً ولابد : ولكني أقول: أن السبب الرئيس ، أو أظهر تلك الأسباب ،والذي قد تؤول إليه الأسباب الأخرى ! ( الجهل بمعنى: قلة العلم أو عدمه ) والجهل يمكن تقسيمه في حق هؤلاء إلى نوعين من الجهل :

الأول: جهلٌ بالعلم الشرعي أصلاً ،بأن يكون صاحب هذا الفكر ليس من الذين اشتغلوا بطلب العلم الشرعي ،فهو من العوام ، ومن هذا شأنه أن يكون مهيأً لأن يفرغ في رأسه وفي قلبه أي رأي يعجب به لغرابته أو جرأته أو موافقته لهواه، فهو كالوعاء الفارغ يتشرب ما يصب فيه. فهذا شفاؤه السؤال حتى يعلم ، ولكن من يسأل..؟؟ يسأل من أمر الله بسؤالهم وهم ” أهل الذكر” وهم كما قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم (أهل العلم والتحقيق ) تفسير الرازي(20/37)

قال الشيخ بن سعدي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى:  وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون  [ الأنبياء : 7 ] . (وهذه الآية وإن كان سببها خاصاً بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر، وهم: أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها، ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم…وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم نهيٌ عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم ، ونهي له أن يتصدى لذلك ..)

ثانياً: من عنده شيٌ من علم ، ولكن الجهل يأتيه من جهة عدم الدقة والدربة في تنزيل النصوص الشرعية و القواعد العلمية على واقعٍ ما ، أو يكون من المتساهلين في هذا الأمر، وتنزيل القواعد على مناط معين مهيع واسع ،وليس بالأمر اليسير ، ولا يحسنه كل أحد ! وهو الميدان الذي يبرز فيه العلماء المحققون من غيرهم !وقد أصل الأصوليون لهذا التنزيل ورسموا له ضوابط وقواعد ،ومن ذلك قولهم : أن لكل حكم شرعي مقدمتان ” نقلية وعقلية” فالنقلية تعرف من خلال النصوص الشرعية ،أما العقلية فيعنون بها تحقيق مناط الحكم وتنزيله على ما يناسبه من وقائع ، وهو ما يسمى في “أصول الفقه” بتحقيق المناط وهو: ” أن يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها ، أو منصوص عليها ، وهي الأصل ، فيتبين المجتهد (لاحظ قوله المجتهد .فتأمل) وجودها في الفرع ..) شرح مختصر الروضة للطوفي (3/233)

وتحقيق المناط -كما هو عند العلماء- نوعٌ من أنواع الاجتهاد ، وليس مباحاً لكل أحد !

والجهل بهذا الأمر من أظهر أسبابه عدم طلب العلم الشرعي بمنهجيةٍ علمية صحيحة ،أو بمعنى آخر عدم أخذه من أهله المشتغلين به والعاملين بموجبه ، وطريق العلم الوحيد هو طلبه من مصادره وهم الأشياخ الذين أفنوا جل أعمارهم فيه،وبغير ذلك لا يمكن أن يتكون طالب علم مؤصل منور القلب والعقل،راسخ العلم قوي الحجة !ومن كلام أهل العلم قديماً : (كان العلم في صدور الرجال، ثم صار في الكتب، ومفاتيحه في صدور الرجال !) ، ومن فوائد الإمام الفذ أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله قوله في مقدمة ” الموافقات” :(المقدمة الثانية عشره: من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام… وذكر أن لذلك طريقين “المشافهة و مطالعة كتب العلماء”ثم قال: وهي – أي المشافهة- أنفع الطريقين وأسلمهما لوجهين :الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم ،يشهدها كل من زاول العلم والعلماء ،فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها ، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة ، وحصل له العلم

بالحضرة! وهذا الفهم إما يحصل بأمر عادي من قرائن أحوال،وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد،ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم ،ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقي إليه… وقد قال عمر بن الخطاب (وافقت ربي في ثلاث) وهي من فوائد مجالسة العلماء ! إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم ما لا يفتح له دونهم ،ويبقى ذلك النور لهم بمقدار ما بقوا في متابعة معلمهم ،وتأدبهم معه،واقتدائهم به، فهذا الطريق نافع على كل تقدير ) فتأمل رعاك الله ! (الموافقات1 45)

وهذا بالتجربة ثابتٌ وملاحظ، فالطالب قد يأتي للدرس عند أستاذه في مسألة علمية ، يظن أنه فهمها وأن المسألة لا تحتمل من التأويل والبيان غير ما توصل إليه ،ثم بعد عرضها ومدارستها ،يظهر في الغالب الآتي: إما أنه لم يفهم المسألة أصلاً ولم يوفق لمعرفة المراد، أو أن فهمه لها كان ناقصاً بحيث أنه فهم شيئاً وغابت عنه أشياء، وكما ذكر العلماء: أن فهم الإنسان للمراد من النص الشرعي ،لا يخلو من ثلاثة أحوال: أن يكون فهمه أعم من المراد أو أخص أو مطابق.

ويذكرني ذلك بعرض الصديق أبي بكر رضي الله عنه لتأويله لرؤيا ذلك الصحابي على رسول الله الإمام والمعلم ، فأقر على ما أصاب ونبهه على ما غاب، قال صلى الله عليه وسلم « أصبت بعضا وأخطأت بعض » البخاري ، كتاب التعبير حديث رقم(7046)

وتأمل بالله عليك ، قصة عمر الفاروق أعلم الناس بعد رسول الله وأبي بكر كيف فهم ذلك الفهم في “صلح الحديبية” الذي قاده إلى أن راجع رسول الله وجادله في أمرٍ عزم عليه (وهو رسول الله)!

قال: يا رسول الله ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال “بلى” قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال رسول الله مبيناً ومطمئنناً: « يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً » ثم ذهب إلى أبي بكر فقال له أبو بكر “إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً” وبعد هذا البيان ذهب ما أشكل عليه رضي الله عنه ولاح له الصواب ، والقصة في البخاري “حديث رقم3182. قال الإمام الشاطبي معلقاً” (فهذا من فوائد الملازمة ، والانقياد للعلماء،والصبر عليهم في مواطن الإشكال..)! الموافقات 1 43

وهل يكب الشباب في الخطأ إلا تزكية الرأي المجرد ، والثقة به ، دون عرضه على العلماء أو حتى النظر الدقيق في كلام أهل العلم في بطون الكتب ومنابت الفكر!

ومن المعلوم عند أهل العلم من الأصوليين والفقهاء أن النصوص الشرعية من كتابٍ وسنة،ليست على درجةٍ واحدة من حيث وضوح دلالتها على المعنى ، ومعرفة ذلك لا يكون إلا لمن درس مناهج العلماء التي رسموها لمعرفة كيفية استنباط الأحكام واستخلاص المعاني من النصوص، وهي مناهج وقواعد علمية وضعت لتفسير النصوص مستخلصة بدقة من قواعد اللغة ومفهومات الشريعة ومقاصدها ،وذلك كله تحقيقاً لقول الله :  ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم  النساء : 83. والمراد بتفسير النصوص (بيان معاني الألفاظ ودلالاتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يفهم من النص) أنظر: تفسير النصوص د.محمد أديب (1/59)

والنص الشرعي من حيث دلالته على الحكم بالنسبة للمكلف ،قد يكون من الواضح، وهو أنواع منه ما هو “ظاهر” ومنه ما هو “نص” ، وقد يكون مبهماً يحتاج إلى تفسير ،وقد يكون عاما أو خاصاً أو عاماً أريد به الخصوص …….إلخ مما هو مقرر عند علماء أصول الفقه.

وهذا التراث العلمي الهائل والدقيق لا يمكن تجاوزه بتجاهله أو بالتقليل من أهميته ،فبه: تفهم النصوص ويستدل على المعاني ويدفع التعارض عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم!

وبسبب الجهل به يحصل الخطأ،وتفهم النصوص على غير مرادها الصحيح،وقد حذر الله في كتابه من الجدال بغير أسس ثلاث “العلم والهدى والكتاب المنير” قال الله :  ومن الناس من يجادل في الله بغير علمٍ ولا هدى ولا كتابٍ منير  الحج : 8 .

ومن هنا حذر العالم المحدث الخليفة الراشد عمر الفاروق رضي الله عنه ،إذ تخوف من تأويل النصوص دون دراية وعلم،فقال : ( ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ،ولا من فاسقٍ بينٍ فسقه ،ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ،ثم تأوله على غير تأويله)جامع بيان العلم وفضله

ومكمن الخطورة أن هذا التأويل الغير منضبط بالقواعد العلمية المعتبرة – والذي هو محض تصور عقلي للنص – ،يتحول إلى حكم شرعي يتعبد الله به ،وقد يكون له لوازمه المتعدية !

ومن درس وتأمل التاريخ الفكري للفرق والطوائف الإسلامية التي حادت عن ما كان عليه رسول الله وأصحابه ،أو غلت في اتخاذ بعض المواقف العقدية أو تبنت بعض الأفكار المنحرفة أو الضالة ،مما جعلها شذوذاً بين الأمة ،نجد أنها لم تؤت ولم تقع فيما وقعت فيه ” في الجملة” إلا من جهة هذين النوعين من الجهل – والله أعلم – فعدلوا بالنصوص عن ظواهرها وتأولوا الآيات لتوافق أهوائهم ،لا لتكون هي الحاكمة على كل هوى ورأي! وما خبر الخوارج أو الجهمية أو الشيعة وغيرهم ..ببعيد!!

ومنهم أقوام وصفوا بكثرة العبادة والاجتهاد وسلامة المقصد في الظاهر وإرادة الخير ، إلا أن الجهل وعدم التعلم أوردهم المهالك،والمعصوم من عصمه الله ..والمقصد الشريف لابد لتحقيقه من وسيلة مشروعة شريفة كذلك ،والوسيلة هي العلم والعمل ،والغاية في الإسلام لا تبرر خطأ الوسيلة ، والتوفيق بيد الله. (1)

 

——————————————————————————–

(1) {وقفات تأصيلية }( التكفير بين العلم والجهل) تأليف: د. فهد بن سعد الزايدي الجهني أستاذ أصول الفقه المساعد بفرع جامعة أم القرى بالطائف.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*