الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » وجوب لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة

وجوب لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة

 يقول ابن تيمية رحمه الله في السياسة الشرعية؛ (يجب إن يعرف أن ولاية أمر الناس من واجبات الدين بل لا قيام إلا بها فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس)، إلى ان قال قدس الله روحه: (ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بالقوة وإمارة وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود ولا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي(إن السلطان ظل الله في الأرض)، والتجربة تبين ذلك ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل رحمهما الله وغيرهما يقولون؛ (لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان))، إلى أن قال قدس روحه : (فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة يتقرب بها إلى الله فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات وإنما يفسد حال أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها).

فمما لاشك فيه أن قيام أمور حياة الناس في دينهم وديناهم تعتمد على وجود الآمر الناهي الذي ينظم شؤون الأمة وأمورها كما ذكر شيخ الإسلام في كتابه الحسبة: كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال الإنسان مدني بطبعه، فإذا اجتمعوا فلابد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، فجميع بني آدم لابد لهم من طاعة، فمن لم يكن من أهل الكتاب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملوكهم فيما يعود بمصالح دنياهم مصيبين تارة ومخطئين أخرى، ومن كمال هذا الدين أنه ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ لأن من شأن انضباط هذه العلاقة انضباط حياة الناس.

ومما يلفت النظر أن ضبط هذه العلاقة في الشريعة جاء بأسلوب شرعي بديع وجه كلاً من الطرفين إلى القيام بالمهام المنوطة به والواجبات الموكلة إليه بأسلوب قوي، فإذا نظرت إلى النصوص الواردة بشأن الحاكم والحقوق الواجبة عليه والمنوطة به ظننت أن الشريعة جاءت مائلة إلى جانب الرعية، وإذا نظرت إلى النصوص الواردة بشأن الرعية وحقوق ولي الأمر عليهم من الطاعة والنصر ظننت أن الشارع مائل إلى جانب الحاكم، والموقف إنما يتضح من مجمل النظر في النصوص الواردة في ذلك، بل أن الآية الواحدة من كتاب الله- عز وجل- ربما قصد بها الحاكم والمحكوم كل يوجه إلى الحق الواجب عليه.

يقول ابن كثير- رحمه الله- في تفسيره قوله تعالى: â الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ… á [الحج: 41] قال: وقد أورد نصاً عن ابن سورة الكندي قال سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب يقول: إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم وبما للوالي عليكم منه، إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم وأن يأخذ لبعضكم من بعض وأن يهديكم التي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلكم الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها علانيتها. انتهى.

وحقوق الإمام على الرعية كثيرة: أولها الطاعة، فالولاية لا قيام لها على الحقيقة إلا بالطاعة كما قال عمر بن الخطاب (لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة) والله- عز وجل- أمر بطاعة أولي الأمر، وشواهد ذلك من كتاب الله وسنة رسوله كثيرة، منها في القرآن قوله تعالى: â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ… áوقوله عليه الصلاة والسلام: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني» وفي حديث عبادة بن الصامت (بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم) ويلحق بهذا من حقوق ولاة الأمر على الرعية التوقير والتقدير كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط» وقال حذيفة: (ما مشى قوم إلى سلطان الله في أرضه ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا) وطاووس بن كيسان قــال: (من السنة أن يوقر أربعة العالم وذو الشيبة والسلطان والوالد) وقد يظن بعض الناس أن مسألة التوقير عائدة إلى ذات الإنسان فحسب ولكن علينا أن نعرف أن توقير ذي السلطان طريق من طرق الأمن بين الناس والطمأنينة، فإذا تجرأ الناس على ذي السلطان بعدم التقدير والتوقير تجرؤا عليه من بعد بالفعل؛ مما ينشر الأحقاد المتبادلة التي تؤول إلى نشر الفتن.

ومن حق ولي الأمر أيضاً النصح فالنصيحة والنصرة ومعاونة ولي الأمر على البر أمر واجب بل هذه كلها أمر واجب لكل مسلم والولاة أولى الناس بذلك وفي حديث تميم الداري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

و كثير من الناس يظن أن النصيحة في بذل الخير باللسان فحسب؛ ولكن النصح والنصيحة كلمة عامة تدل على صدق القلب في رغبة الخير للمنصوح ورغبة الخير منه وهذا يشمل أمور الدين والدنيا بمعنى أنك ترغب الخير للمنصوح في دينه وديناه وترغب الخير منه؛ لذلك يقول ابن الصلاح – رحمه الله -: (النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح بوجوه الخير إرادةً وفعلاً، فتشتمل على المعاونة والطاعة والنصرة).

ويقول النووي – رحمه الله -: (وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم وطاعتهم فيه، وتـألف قلوب الناس لطاعتهم.

وقال الحافظ بن رجب – رحمه الله -: (والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك.

ويقول الخطابي رحمه الله: (من النصيحة لهم: الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم وان يدعى لهم بالصلاح).

وأما بالنسبة للنصيحة بالمعنى الأخص وهو الكلام معهم بالخير وبيان الحق لهم فالسلطان من حقه أن يبين له الحق بالأسلوب المناسب لمقامه وقدره فإذا كان الإمام محتاجاً إلى النصح يناصح كما في الحديث الذي رواه البخاري في التاريخ الكبير: «من كان عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده فليخلوا به فإن قبلها قبلها، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له».

ولكن قد يكون السلطان صاحب جور أو ظلم، فإن الناصح يكون مأجوراً بأدائه النصيحة وقوله الحق حتى ولو أدى به ذلك إلى هلاك نفسه فالنبي- صلى الله عليه وسلم- سئل أي الجهاد أفضل فأعرض عن السائل مرتين ثم قال: «أين السائل؟» فقال: ها أنذا يا رسول الله فقال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».

ونظرا لما يترتب على الخروج عن الأئمة من مفاسد عظيمة وفساد كبير فقد جاءت نصوص الشارع وكلام أهل العلم للتأكيد على هذه الحقيقة بما لايدع مجالا لوجود أي لبس أو تأويل خاطئ:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة: (ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة انهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته).

وقد نقل ابن حجر رحمه الله الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم: فقال: قال ابن بطال: (وفى الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) فتح الباري 13/7.

 ونقل الإمام النووي-رحمه الله – الإجماع على ذلك أيضا فقال: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق….) شرح النووي 12/229.

وقال العلامة ابن رجب الحنبلي في الجامعة عندما شرح حديث تميم الداري رضي الله عنه: « الدين النصيحة» قال: (وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهية افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل)، إلى أن قال رحمه الله: (معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك).

وقال الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله: (فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلا كان أو جائرا فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في الصلاة ولا بدوام صيامه وبحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج).

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: (ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل؛ أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث أن يأخذ بيده ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله وقد قدمنا في أول كتاب السير أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح، والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة، ولكن على المأموم أن يطيع الإمام في طاعة الله، ويعصيه في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب طيب الله ثراه في رسالة الأصول الستة: (الأصل الثالث؛ إن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا فبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانا شائعا ذائعا بكل وجه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟)

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في شرح العقيدة الطحاوية: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والعافية).

وقال الإمام البربهاري رحمه الله: (واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، جوره على نفسه وتطوعك وبرك معه تام إن شاء الله تعالى يعني الجماعة والجمعة والجهاد معهم كل شيء من الطاعات فشاركهم فيه وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله. يقول الفضيل بن عياض لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا، لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في توضيح حديث النصيحة: (وأما النصيحة لأئمة المسلمين وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي إلى جميع من لهم ولاية صغيرة أو كبيرة فهؤلاء لما كانت مهماتهم وواجباتهم أعظم من غيرهم وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم وذلك باعتقاد إمامتهم والاعتراف بولايتهم ووجوب طاعتهم بالمعروف وعدم الخروج عليهم وحث الرعية على طاعتهم ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم وتوضيح ما خفي عليهم فيما يحتاجون إليه في رعايتهم كل أحد بحسب حالته والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم واجتناب سبهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم فإن في ذلك شرا وفسادا كبيرا فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرا لا علنا بلطف وعبارة تليق بالمقام ويحصل المقصود فإن هذا مطلوب في حق كل أحد وبالأخص ولاة الأمور فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير وذلك علامة الصدق والإخلاص).

 ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الخروج على المأمون وهو الذي فرض على الناس بدعة القول بخلق القرآن، وقال لمن استفتاه: (سبحان الله، الدماء الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة، تسفك فيها الدماء..) قال له السائل: (والناس اليوم في فتنة يا أبا عبد الله، قال: (وإن كان فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل، الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك).

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*