السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » زجْرُ السُّفهاءِ عن السَّب والوقيعةِ في الأُمراء

زجْرُ السُّفهاءِ عن السَّب والوقيعةِ في الأُمراء

الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
اْعْلم يا باغي الخيْر: أن غِيبة السلطان المسلم، أو انتقاصه، وشيْنه، وسبّه، والتّطاول عليه: أمرٌ محرَّمٌ؛ لا يُقْدِمُ عليه إلا رقيقُ الدين، قليل الفقه بنصوص الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأُمّة، وسنورد في هذا المُختصر، البراهين على ذلك – إن شاء الله تعالى-.
وقد سبق لنا عرْض شيء من الأدلة الدالة على وجوب توقير السلطان المسلم، وبيان ما له من المنـزلة والمكانة، التي أنزلها الشرع إيّاها؛ وقد رأَيْنا إعادتها هنا؛ لتعم الفائدة، وضممنا إليها نصوصاً أُخرى في النهي عن سبّ السلاطين، والأمراء، والحُكّام، وانتقاصهم، والتعرّض لهم بالذّم أو القدْح؛ وهي على ضربيْن: عامة، وخاصّة: فأمّا العامة:
فكقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]،وقوله تعالى:{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}[المائدة:55]، وقال: {إنما المؤمنون إخوة}[الحجرات:10 ]، إلى غيرها من الآيات الواردة في هذا المعنى.
والنص القرآني بعمومه يتناول الحاكم المسلم؛ لأنه من جملة المؤمنين، كما لا يخفى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
كما أنّ النص القرآني الوارد بشأن تحريم غيبة المسلمين لبعضهم البعض، أو لمز بعضهم بعضاً، أو سخريتهم من بعض، كما في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن  ولا تلمزوا  أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون *  يا أيها الذين آمنوا اجتبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}[الحجرات:11-12].
فالحاكم، أو السلطان، أو الأمير المسلم: داخلون في هذا التوجيه القرآني، وفي عموم خطابه؛ فمن أخرجهم من هذا العموم؛ فعليه الدليل، ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً.
ومن هذه النصوص العامة؛ تلك الأحاديث، والأخبار النبويّة، التي وردت بتحريم الغيبة، والنميمة، والاستهزاء، والسخرية، والسب، لعموم المسلمين، وأن المسلم الحقيقي، من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ و لا ريْب أنّ الحاكمُ المسلم، والسلطان، والأمير: داخلون في هذا العموم.
 وتلك الأحاديث المشار إليها، كثيرة جداً، ساق الإمامُ النووي، في كتابه (رياض الصالحين)، جملةً صالحةً منها، فنحيل من طلبها إلى هذا الكتاب المبارك، والله الموفق.
لكن لا يُفهم ممّا تقدّم جوازُ إيذاء غير المسلم، والتعدّي عليه، بأي أنواع الاعتداء، وظلمه؛ لأن الحكم بكفّ الأذى عنه؛ وتحريم العدوان عليه؛ يتناوله أيضاً، ولنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أسوة حسنة، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. فما بال (خوارج العصر)؛ قد أطلقوا العنان لأنفسهم، وخاضوا في دماء غير المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم، بلا تقوى، ولا ورع، وهاهي فتاواهم طارت في الآفاق، بتحليل السطو على أموال غير المسلمين وسرقتها، واعتبارها من الغنائم! بل واستباحة أعراضهم باعتبار نسائهم سبايا حرب، إلى غيرها من الفتاوى التي يجب على المسلم أن يجعلها تحت قدمه، وخلف أُذُنه؟!
وأما النصوص الخاصة؛ الحاثّة على توقير السلطان؛ الزاجرة عن سبّه، وثلبه، وإهانته؛ فمنها: قوله صلى الله عليه وسلم: ” سيكون بعدي سلطان فأعِزُّوه، من التمس ذُلّه؛ ثَغَرَ ثغْرةً في الإسلام، ولم يقبل منه توبة حتى يعيدها كما كانت “(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: ” من أكرم سلطان الله؛ أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله؛ أهانه الله “(2).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- تعليقاً على هذا الحديث: ” فإذا كان الكلام في المَلِك بغيبةٍ، أو نُصْحه جهراً، والتشهير به؛ من إهانته التي توعّد اللهُ فاعلها بإهانته؛ فلا شك أنه يجب مراعاة ما ذكرناه(3)، لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يغْشَونهم ويخالطونهم، وينتفعون بنصيحتهم، دون غيرهم …” (4).
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: نهانا كُبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تسبّوا أمراءكم، ولا تغُشُّوهم، ولا تُبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب “(5).
فإذا كان هذا هدي سيد الأتقياء، فما بال أولئك السفهاء قد رغبوا عن سنته وطريقته، وقد قال: ” فمن رغب عن سنتي فليس مني “(6)؛ حتى أصبحتَ تراهم يقْنتون على الأئمة والسلاطين في الصلوات، وفي الخطب والجُمُعات؛ يرفع أحدهم يديْه حتى يبدو بياض إبطيه؛ يردد أدعيةً بألفاظٍ غليظة شديدة، والناس يؤَمِّنون، كقولهم: (اللهم جمّد الدماء في عروقهم )، (اللهم اجعلهم يتمنون الموت فلا يجدونه)، (اللهم أزل سلطانه، وزلزل أركانه، واهدم بنيانه)، إلى غيرها من الأساليب التي ليست من الشرع في وِرْدٍ ولا صَدَرٍ، بل هي فتنٌ قد سطع شرَرُها، نسأل الله أن يدفعها عن الإسلام وأهله.
وهؤلاء جمعوا بين مشاقّة الرسول، ومخالفة سبيل المؤمنين، من الصحابة ومن تلاهم من خير القرون، ومع هذه المفارقة الظاهرة، ينسبون أنفسهم إلى السلف، ويزعمون أن طريقتهم هي هذه! وقد كذبوا، ونحن ندفع تلك الفرية، ونبيّن أنهم أجنبيّون عن السلف، وعن منهجهم في هذا الباب؛ بعرْض الآثار عن الصحابة الكرام، والسلف الصالح، في الحثّ على تعظيم السلطان، والنهي عن انتقاصه، وذمّه؛
فمنها:
ما رُوي عن أبي الدرداء رضي الله عنه،  أنه قال: ” إن أول نفاق المرء: طعنُه على إمامه “(7).
 وعنه رضي الله عنه، أنه قال: ” إيّاكم ولعن الولاة، فإن لعنهم الحالقة، وبُغْضهم العاقرة “(8).
و كذلك: ما جاء عن هلال بن أبي حميد، أنه قال: سمعتُ عبدَ الله بن عُكيم، يقول: ” لا أُعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان.
فيُقال له: يا أبا معبد! أَوَ أعنتَ على دمه؟ فيقول: إني أَعُدُّ ذكْر مساويه عوناً على دمه “(9).
وعن عمرو البكالي رضي الله عنه، قال: ” إذا كان عليك أميرٌ، فأَمرَكَ بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فقد حلّ لك أن تصلي خلفه، وحرم عليكَ سبّه “(10).
وقال أبو إدريس الخولاني: ” إياكم والطعن على الأئمة؛ فإن الطعن عليهم هي الحالقة؛ حالقة الدِّين ليس حالقة الشَّعر، ألا إن الطاعنين هم الخائبون، وشر الأشرار “(11).
وعن أبي مجلز، قال: ” سبُّ الإمام: الحالقةُ، لا أقول: حالقة الشَّعْر، ولكن حالقة الدِّين “(12).
وقال أبو إسحاق السبيعي: ” ما سبّ قومٌ أميرهم إلا حُرموا خيره “(13).
وعن الزبرقان، قال: كنتُ عند أبي وائل -شقيق بن سلمة-: فجعلتُ أسبُّ الحجّاج، وأذكر مساويه.
قال: ” لا تسبّه، وما يدريك لعلّه قال: اللهم اغفر لي؛ فغفر له “(14).
وعن زائدة بن قُدامة، قال:” قلتُ لمنصور بن المعتمر: إذا كنتُ صائماً أنالُ من السلطان؟ قال:لا. قلتُ: فأنال من أصحاب الأهواء؟ قال: نعم “(15).
وقال سهل بن عبد الله التستري: ” لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء، فإن عظّموا هذيْن: أصلح الله دنياهم وأُخراهم، وإن استخفّوا بهذيْن: أفسدوا دنياهم وأُخراهم “(16).
قال العز بن جماعة، في بيان حقوق وواجبات الحاكم على الأُمّة: ” الرابع: أن يعرف له عظم حقّه، وما يجب من تعظيم قدْره، فيعامله بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله له من الإعظام. ولذلك: كان العلماء الأعلام، من أئمة الإسلام؛ يعظِّمُون حُرمتهم، ويُلبّون دعوتهم، مع زهدهم، وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم.
وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم؛ فخلاف السُّنّة…
التاسع: ردُّ القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه؛ لما في ذلك من مصالح الأُمّة، وانتظام أحوال الملّة.
العاشر: الذّب عنه بالقول، والفعل، والمال، والنفْس، والأهل، في الظاهر والباطن، والسرّ والعلانية “(17).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” …والواحد من الملوك، أو غير الملوك، وإن كان صدر منه ما هو ظلم: فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه، ونشهد له بالنار. ومن دخل في ذلك كان من أهل البدع والضلال، فكيف إذا كان للرجل حسنات عظيمة؛ يُرجى له بها المغفرة؛ مع ظُلمه؟…”(18).
فإذا تقرر بالأدلة: أن مذهب السلف، ومنهجهم، هو توقير الأمراء والسلاطين، والحكّام، والكفّ عن سبّهم، أو الطعن فيهم؛ لما في ذلك من الإعانة على الخير، ودرء الفتنة، وانشراح قلب السلطان، لقبول النصح، و اتباع الحق، نقولُ: إذا تقرر هذا فاعلم أن من منهج السلف كذلك:  الدعاء للسلطان، والأمير، بالصلاح، وبالخير، والتوفيق، والسداد؛ لما يترتب على صلاحهم من صلاحٍ للرعيّة، لا الدعاء عليهم، كما هو  شعار أهل البدع والفُرقة- لا كثّرهم الله -، قال الإمام البربهاري: ” وإذا رأيتَ الرجلَ يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحبُ هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سُنّة -إن شاء الله-.
يقول فضيل بن عياض: لو كانت لي دعوة ما جعلتُها إلا في السلطان “. ثم أسند إلى الفضيل بن عياض قولَه: ” لو أنّ لي دعوة مستجابة، ما جعلتها إلا في السلطان. قيل له: يا أبا علي! فسِّرْ لنا هذا، قال: إذا جعلتُها في السلطان: صلح؛ فصلح بصلاحه العبادُ والبلادُ؛ فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن ظَلَمُوا، وإن جاروا؛ لأن ظلمهم وجورهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم        وللمسلمين “(19).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “…ولهذا كان السلف؛ كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة، لدعونا بها للسلطان “(20).
وقال القاضي أبو عبد الله، صدر الدين: محمد بن إبراهيم السلمي المناوي (ت:803): ” ولا يتمنى زوال السلطان إلا جاهلٌ مغرورٌ، أو فاسقٌ يقع في كل محذور، فواجبٌ على كل واحد من الرعية أن يرغب إلى الله تعالى بنصرة السلطان، وأن يبذل له نصحه بصالح دعائه؛ فإن في نصرته وصلاحه؛ صلاح البلاد    والعباد “(21).
وما من ريْبٍ أن مفتاح الخروج على وليّ الأمر، هو من باب شتمه، وسبّه، والطعن عليه، وترك الدعاء له، بالدعاء عليه، حتى إنك لتراهم يُؤَمِّنون في القنوت بكل دعاءٍ، خلا الدعاء للإمام والسلطان؛ فإما أن يسكتوا، أو يُخفضوا أيديهم، بل إن من تمادى منهم في السّفه، يترك الصلاة في الوتر خلف الأئمة؛ بدعوى أنهم يدعون للسلطان، وهذا ضلال بعيدٌ، وبدعة مقيتة؛ تُفضي إلى شرور؛ فيها قاصمة الظهور.
 فهل هؤلاء أهدى سبيلاً من محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة، والتابعين، والعلماء العاملين، أو متبعون لشيخهم (ذي الخويصرة اليماني)، ومفتتحو باب ضلالة؟
الجواب قد عرفناه، لكن هؤلاء القوم، لمّا خوى نجمهم، ونضبتْ حُجتهم، وثَقُلَ عليهم اتّباع الحق؛ لم يجدوا ملاذاً إلا بالقتل والانتقام، ولا يزالون بعد وضوح الحق، وتبيّن الرشد، في زهو، وكبْر، وإعراض، نسأل الله أن يردهم إلى الحق ردّا ً جميلاً، وأن يبصّرهم به، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

————————————————————
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، برقم (1079)، بسند صحيح.
(2) أخرجه الإمام أحمد المسند (5/42)، و (5/48-49)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/163)، وأخرجه الترمذي، برقم (2225)، وفيه قصة، وللحديث طرقٌ حسنها الألباني في الصحيحة (5/376).
(3) يعني: الإسرار بالنصح.
(4) مقاصد الإسلام، ص (393).
(5) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (2/488)، وابن عبد البر في التمهيد (21/287)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (3/68)، وإسناده حسن.
(6) أخرجه البخاري، برقم (5063)، مسلم، برقم (1401).
(7) أخرجه ابن عبد ابر في التمهيد (21/287).
(8) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (2/488)، وابن زنجويه في الأموال (1/79).
(9) أخرجه ابن سعد في الطبقات (6/115)، والفسوي في التاريخ (1/231-232)، بسند صحيح.
(10) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (1/80)، وعزاه ابن حجر في الإصابة (3/25)، إلى ابن السكن، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (5/221)، إلى الطبراني، والبزّار، وقال: ” فيه مُجّاعة بن الزبير- وهو العتكي- وثّقه أحمد، وضعّفه غيرُه، وبقية رجاله ثقات “.
(11) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (1/80)، بسند حسن.
(12) أخرجه ابن زنجويه في الأموال (1/78)، بسند حسن.
(13) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (21/287)، بسند صحيح.
(14) أخرجه هناد في الزهد (2/464).
(15) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت، ص (145)، وأبو نُعيم في حلية الأولياء (5/41-42).
(16) تفسير القرطبي (5/260-261).
(17) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، ص (63-64).
(18) مجموع الفتاوى (4/475).
(19) شرح السنة، للبربهاري، ص (116).
(20) السياسة الشرعية، ص (129).
(21) طاعة السلطان وإغاثة اللهفان، ص (30)، نشر: دار ابن حزم، بيروت

-- د. صادق سليم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*