الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » تحذير الإخوان من نكث بيعة السلطان – فوائد وقواعد مهمة في الصبر على جور الولاة و الأئمة – البدر التمام في كيفية مناصحة الحُكّام

تحذير الإخوان من نكث بيعة السلطان – فوائد وقواعد مهمة في الصبر على جور الولاة و الأئمة – البدر التمام في كيفية مناصحة الحُكّام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، على سيد ولد عدنان، وعلى آله، وصحبه، ومن تلا إلى يوم الدين بإحسان، وسلم تسليمًا كثيراً، أما بعد:
لابد لنا قبل تناول هذا الموضوع وتوضيح معالمه، من التنبيه على قضية لها نوع ارتباط بمسألتنا هذه؛ وهي: الحثّ على  رعاية الأدب مع الحاكم والأمير المسلم، وإكرامه، وتوقيره، وموالاته، وعدم خذلانه، وإنزاله منـزلته اللائقة به؛ وبيان أن هذا مطلوب ديناً؛ قد دلت عليه النصوص الشرعية، كقوله تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]،وقوله تعالى:{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}[المائدة:55]، وقال: {إنما المؤمنون إخوة}[الحجرات:10 ]، إلى غيرها من الآيات في هذا المعنى.
 ولا شك أن الحاكم المسلم يدخل في عموم هذه الآيات؛ على أنه قد وردتْ أحاديث خاصة ثابتة في هذا الباب، قد يجهلها كثيرون، رأيتُ أن أسوق شيئاً منها؛ تذكيراً للغافل، وتعليماً للجاهل، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” سيكون بعدي سلطان فأعِزُّوه، من التمس ذُلّه؛ ثَغَرَ ثغْرةً في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت “(1).
وقال صلى الله عليه وسلم : ” من أكرم سلطان الله؛ أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله؛ أهانه الله “(2).
ولنا بإذن الله عودة إلى هذا الموضوع في إصدار قادم بعنوان (زجر السفهاء عن السبّ والوقيعة في الأمراء). وموضوعنا الذي هو جديرٌ بالتناول في هذا الإصدار، يُنبه ويُوقظ إلى الكيفية المُتوخّاة شرعاً في مناصحة أولي الأمر؛ لأن من الخطأ الذي بُلي به أنصاف العلماء، وتبعهم عليه من لا فقه عندهم ولا بصيرة؛ اعتقادهم وجوبَ مجاهرة السلطان بالنصيحة والإنكار، أمام الملأ؛ ليتردع عن مواقعة المنكرات، ويُقلع عن مزاولة الظلم، وأن هذا الصنيع جهادٌ، وصدعٌ بالحق، والموت في سبيله شهادة من أرفع أنواع الشهادة، وأن الأُمم قبلنا ما هلكوا إلا بتركهم لهذه الشعيرة العظيمة! ويحتجون بالآيات والأحاديث التي فيها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذْل النصحية للمسلمين بعامة، ومناصحة من ولي أمرهم، وأن المُناط بهم الخطاب هم عموم الأمة؛ لكل من وقع في معصية، أو قصّر في واجب؛ والسلطان أو الأمير أو الحاكم، لا شك داخلون في عموم تلك الآيات والأحاديث!
وهذا من الجهل بمنهج أهل السنة في هذا الباب، وخلاف ما وردت به النصوص الخاصة، وأقوال أهل العلم البُصراء، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن القاعدة الأصولية تنصّ ُعلى:  تقييد العام إذا ورد ما يخصصه، سواءٌ أكان تخصيصاً متصلاً أو منفصلاً، ومن هذا الباب: ما سقتموه من أدلة عامة؛ فهي مُخصَّصَة بما بعده، وهو:
الوجه الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كفانا مؤنة الخوض في هذه المسألة، وقطع سبيل المماحكة؛ بحديث صريح، لا مدفع له، يوضّح  لنا فيه، كيفية مناصحة السلاطين، وأنها تكون سرِّاً، لا علانيةً أمام الملأ، أو من فوق أعواد المنابر، وهذا الخبر، هو: ما جاء من طريق شُريح بن عبيد الحضرمي، وغيرُه؛ قال: (جَلَد عياضُ بن غُنم صاحبَ دارٍ حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول، حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام ابن حكيم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس “؟
فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعتَ، ورأينا ما رأيتَ؛ أو لم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من أراد أن ينصح لسلطان بأمرٍ؛ فلا يُبْد له علانيةً، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به؛ فإن قَبِل منه: فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه له “.
وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله؛ فهلاّ خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله تبارك تعالى )(3).
فهذا هشام بن حكيم رضي الله عنه، أذعن للنصّ النبوي، وسلّم للحجة التي بلّغه إياها عن النبي صلى الله عليه وسلم، عياضُ بن غُنم رضي الله عنه، ولم يعترض كاعتراضات المخدوعين الذين يقولون: هذه أخبار آحاد؛ لا يُعمل بها، ونحوها من الاعتراضات الباردة!
فالحاصل: أن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، عمل بمقتضى  التوجيه النبوي، وسلّم له، ولم يجد في نفسه حرجاً ممّا قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الظنّ بالصحابة الكرام رضي الله عنهم.
الوجه الثالث: أنه قد جرى عمل الصحابة رضي الله عنهم، بهذه السُّنة النبوية، ومشوا على هذا المنهج السوي، وإليك البيان: فعن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه، أنه قيل له: (ألا تدخل على عثمان لتكلّمه ؟ فقال: أتروْن أني لا أكلمه إلا أُسمعكم ؟ والله لقد كلمتُه فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من   فتحه)(4).
قال الألباني تعليقاً على هذا الحديث: ” يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ؛ لأن في الإنكار جهاراً ما يُخشى عاقبته؛ كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً؛ إذ نشأ عنه قتله “(5).
ومن الآثار في هذا الباب: ما جاء عن سعيد بن جهمان، قال: أتيتُ عبدَ الله بن أبي أوفى، وهو محجوب البصرة فسلمتُ عليه.
قال لي: من أنت ؟ فقلتُ: أنا سعيد بن جهمان.
قال: فما فعل والدك ؟ قال: قلتُ: قتلتْه الأزارقةُ(6).
قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم كلاب النار.
قال: قلتُ: الأزارقة وحدهم، أم الخوارج كلها ؟ قال: بلى، الخوارج كلها.
قال: قلتُ: فإن السلطان يظلم الناس، ويفعلُ بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزةً شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جهمان! عليك بالسواد الأعظم؛ عليك بالسواد الأعظم؛ إن كان السلطان يسمع منك؛ فائته في بيته، فأخبِرْه بما تعلم؛ فإن قبل منك، وإلا فدعْه؛ فإنك لستَ بأعلم منه “(7).
وأورد الإمام  هَنَّاد بن السّري، في كتاب الزهد(8)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: ” أيتها الرعيّة إن لنا عليكم حقّاً: النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير”.
ونقل ابن رجب الحنبلي، عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه سُئل عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ فقال: ” إن كنت فاعلاً ولا بُد؛ ففيما بينك وبينه “(9).
 
الوجه الرابع:  أن العلماء المحققين، أفتوا بمقتضى تلك الأحاديث والآثار، وذكروا ما يترتب على المجاهرة بنصيحة ولاة الأمور أمام الملأ من مفاسد؛ قال الإمام الشوكاني: “…ولكنه ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل، أن يناصحه، ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث؛ أن يأخذ بيده، ويخلو به، ويبذل له النصحية، ولا يُذل سلطان الله…” (10).
وقال ابن النحّاس: ” ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة، على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يود لو كلمه سراً، ونصحه خفية من غير ثالث لهما “(11).
 فالأصل في نصيحة آحاد الناس أن تكون سرّاً؛ فيما بينه وبين المنصوح؛ لأنه لا يقصد من نصيحته إيّاه؛ الشماته به، أو تعييره بذنبٍ ارتكبه؛ ولأن الناصح إن كان مخلصاً في النصيحة، ولمََـَسَ المنصوحُ منه ذلك؛ كان أدعى إلى الإقلاع والتوبة، وإلا إن تمادى في الذنب وجاهر به، أُنكر عليه ظاهراً، ورفع أمره إلى السلطان، فإن كان أميراً في ناحية أو بلدةٍ، ونحوهما، وبذل له من أسباب النصيحة ما أمكن، ولم يرتدع، فحينها يرفع أمره إلى الإمام العام؛ خُفيةً، ولا ينكر عليه ظاهراً، وفي توضيح هذا يقول إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – بعد كلام له سبق -: “…والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره؛ أن يُنصَح برفقٍ؛ خُفيةً، ما يشترِف أحدٌ؛ فإن وافق، وإلا استلحق عليه رجلاً يقبل منه بخُفية، فإن لم يفعل؛ فيمكن الإنكار ظاهراً، إلا إن كان على أمير، ونصحَه، ولا وافق، واستلحق عليه، ولا وافق؛ فيَرفَع الأمر إلينا خفية “(12).
وفي مفتتح الرسالة المشار إليها، كلامٌ للأئمة الأعلام: محمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وسعد بن عتيق، وعمر بن سليم، وعبد الله العنقري، ردّوا فيها على من نحى منحى الخوارج وغيرهم، في الإنكار العلني على السلاطين، وولاة الأمر؛ فقال أولئك العلماء: ”  وأما ما يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام؛ فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي؛ برفقٍ، واتّباع ما كان عليه السلف الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس.
واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد؛ وهذا غلطٌ فاحش، وجهلٌ ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتّب عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا؛ كما يعرف ذلك من نوّر الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين “(13).
وجاء في بعض مكاتبات الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- إلى بعض طلاّبه، ما يلي: ” من محمد بن إبراهيم، إلى حضرة المكرَّم الشيخ…المحترم -سلّمه الله-.
بلغني أن موقفك من الإمارة ليس كما ينبغي، وتدري -بارك الله فيك- أن الإمارة ما قُصد بها إلا نفع الرّعية، وليس من شرطها أن لا يقع منها زلل. والعاقل، بل وغير العاقل يعرف أن منافعها وخيرها الديني والدنيوي، يربو على مفاسدها بكثير.
ومثلك إنما منصبه منصب وعظٍ وإرشاد وإفتاء بين المتخاصمين.
ونصيحة الأمير والمأمور؛ بالسَّـرِّ، وبِنيَّةٍ خالصة؛ تعرف فيها النتيجة النافعة للإسلام والمسلمين.
ولا ينبغي أن تكون عثرة الأمير أو العثرات نصب عينيْك، والقاضية على فكرك، والحاكمة على تصرفاتك، بل في السِّـرِّ قُمْ بواجب النصيحة، وفي العلانية أَظْهِرْ وصَرِّحْ بما أوجب الله من حق الإمارة، والسمع، والطاعة لها، وأنها لم تأت لجباية أموال الناس، وظلم دماء وأعراض من المسلمين، ولم تفعل ذلك أصلاً إلا أنها غير معصومة فقط.
فأنت كُنْ وإيّاها أخويْن:
أحدهما: مبيِّنٌ، واعظٌ، ناصحٌ.
والآخر: باذل ما يجب عليه، كافّ عمّا ليس له، إن أحسن دعا له بالخير، ونشط عليه، وإن قصّر عومل بما أسلفتُ لك.
ولا يظهر عليك عند الرعية -ولا سيما المتظلمين بالباطل- عتبك على الأمير، وانتقادك إيّاه؛ لأن ذلك غير نافع الرعيّة بشيء، وغير ما تعبّدتَ به. إنما تعبّدت بما قدّمتُ لك ونحوه، وأن تكون جامع شملٍ، لا مُشتت؛ مؤَلِّف، لا مٌنفِّر، واذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم، لمعاذ وأبي موسى: (يسّرا ولا تُعسّرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا)(14)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وأنا لم أكتب لك ذلك لغرضٍ سوى النصيحة لك، وللأمير، ولكافة الجماعة، ولإمام المسلمين. والله ولي التوفيق، والسلام عليكم “(15).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- وهو يتكلم عن النصيحة لأئمة المسلمين وولاتهم: “…وعلى من رأى منهم ما لا يحلّ؛ أن ينبههم سـرِّا، لا علناً؛ بلُطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا مطلوب في حق كل أحد؛ وبالأخص: ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه، فيه خير كثير؛ وذلك علامة الصدق والإخلاص …” (16).
وقال بقية السلف، الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: ” ليس من منهج السلف، التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتّبعة عند السلف؛ النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به، حتى يوجّه إلى الخير.
وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل؛ فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي، والتحذير منها، من غير أن يذكر  فلاناً يفعلها؛ لا حاكم، ولا غير حاكم.
ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه، قال بعض الناس لأسامة بن زيد رضي الله عنه: ألا تكلم عثمان؟
فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ إني لأكلمه فيما بيني وبينه، دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من افتتحه(17).
ولما فتحوا- أي : الخوارج – الشرَّ في زمان عثمان رضي الله عنه، وأنكروا على عثمان جهرةً؛ تمّت الفتنةُ والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقُتل عثمان بأسباب ذلك، وقُتل جمع كثر من الصحابة وغيرهم؛ بأسباب الإنكار العلني، وذكْر العيوب علناً؛ حتى أبغض الناسُ وليَّ أمرهم، وقتلوه، نسأل الله العافية “(18).
وقال العلامة ابن عثيمين- بعد كلام له مضى-: “…فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علناً، وإنكار ذلك عليه في المحافل، والمساجد، والصحف، ومواضع الوعظ، وغير ذلك؛ ليس من باب النصيحة في شيء، فلا تغتر بمن يفعل ذلك، وإن كان عن حُسن نيّة؛ فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح، المُقتدى بهم، والله يتولى هُداك “(19).
وكلام العلماء في هذه المسألة طويل، وإنما الغرض بيان مذهب السلف في هذا الباب، على أنه بقيتْ شُبهٌ يعارض بها من لا علم عنده، هذه العقيدة الثابتة المستقرّة(20)، فترى حشداً من القصص والنقول غير محررة الأسانيد؛ لا خطام لأكثرها ولا زمام، أو قد تصحّ الأخبار والوقائع بها، لكنها غير صريحة في الدلالة على ما ذهبوا إليه، من المجاهرة بنقد السلاطين؛ أو قد تكون صحيحة(21)؛ فتجدهم مثلاً يحتجون بأحاديث نصّت على مدح من صدع بالحق عند السلطان الجائر، كحديث: ” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر “(22)، وحديث: ” سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه؛ فقتله “(23).
والجواب عن هذا: أن هذه المجاهرة بالحق، مخصوصة بكونها عند السلطان الجائر، وليست أمام الناس، ثم إن الأذى الذي قد يقع على الناصح؛ إنما يتحمّله هو بنفسه، وليس المجاهر بالإنكار على الوالي كذلك؛ لأنه  يحمّله غيرَه، ويحرّضه ويدفعه للإنكار، ثم يبتعد هو عن موطن الحدث؛ فهو بذلك التّصرف لم يقدم النصيحة للسلطان في حقيقة الأمر، بل أفسد أكثر مما يظنّه إصلاحاً، وقد لا يحصل المقصود من النصيحة؛ حتى ولو ناصح السلطان وحده؛ إذا كان لا يقبل منه؛ إذ ليس الأمر موكولاً لكل من هبّ ودرج، ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلا بد من رعاية هذه القاعدة الجامعة، واعتبارها، وإعمالها حيث يُظَنُّ تَرَجُّحها.
 على أن بعض العلماء قيّد استحباب تعريض الناهي عن المنكر نفسه للضرب، أو القتل، بما إذا كان لأمره ونهيه تأثير في رفع المنكر، أو كسر جاه الفاسق، أو تقوية قلوب أهل الدين(24).
ثم إنّ الناصح قد يعرّض نفسه للبلاء ثم لا يطيقه؛ فينعكس الأمر، ويفوتُ المقصود، وقد يتعدّى إلى غيره. قال الحافظ ابن رجب: ” إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يؤذي أهله، أو جيرانه؛ لم ينبغ له التعرّض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدّي الأذى إلى غيره، كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره: مع هذا متى خاف منهم على نفسه السيف، أو السوط، أو الحبس، أو القيد، أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى؛ سقط أمرهم ونهيهم. وقد نصّ الأئمة على ذلك، منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. قال أحمد: لا يتعرض إلى السلطان؛ فإن سيفه مسلول “(25).
وليس من لازم الصدع بالحق عند السلطان، كما يظنّه من لا فقه له؛ تخشين الكلام معه، أو رفع الصوت عليه، أو سبّه، أو تقريعه، بل الأصل التّلطف معه، وتليين الخطاب، وانتقاء العبارات اللائقة، وتذكيره بمحاسنه، والثناء عليه بها، وعلى هذا يُحمل ما ورد عن السلف من مناصحة الولاة، والإنكار عليهم، ولا سيما إن كانوا من أصحاب المكانات عند الولاة، والجاه، والكلمة، وليس كل أحد كذلك؛ فيُراعى حال الزمان، والمكان، وحال الوالي، وحال الناصح.
وقد يتعلّق المخالفون بما جرى من إنكار أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، على أمير المدينة مروان، لمّا خطب للعيد قبل الصلاة، فجذبه أبو سعيد رضي الله عنه، من ثوبه، وقال له: غيّرتم والله(26).
والجواب: أولاً: أن هذا الإنكار وقع فيما بين أبي سعيد، وبين مروان، كما هو ظاهر الخبر(27).
ثانياً: أن أبا سعيد كانت له منـزلة ومكانة عند مروان؛ بدليل قول أبي سعيد: ” فخرجتُ مخاصراً مروان “، وهذه الرواية وقعت عند الإمام مسلم. فهذه المكانة جعلتْ مروان يتحمل من أبي سعيد ما لا يحتمله من غيره.
ثالثاً: أن أبا سعيد وإن خالف الوالي، إلا أنه لم يؤلّب الناس عليه، ولم يأمرهم بالانصراف، بل استمع إلى الخطبة، وصلّى خلفه(28)، فأين هم أولئك الذين يستدلون بتلك الواقعة على جواز المجاهرة بسبّ الولاة، وذكر عيوبهم، وتأليب الناس عليهم؟! فأين هذا من ذاك؟! لا شك أنه قياس مع الفارق، وجهل بالقياس الصحيح، المستوفي للشروط.
على أنّا نقول: لو صحت تلك النقول عمّن نقلوها؛ فلا حجة فيها؛ لأنها ممّا يُحتج لها، لا بها؛ إذ ليس لأحد كائناً من كان، قول مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد صحّ عنه الأمر بمناصحة الولاة سرّاً، فوجب المصير إلى النص واطّراح ما عداه.
ومعلوم أن القاعدة العامة، لا تُؤخذ من وقائع الأعيان، أو بعض الاجتهادات الخاطئة، أو الآراء البعيدة؛ لأن معنى: منهج السلف، هو: مسلك عامّتهم، لا بعضهم، وبهذا يتبيّن زلل من يتعلقون بما صحّ من آثار عن بعض السلف، في المجاهرة بالإنكار على السلاطين، ويجعلونها قاعدة عامة في هذا الباب.
وأيضاً: فإن مَنْ تعرّض للولاة من أولئك بالإنكار، وأصابه ما أصابه من البلاء؛ لم يوجب ذلك هدْر منـزلة السلطان عنده، ولا دعا إلى الخروج عليه، ولا نزْع اليد عن طاعته، وفي الجملة: لم يقع منهم تعدياً لحدود الله، أو خرقاً لقواعد الملّة.
فأي ثمرة جناها المتحرّشون بالوُلاة؛ بأعمالهم اللامسؤولة، والتي لا تضيف إلى مجتمعاتنا وأُمتنا، إلا مشاكل جديدة، وأزمات تعكّر صفو الوحدة، وتُشعل الفتن بين الحاكم والمحكوم، وتوسع الفجوة، وتزيد الجفوة، فهي كما قيل (ضغثاً على إبّالة)، والواقع أصدق شاهد.
 فعلى المرء أن يسعى إلى الخير جهده، ولا يكن مثالياً في تصوراته ويتوقع أن تجري الأمور على هذا الأساس؛ فإن الخير لا يتمحّض في هذه الأزمنة، فليجتهد بتحصيل خيْر الخيْريْن، ودفع شرّ الشرّيْن. ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: “…وقد يتعذر، أو يتعسّر على السالك سلوك الطريقة المشروعة المحضة، إلا بنوع من المُحدّث؛ لعدم القائم بالطريق المروعة؛ علماً وعملاً؛ فإذا لم يحصل النور الصافي: بأن لم يُوجد إلا النور الذي ليس بصافً، وإلا بقي الإنسان في الظلمة؛ فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك، يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك؛ لما رآه في طريق الناس من الظُلْمة “(29). 
وفق الله الجميع إلى ما يحبّه ويرضاه، وجنّبنا والمسلمين شر الفتن؛ ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.

————————————————————
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم (1079)، بسند صحيح.
(2) أخرجه الإمام أحمد المسند (5/42)، و (5/48-49)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/163)، وأخرجه الترمذي، برقم (2225)، وفيه قصة، وللحديث طرقٌ حسنها الألباني في الصحيحة (5/376).
(3) أخرجه الإمام أحمد (24/48-49-مؤسسة الرسالة)، وابن أبي عاصم في السنة (2/522)، والحاكم في المستدرك (3/290)، وغيرهم، وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة ، لابن أبي عاصم (2/521-523).
(4) أخرجه البخاري (6/330-فتح الباري)، و (13/48-فتح الباري)، ومسلم (4/2290).
(5) مختصر صحيح مسلم، للألباني، ص (335).
(6) هي فرقة من فرق الخوارج، تُنسَب إلى مؤسسها: نافع بن الأزرق.
(7) أخرجه الإمام أحمد (4/382)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (5/230): ” رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات “.
(8) (2/602).
(9) جامع لعلوم والحكم (1/225).
(10) السيل الجرار (4/556).
(11) تنبيه الغافلين من أعمال الجاهلين، ص (64).
(12) انظر الرسالة بطولها في كتاب: نصيحة مهمة في ثلاث قضايا، ص (47-53).
(13) نصحية مهمة في ثلاث قضايا، ص (47)، وانظر: الدرر السنية (9/119).
(14) أخرجه البخاري (6/163-فتح الباري)،  مسلم (3/1359).
(15) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (12/182-183).
(16) الرياض الناضرة، ص (50).
(17) سبق تخريجه.
(18) المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، السؤال العاشر.
(19) مقاصد الإسلام، ص (393).
(20) مثل كتاب: الإسلام بين العلماء والحكام، لعبد العزيز البدري –رحمه الله وتجاوز عنه-.
(21) سيأتي الجواب المجمل العام عن هذه الآثار، وبيان أنها لا حجة فيها.
(22) أخرجه أبو داود، برقم (4344)، والترمذي، برقم (2174)، وغيرهما، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1100).
(23) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/195)، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3675).
(24) انظر: الكنـز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي داود، ص (200)، وإحياء علوم الدين (2/286).
(25) جامع العلوم والحكم (2/150-151).
(26) انظر: صحيح الإمام البخاري، برقم (956)، وصحيح الإمام مسلم، برقم (889).
(27) انظر: فتح الباري (2/572).
(28) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (6/484)، وفتح الباري (2/572).
(29) المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، السؤال العاشر.

-- د. صادق سليم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*