الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » مناقشة : تعدد الولاة ، ومن هو الإمام في الفقه ؟

مناقشة : تعدد الولاة ، ومن هو الإمام في الفقه ؟

تعدد الولاة ، ومن هو الإمام في الفقه الإسلامي ؟

من المراد بقولهم:”الإمام” الذي يقاتل تحت رايته في عصرنا هذا؟

أجاب عن هذا السؤال العلامة ابن عثيمين بقوله:”هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إماماً عاماً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي صلى الله عليه وسلم  قال:”اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي”(1)، فإذا تأمر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذاً، وأمره مطاعاً، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! -نسأل الله العافية- ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟! هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية-والعياذ بالله- لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن”(2).

وقول الإمام الصنعاني صاحب “سبل السلام” الذي أشار إليه العلامة ابن عثيمين، هو على شرح قوله صلى الله عليه وسلم :”من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية” حيث قال-رحمه الله-:”قوله:”من الطاعة” أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجتمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم،

إذ لو حُمِلَ الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام؛ لقلَّت فائدته”(3).

وقال أيضاً العلامة ابن عثيمين:”الأمة الإسلامية تفرقت من عهد الصحابة، تعلمون أن عبـد الله بن الزبير في مكة، وبني أمية في الشام وكذلك في اليمن أناس، وفي مصر أناس، وما زال المسلمون يعتقدون أن البيعة لمن له السلطة في المكان الذي هم فيه، يبايعونه ويدعونه بأمير المؤمنين، ولا أحد ينكر ذلك، فهذا شاق لعصا المسلمين من جهة عدم التزامه بالبيعة،  ومن جهة أنه خالف إجماع المسلمين من عهد قديم. والرسول صلى الله عليه وسلم  يقول:”اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي””(4).

وقال -رحمه الله- في شرح حديث:”ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة… ” الحديث:”وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه :” ورجل بايع إماماً، لا يبايعه إلا للدنيا، إن أعطاه وفَّي له بالبيعة، وإن لم يعطه لم يف بالبيعة” هذا أيضاً من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، وذلك أن بيعة الإمام واجبة، يجب على كل مسلم أن يكون له إمام، سواء كان إماماً عاماً -كما كان في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الخلفاء-  أو إماماً في منطقة، كما هو الحال الآن. ومنذ أزمنة بعيدة من زمن الأئمة والناس متفرقون، كل جهة لها إمام، وكل إمام مسموع له ومطاع بإجماع المسلمين، لم يقل أحد من المسلمين إنه لا يجب الطاعة إلا إذا كان خليفة واحداً لجميع بلاد المسلمين، ولا يمكن أن يقول أحد بذلك؛ لأنه لو قيل بهذا؛ ما بقي للمسلمين الآن إمام، ولا أمير، فالإمام في مكان وفي كل منطقة بحسبها”(5).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:” والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك -لمعصية من بعضها، وعَجْزٍ من الباقين، أو غير ذلك- فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق”(6).

وقد حكى الإجماع غير واحد من العلماء على طاعة الحاكم المتغلب؛ وإجماعهم هذا مطلق لا تقييد فيه، قال ابن بطال:”والفقهاء مجمعون على أن الإمام المتغلب طاعته لازمة، ما أقام الجماعات والجهاد،وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء”(7). ونقله ابن حجر وأقره(8)، وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب:”الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلدٍ أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا- ما اجتمعوا على إمام واحدٍ، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم”(9).

فإن قيل: إن الإجماع المذكور آنفاً معارض بأحاديث، وإجماع آخر، أما الأحاديث فهي: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما”(10)، وحديث عرفجة رضي الله عنه  قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: “من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه”(11). وفي رواية:”فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان”. وحديث عبـد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً:” ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر”(12).  وأما الإجماع فهو ما قاله ابن حزم في “مراتب الإجماع”:”واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا مُتَّفقان، ولا مفترقان ولا في مكانين، ولا في مكان واحد”(13).

والجواب: نعم، لا يجوز تفريق الأمة، والواجب عليهم أن يجتمعوا على الحق، وتحت إمام واحد، ولكن البحث فيما إذا وقع التفرق، وعدمت القدرة عن دفع مَنْ تَغلب؛ فهل يُترك الناس بلا إمام يأمرهم وينهاهم؟ وهل يترك الناس للاقتتال وسفك الدماء فيما بينهم؟!! لا  أحد يقول: نعم يترك الناس بلا إمام!! أو يتركوا ليسفكوا دمائهم!! لأن هذا القول فيه من الفساد ما لا يخفى، وقائله إن وجد مخالف للمنقول والمعقول، ولا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه إما مكابر، أو جاهل.

فإذا علمنا ذلك؛ فإن الجواب على حديث أبي سعيد رضي الله عنه  وغيره، هو أن هذا يكون عند قدرة المسلمين وقوتهم، واجتماع كلمتهم على خليفة ذي شوكة وسلطان، ثم جاء آخر ينازعه؛ فيقتل كائناً من كان؛ لأنه بذلك يريد أن يشق عصا المسلمين، وأمرهم جميع على رجل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم . قال النووي:”معناه ادفعوا الثاني فإنه خارج على الإمام فإن لم يندفع إلا بحرب وقتال فقاتلوه فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا ضمان فيه لأنه ظالم متعد في قتاله”(14). وقال أيضاً:”فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل”(15). وقال أيضاً:”هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله”(16).

أما إذا كان المسلمون متفرقون، ولكل من الخليفتين شوكة، وستطحن رحى الفتن المسلمين هنا وهناك، فهنا يظهر الإجماع الذي حكاه غير واحد من العلماء على طاعة الحاكم المتغلب، ويكون توجيه الإجماع الآخر الذي نقله ابن حزم من عدم جواز أن يكون على المسلمين في وقت واحد إمامان، وما دل عليه حديث أبي سعيد وغيره، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:”قلت: النزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة، كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم: جوز ذلك، وأن علياً كان إماماً، ومعاوية كان إماماً، وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم: أن كلا منهما يُنَفَّذُ حكمه في أهل ولايته، كما ينفذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما ابتداءً؛ فهذا لا يُفْعَل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقها؛ فلم يَعْقِد كل من الطائفتين لإمامين، ولكن كل طائفة إما أن تسالم الأخرى، وإما أن تحاربها، والمسالمة خير من محاربة يزيد ضررها على ضرر المسالمة، وهذا مما تختلف فيه الآراء والأهواء”(17). فلا تعارض إذاً بين الإجماعين، وما دل عليه حديث أبي سعيد رضي الله عنه  وغيره؛ لأن من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال تعالى:{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[آل عمران:97]، وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل. والله أعلم.

============================================

(1) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولعل الشيخ ذكره بالمعنى: وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالطاعة وإن كان عبداً حبشياً، ما أخرجه البخاري (693)،(7142) من حديث أنس رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة”.وآخر من حديث أبي ذر قال:”إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مُجَدَّع الأطراف”. أخرجه مسلم (648)  (240). وثالث من حديث أم الحصين الأحمسية رضي الله عنها قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول:”إن أمر عليكم عبد مُجَدَّع (حسبتها قالت): أسود يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا”. أخرجه مسلم (1298) (311). ورابع من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه  قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ذات يومٍ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظةً بليغةً، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع! فماذا تعهد إلينا ؟فقال:”أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً…”. الحديث. أخرجه أحمد(4/126)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجة (42)،(43)، وغيرهم. وصححه الألباني في “إرواء الغليل” (2455)، و”الصحيحة” (937).
(2) الشرح الممتع (8/9-10).
(3) سبل السلام (3/499).
(4) نقلاً عن “الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية”(ص/81-82).
(5) “شرح رياض الصالحين”(4/503).
(6) مجموع الفتاوى (34/175-176).
(7) شرح صحيح البخاري (10/8).
(8) “فتح الباري” (13/9).
(9) الدرر السنية (7/239).
(10) أخرجه مسلم (1853).
(11) أخرجه مسلم (1852).
(12) أخرجه مسلم (1844).
(13) مراتب الإجماع (ص/144).
(14) شرح  النووي على صحيح مسلم (12/234).
(15) شرح  النووي على صحيح مسلم (12/241).
(16) المصدر السابق (12/242).
(17) نقد مراتب الإجماع (ص/216).

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*