الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » القتال في الفتنة

القتال في الفتنة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فإن القتال في الإسلام شرع لمقاصد عظيمة؛ ومعاني جليلة، فلم يكن من مقاصده إراقة الدماء فحسب، أو إزهاق الأرواح فقط، بل هو شعيرة مرتبطة بمقاصدها، معللة بأحكامها.
فمتى ما انتفت تلك المقاصد والمصالح الشرعية التي شرع القتال لأجلها عُدَّ القتال في تلك الحالة ضرباً من المفسدة المنهي عنها.
وقد بين أهل العلم المعتبرين في مصنفاتهم الأحوال التي يجب ترك القتال فيها، بل والبعد عن مواطن ذلك القتال؛ فمنهم من جعل لها بابا مستقلا تحت مسمى القتال في الفتنة؛ ومنهم من أدرجها في مسائل أحكام الإمامة العظمى؛ وذلك كله لبيان أهمية هذه المسألة وما يحدث بالإخلال فيها من الأضرار والآثام.
والمسلم مطالب في الشريعة بالبعد عن مواطن الفتن، وأماكن الريب؛ ليستقيم له دينه، ويحفظ عرضه. وقد روى أبو داود في سننه وغيره عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِىَ فَصَبَرَ فَوَاهًا ».
قال ابن الجوزي رحمه الله: من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه.
وقال أيضاً: فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب.
وقال: ما رأيت فتنة أعظم من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. صيد الخاطر (41، 350)
والقتال في الفتنة مفسدته أعظم من مصلحته، والشريعة مبنية على جلب المصالح وتكلميلها، ودفع المفاسد وتقليلها.
وأعظم مفسدة في القتال في الفتنة هو التعرض لسفك الدماء المعصومة وانتهاك الأعراض المصونة،
وقد ورد الوعيد الشديد في سفك الدم المحرم بغير حق في كثير من النصوص الشرعية الصحيحة ويكفي من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه  عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا.
وروى البخاري أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ”
قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَتَلَ عَامِدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ” تَزَوَّدْ مِنْ الْمَاء الْبَارِد فَإِنَّك لَا تَدْخُل الْجَنَّة ” وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر ” لزَوَال الدُّنْيَا كُلّهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ قَتْل رَجُل مُسْلِم ” قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن . قُلْت : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ ” لَقَتْلُ الْمُؤْمِن أَعْظَمُ عِنْد اللَّه مِنْ زَوَال الدُّنْيَا ” قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ثَبَتَ النَّهْي عَنْ قَتْلِ الْبَهِيمَة بِغَيْرِ حَقّ وَالْوَعِيد فِي ذَلِكَ ، فَكَيْف بِقَتْلِ الْآدَمِيّ ، فَكَيْف بِالتَّقِيِّ الصَّالِح . فتح الباري لابن حجر (19 / 299)
فسفك الدم المحرم من أعظم ما يجب على العبد المسلم تجنبه قدر استطاعته، وفعل الأسباب المعينة على البعد عن تلك المعصية العظيمة، وما من شك بأن من تصدر للمشاركة في قتال الفتنة؛ أو استشرف لمواقع المحن؛ ناله من تلك المعصية ما لا بد منه.
روى البخاري في صحيحه عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا، قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ؛ وَاللَّهُ يَقُولُ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ؟! إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ.
وروى الطبراني في الكبير وغيره عَنْ حُمَيْدِ بن هِلالٍ، قَالَ: لَمَّا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ، قَالَ عِمْرَانُ بن الْحُصَيْنِ لِحُجَيرِ بن الرَّبِيعِ الْعَدَوِيّ:”اذْهَبْ إِلَى قَوْمِكَ فَانْهَهُمْ عَنِ الْفِتْنَةِ”، فَقَالَ: إِنِّي لَمَغْمُورٌ فِيهِمْ، وَمَا أُطَاعُ، قَالَ:”فَأَبْلِغْهُمْ عَنِّي وَانْهَهُمْ عَنْهَا”، قَالَ: وَسَمِعْتُ عِمْرَانَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ:”لأَنْ أَكُونَ عَبْدًا حَبَشِيًّا أَسْوَدَ فِي أَعْيُنِ حَصَيَاتٍ فِي رَأْسِ جَبَلٍ أَرْعَاهُنَّ حَتَّى يُدْرِكَنِي أَجْلِي، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرْمِيَ فِي أَحَدِ الصَّفَّيْنِ بِسَهْمٍ أَخْطَأْتُ أَمْ أَصَبْتُ”.
وروى الطبراني في الكبير أيضاً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:”إِذَا وَقَعَ النَّاسُ فِي الْفِتْنَةِ فَيَقُولُوا: اخْرُجْ لَكَ بِالنَّاسِ أُسْوَةٌ، فَقُلْ: لا أُسْوَةَ لِي بِالشَّرِّ”.
وروى الإمام أحمد وغيره عن يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ فِي الْفِتْنَةِ: لَا تَرَوْنَ الْقَتْلَ شَيْئًا ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلثَّلَاثَةِ: ” لَا يَنْتَجِي اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا “
قال السندي: قوله : لا يرون القتل شيئاً، أي: أهل الفتنة يقتل بعضهم بعضاً، ولا يبالون بذلك، يقول ذلك تعجباً منهم، ثم ذكر الحديث تعظيما لحرمة المؤمن، حيث لا يجوز أن يحزنه الإنسان بأدنى فعل، فكيف قتلُه وإهراق دمه. والله تعالى أعلم.
ومراد ابن عمر رضي الله عنهما واضح في تعظيم القتال في الفتنة، وأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يؤذيه؛ فكيف بقتال المسلمين وإراقة دمائهم ؟ !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلاما نفيساً أنقله بطوله يتعلق بهذه المسألة:
ففي الجملة أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان كما قال تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } [ سورة التغابن : 16 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم } ، ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاح العباد في المعاش والمعاد ، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد ، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما ، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله ، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه .
فإن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها . فإذا تولى خليفة من الخلفاء كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم ، فإما أن يقال يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره كما يفعله من يرى السيف ، فهذا رأى فاسد ، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته .
وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير ، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة ، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق ، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان ، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا ، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة ، وأمثال هؤلاء .
وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة ؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا ، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور . وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم ، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا . والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا ، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة ، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم ، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال ، وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم .
وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق . وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين ، والله يغفر لهم كلهم .
وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث : أين كنت يا عامر ؟ قال : كنت حيث يقول الشاعر :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى *** وصوت إنسان فكدت أطير
أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء .
وكان الحسن البصري يقول : إن الحجاج عذاب الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإن الله تعالى يقول: { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون } [ سورة المؤمنون : 76 ] ، وكان طلق بن حبيب يقول : اتقوا الفتنة بالتقوى . فقيل له : أجمل لنا التقوى . فقال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ، ترجو رحمة الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله ، تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا .
وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد ، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث .
ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم ، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين .
وبابُ قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يشتبه بالقتال في الفتنة ، وليس هذا موضع بسطه ، ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الباب ، واعتبر أيضاً اعتبار أولي الأبصار، عَلِم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور.
ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق لمَّا كاتبوه كُتبا كثيرة ، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين ، كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج ، غلب على ظنهم أنه يقتل ، حتى إن بعضهم قال : استودعك الله من قتيل ، وقال بعضهم : لولا الشفاعة لأمسكتُك ومنعتك من الخروج ، وهم في ذلك قاصدون نصيحته ، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين .
والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد ، لكن الرأي يصيب تارة ويخطئ أخرى ، فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك الظلمة الطغاة من سِبْط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوماً شهيداً ، وكان في خروجه وقتله من الفساد مالم يكن حصل لو قعد في بلده ، فإن ما قصده من تحصيل الخير ، ودفع الشر لم يحصل منه شيء ، بل زاد الشر بخروجه وقتله ، ونقص الخير بذلك ، وصار ذلك سبباً لشر عظيم ، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن ، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن .
وهذا كله مما تبين أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم ، هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد ، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح بل فساد ، ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم  على الحسن بقوله : إن ابني هذا سيدٌ ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين .
ولم يُثن على أحد لا بقتال في فتنة ، ولا بخروج على الأئمة ولا نزاع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحيح كلها تدل على هذا كما في صحيح البخاري من حديث الحسن البصري : سمعت أبا بكرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  على المنبر والحسن جنبه ينظُر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول : إن ابني هذا سيدٌ ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين .
فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم  بأنه سيد ، وحقق ما أشار إليه من أن الله يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوباً ممدوحاً يحبه الله ورسوله ، وأنَّ ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان القتال واجباً أو مستحباً ، لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب .
ولهذا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين ، فضلاً عما جرى في المدينة يوم الحرة ، وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير ، وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وغير ذلك من الفتن .
ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء ، فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بقتالهم ، ولما قاتلهم علي رضي الله عنه فَرِحَ بقتالهم ، وروى الحديث فيهم ، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء ، وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم ، لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما ، مما لم يأت فيه نص ولا إجماع ، ولا حَمَده أفاضل الداخلين فيه ، بل ندموا عليه ورجعوا عنه ، وكذلك الحسن كان دائماً يشير على أبيه وأخيه بترك القتال ، ولما صار الأمر إليه ترك القتال ، أصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين .
وعلي رضي الله عنه في آخر الأمر تبين له أن المصلحة في ترك القتال ، أعظم منها في فعله ، وكذلك الحسين رضي الله عنه لم يُقتل إلا مظلوماً شهيداً ، وتاركاً لطلب الإمارة ، طالباً للرجوع : إما إلى بلده ، أو إلى الثغر ، أو إلى المتولي إلى الناس يزيد ، وإذا قال القائل : إن علياً والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز ، لأنه لم يكن لهما أنصار ، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة .
قيل له : وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع صلى الله عليه وسلم في النهي عن الخروج على الأمراء ، وندب إلى ترك القتال في الفتنة ، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما لكن إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه ، صار إزالته على هذا الوجه منكراً ، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف ، كأن يحصل ذلك المعروف على هذا الوجه منكراً .
[ منهاج السنة النبوية ج 4 ص 527 ـ 530 ]قال الإمام النووي : ” إذا الْتَقى المسلمان بسيفيهما ” في المقاتلة الْمُحَرَّمَة ؛ كالقتال عَصبية ونحو ذلك ، فالقاتل والمقتول في النار . اهـ .
كما حُمِل هذا على القِتال بين المسلمين ، ولذا فإن أبا بكرة رضي الله عنه حَدَّث بهذا الحديث الأحنَف بن قيس حين أراد الخروج إلى القتال مع عليّ رضي الله عنه .
فقد روى الإمام مسلم من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس قال : خَرَجْتُ وأنا أريد هذا الرجل ، فلقيني أبو بكرة ، فقال : أين تريد يا أحنف ؟ قال : قلت : أريد نصر ابن عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم – يعني عليا – قال : فقال لي : يا أحنف ارجِع ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تَواجَه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قال : فقلت – أو قِيل – : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه قد أراد قَتْل صاحبه .
فمثل هذه الأحاديث تؤكد ما جاء في كفِّ اليد عن القتال في الفتنة ، وما جاء في كسر غِمد السَّيف ، وأن يكون المسلم عبد الله المقتول ، ولا يكون عبد الله القاتِل .
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر ! قلت :لبيك يا رسول الله وسعديك . قال : كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ؟ قلت : الله ورسوله أعلم – أو قال : ما خَارَ الله لي ورسوله – قال : عليك بالصبر – أو قال : تَصْبِر – ثم قال لي : يا أبا ذر ! قلت : لبيك وسعديك . قال : كيف أنت إذا رأيت أحجار الزيت قد غَرِقَتْ بالدَّمَ ؟ قلت : ما خَارَ الله لي ورسوله . قال : عليك بمن أنت منه . قلت : يا رسول الله أفلا آخذ سيفي وأضعه على عاتقي ؟ قال : شاركت القوم إذن ! قلت : فما تأمرني ؟ قال : تَلْزَم بيتك . قلت : فإن دُخِلَ على بيتي ؟ قال : فإن خشيت أن يَبهرك شعاع السيف فَـأَلْقِ ثوبك على وجهك ، يبوء بإثمك وإثمه .
وفي رواية لأحمد : يا أبا ذر ! أرأيت إن قَتَلَ الناس بعضهم بعضا – يعنى حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء – كيف تَصنع ؟ قال : الله ورسوله أعلم . قال : اقعد في بيتك ، وأغلق عليك بابك . قال : فإن لم أُتْرَك ؟ قال : فأتِ من أنت منهم ، فكن فيهم . قال : فآخذ سلاحي ؟ قال : إذا تشاركهم فيما هم فيه ! ولكن إن خَشِيتَ أن يَروعك شعاع السيف فَـأَلْقِ طَرَفَ ردائك على وجهك ، حتى يبوء بإثمه وأثمك .
قال القرطبي عن حديث أبي ذر هذا : وحَمَلَه العلماء على تَرْكِ القتال في الفتنة ، وكَفّ اليَدِ عند الشبهة . اهـ .
وروى الإمام مسلم في صحيحه أن أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلاَ ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى فِيهَا وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى إِلَيْهَا أَلاَ فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلاَ غَنَمٌ وَلاَ أَرْضٌ قَالَ « يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِى إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِى رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِىءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِى قَالَ « يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ».
وروى الإمام أحمد في المسند وغيره عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا فُسْطَاطٌ ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللهُ إِنَّكَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِمَكَانٍ، فَلَوْ خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ فَأَمَرْتَ، وَنَهَيْتَ . فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّهُ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، وَفُرْقَةٌ، وَاخْتِلَافٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا، فَاضْرِبْ بِهِ عُرْضَهُ، وَاكْسِرْ نَبْلَكَ ، وَاقْطَعْ، وَتَرَكَ، وَاجْلِسْ فِي بَيْتِكَ ” فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً: ” فَاضْرِبْ بِهِ حَتَّى تَقْطَعَهُ، ثُمَّ اجْلِسْ فِي بَيْتِكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ، أَوْ يُعَافِيَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ “، فَقَدْ كَانَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ ثُمَّ اسْتَنْزَلَ سَيْفًا كَانَ مُعَلَّقًا بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ، فَاخْتَرَطَهُ فَإِذَا سَيْفٌ مِنْ خَشَبٍ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّخَذْتُ هَذَا أُرْهِبُ بِهِ النَّاسَ.
فتبين من خلال هذه النصوص وأقوال العلماء فضيلة ترك القتال في أزمنة الفتن؛ لما في ذلك من أسباب الوقوع في المحرم المؤكد؛ وهو سفك الدم المعصوم في الشريعة.
هذا كله وقاية للمسلم أن يقع في المحرم؛ فالعجب كل العجب من أولئك الذين تقحموا هذا السياج فوقعوا في المحرم الصراح؛ فسفكوا الدماء المحرمة ونقضوا العهود الموثقة، فحرفوا النصوص بأتفه التأويلات؛ دون أدنى خشية من عواقب ارتكاب تلك الفواحش الآثمة.
فقد آن لكل مصغ للحق أن يعود لرشده؛ وينزع عن غيه؛ ويدرك أن سفك الدماء المحرمة لم يكن بالأمر الهين في شريعة الإسلام.
والله الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

-- محمد الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*