الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » فتنة الخروج على الحكام

فتنة الخروج على الحكام

الخروج على الحكام أحد روافد الإرهاب الباطل، وهو ظاهرة قديمة تبنتها بعض الفرق الإسلامية قديما، وسار على نهجها أهل الفكر المنحرف حديثا، وهو أحد الأسس التي يقيم عليها أولئك المارقون الخوارج فكرهم الإرهابي ضد المجتمعات الإسلامية حكاما ومحكومين، قد يكون بتكفيرهم إياهم لحكمهم بغير ما أنزل الله، وقد يكون لظلمهم وجورهم – كما يزعمون – وقد يكون بدافع الأمر بالمعروف والنهي المنكر، وهم يدعون أنهم بخروجهم يغيرون المنكر الذي أمروا بتغييره، إلا أن كل هذه الدعاوي باطلة ومناقضة للأصول الشرعية، كما سنبين ذلك قريبا إن شاء الله.

وقبل أن نرد على تلك الدعاوي الباطلة التي يتمسك بها أهل الفكر المنحرف خوارج هذا العصر، نرى من الواجب علينا أن نبين لهؤلاء المارقين أن الخروج على الحكام محرما شرعا، وكبيرة من الكبائر، لأن ذلك يسبب فسادا كبيرا وشرا عظيما، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم ولا نصرة المظلوم، وتختل السبل ولا تؤمن.

والإمام ما دام لم يظهر منه كفر بواح عليه من الله برهان فإنه يحرم الخروج عليه، حتى ولو ارتكب الكبائر دون الشرك، حتى ولو ظلم الناس بأخذ حقوقهم وبخسهم فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – : ( ونهوا عن قتالهم ما صلوا، وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة) ([1]) .

وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك( ([2]) )وأثرة عليك( أي وإن استأثروا عليك فلم ينصفوك ولم يعطوك حقك، وذكر أحاديث في هذا الباب.

ثم قال بعد ذلك: فذلك ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، وهو واجب على المسلم وإن استأثروا عليه، وما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم من معصيتهم، فهو محرم عليه، وإن أكره عليه.

وهذه الطاعة واجبة، وإن لم يعاهدهم على ذلك، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة، كما يجب عليه الصلوات الخمس، والزكاة والصيام وحج البيت.. فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه، سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون) ([3]) .

ولا يجوز لأحد أن يفتيه في الحنث في يمينه، ومخالفته ما حلف عليه بما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم، ومن أفتى بذلك فهو مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام.

ويقرر أن معاقدة ولاة الأمور هي من أعظم العقود التي أمر الله بالوفاء بها، وإذا نظرنا إلى الواقع نجد أن الخروج على الأئمة لإزالة ظلمهم وجورهم ومخالفاتهم الشرعية وكل ما وقع منهم دون الكفر، سواء بتأويل سائغ أو غير سائغ لا يجوز، لما يترتب على ذلك من مفاسد؛ لأن التغيير لا يكون إلا بما هو أظلم منه وأشد ضررا، وهذه عادة أكثر النفوس تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه) ([4]) .

ويرى أن الخروج على الأئمة والثورة لا يزيل الشر بل يزيده، ويأتي بشر أعظم، والحل في نظره هو الصبر على هذا الظالم ومعالجته، يقول: ( فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم، فيصبر عليه. ) ([5]) .

ويقول: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم؛ لأن قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم) ([6]) .

وقال: ( والشرع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر الرعية بالطاعة والنصح، وأمر بالصبر على استئثارهم، ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر، فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما) ([7]) .

والتاريخ خير شاهد، فالثورات على الحكام لم تأت إلا بالقتل وإثارة الأحقاد وفناء الأخيار وبقاء الفجار كما هم، إضافة إلى أنواع من الظلم، وإشغال الأمة عن الجهاد ومراقبة الأعداء الكفار، إضافة إلى أن الحكام يركنون إلى المنافقين وأصحاب الأهواء الذين يتربصون بالمخلصين الدوائر.

وابن تيمية يقيم للتجارب ونتائجها أكبر الاعتبار، فلا داعي لتكرار التجارب المريرة، فيلزم الطاعة للأئمة والقتال معهم، والصبر على ظلمهم وجورهم إذا لم يكن في ترك الصبر مفسدة راجحة، حتى وإن كانوا فجرة فسقة، معلنين بذلك، ما داموا مقيمين للصلاة ومقيمين لأركان الدين، وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، حيث يرون أنه: ( لا تجوز معصية الإمام برا كان أو فاجرا إلا أن يأمره بمعصية الله) ([8]) .

ولا يكون جور الأئمة وظلمهم مبررا للشعوب منع الحكام ما لهم من الحقوق على شعوبهم، بل الواجب أداء الحقوق إليهم، يقول – رحمه الله – : ( ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليهم من الحقوق وإن كان ظالما، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر جور الولاة فقال: )أدوا إليهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم( ([9]) .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها( قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله؟ قال: )أدوا إليهم حقهم، واسألوا الله حقكم( ([10]) .

والخروج على الولاة لا يجوز إلا في حالة واحدة، وهو أن يصدر منهم كفر بواح مرئي أو مسموع عليه من الله برهان، ليس من الأمور الاجتهادية المختلف فيها، ومما يسوغ فيه الاجتهاد.

يقول – رحمه الله – عن نهج أهل العلم والدين والفضل وعادات أهل السنة على مر العصور، أنهم (لا يرخصون فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عرفت من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم) ([11]) .

ووجود البغي من الأئمة لا يوجب قتالهم ولا يبيحه (بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في غير حديث، فلم يأذن في دفع البغي مطلقا بالقتال، بل إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي به، وأمر بالصبر على جوره، أما إذا وقع بغي ابتداء بغير قتال مثل أخذ مال أو مثل رئاسة بظلم، فلم يأذن الله في اقتتال طائفتين من المؤمنين على مجرد ذلك؛ لأن الفساد في الاقتتال في مجرد رئاسة أو أخذ مال فيه نوع ظلم، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم؛ لأن قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم، وقوله صلى الله عليه وسلم )وستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها( ، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: )أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم( ([12]) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

(ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة: أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف؛ وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فيدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته) ([13]) .

وقال – رحمه الله – : ( وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان – أيضا – ، وكالذي+ خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء. ) ([14]) .

قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – : قوله: ( ومناصحة أئمة المسلمين) هذا أيضا مناف للغل والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغل، فهي ضده، فمن نصح الأئمة؛ فقد برئ من الغل، وقوله: )ولزوم جماعتهم( : هذا أيضا مما يطهر القلب من الغل والغش، فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم، والعيب والذم لهم، كفعل الرافضة والخوراج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غلا وغشا، ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للأئمة والأمة، وأشدهم بعدا عن جماعة المسلمين) ([15]) .

وقال – رحمه الله – : ( والمثال الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجابا: إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإذا كان إنكار منكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر.

وقد استأذن الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: )لا، ما أقاموا فيكم الصلاة( ([16]) . وقال: )من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر( ([17]) و )لا ينزعن يدا من طاعة( ([18]) .

ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر طلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه) ([19]) .

ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور إلا في حالة واحدة، وهي أن يأتوا كفرا بواحا وفيه من الله برهان، كما جاء في الحديث، هذا وقد وضع أهل العلم للخروج على الحكام ضوابط وشروطا يجب أن تكون متوفرة في الحاكم المراد الخروج عليه، وهذه الشروط مأخوذة من قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: )إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان( ([20]) ([21]) .

وقد بين فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله هذه الشروط فقال ([22]) فليعلم أن الخروج على السلطة لا يجوز إلا بشروط:

الشرط الأول: )أن تروا( بمعنى أن تعلموا علما يقينيا بأن السلطة ارتكبت كفرا.

الشرط الثاني: أن يكون الذي ارتكبته السلطة )كفرا( : فأما التفسيق فلا يجوز الخروج عليهم بسببه مهما عظم.

الشرط الثالث: )بواحا( أي معلنا صريحا لا يحتمل التأويل.

الشرط الرابع: )عندكم فيه من الله برهان( أي مبني على برهان قاطع من دلالة الكتاب والسنة أو إجماع الأمة.

فهذه شروط أربعة.

الشرط الخامس: يؤخذ من الأصول العامة للدين الإسلامي، وهو: قدرة هؤلاء المعارضين على إسقاط السلطة، لأنه إذا لم يكن لديهم القدرة انقلب الأمر عليهم لا لهم، فصار الضرر أكبر بكثير من الضرر المترتب على السكوت على هذه الولاية، حتى تقوى الجبهة الأخرى المطالبة لدين الإسلام ا هـ.

فتاوى وأقوال العلماء في مسألة الخروج على ولاة الأمور:

وبعد أن عرفنا الشروط اللازمة للخروج على الحاكم المسلم الذي لا يحكم بما أنزل الله، نأتي الآن على جملة من فتاوى وأقوال العلماء في مسألة الخروج لتتضح المسألة وتنجلي لكثير من المتغافلين عنها:

قال الإمام محمد بن الحسين الآجري رحمه الله: ( لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء، عصاة لله – تعالى – ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإن صلوا وصاموا، واجتهدوا في العبادة، فليس ذلك بنافع لهم، وإن أظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس ذلك بنافع لهم؛ لأنهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون، ويموهون على المسلمين، وقد حذرنا الله تعالى منهم، وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم وحذرناهم الخلفاء الراشدون بعدهم، وحذرناهم الصحابة – رضي الله عنهم – ومن تبعهم بإحسان. والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج، يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين.

فأول قرن طلع منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رجل طعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بالجعرانة، فقال: اعدل يا محمد، فما أراك تعدل، فقال صلى الله عليه وسلم )ويلك، فمن يعدل إذا لم أكن أعدل؟( فأراد عمر رضي الله عنه قتله، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من قتله، وأخبر – عليه الصلاة والسلام: )أن هذا وأصحابا له يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين( ([23]) .

وأمر صلى الله عليه وسلم في غير حديث بقتالهم، وبين فضل من قتلهم أو قتلوه.

وقال رحمه الله: ( فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام، عدلا كان الإمام أو جائرا، فخرج وجمع جماعة وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه مذهب الخوارج).

وقال رحمه الله أيضا: ( قد ذكرت من التحذير عن مذاهب الخوارج ما فيه بلاغ لمن عصمه الله تعالى عن مذهب الخوارج ولم ير رأيهم، وصبر على جور الأئمة، وحيف الأمراء، ولم يخرج عليهم بسيفه، وسأل الله – تعالى – أن يكشف الظلم عنه وعن المسلمين، ودعا للولاة بالصلاح، وحج معهم، وجاهد معهم كل عدو للمسلمين، وصلى معهم الجمعة والعيدين، وإن أمروه بطاعة فأمكنه أطاعهم، وإن لم يمكنه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصية لم يطعهم، وإذا دارت بينهم الفتن لزم بيته، وكف لسانه ويده، ولم يهو ما هم فيه، ولم يعن على فتنة، فمن كان هذا وصفه كان على الطريق المستقيم – إن شاء الله – ) ([24]) .

-- عبدالله بكري - عبدالحليم بلال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*