الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » منزلة الدماء في الشريعة

منزلة الدماء في الشريعة

من دلائل تعظيم الله تعالى تعظيمُ دينه، والغيرةُ على حرماته، والتزام شريعته، والعملُ بأوامره، واجتناب زواجره.
من عظَّم الله عزَّ وجلَّ عظَّم حرماته فلم ينتهكها، ووقف عند حدوده فلا يتعداها، ولو خالف ذلك هواه ومشتهاه، وإنما كان ابتلاء البشر بالشرائع من جهة أن الأوامر والنواهي ثقيلةٌ على النفوس، وفيها مخالفة لشهوة الإنسان وهواه.
والأوامر والنواهي الشرعية متفاوتة في مراتبها، متفاضلةٌ بحسب أهميتها، فمن الأوامر ما تركه كفر، ومنها ما تركه فسق، ومنها ما تركه خلاف السنة أو خلاف الأولى، وكذلك النواهي منها ما يوصلُ إلى الكفر، ومنها ما فعله فسق، ومنها مكروهٌ كراهةً تنزيهية.
والأوامر الشرعية تتأكد بحسب تأكيد الشارع الحكيم عليها، والنواهي تكون مغلظة إذا غلظها الشارع الحكيم، وليس ذلك لمخلوق مهما علا شأنه؛ بل هو من خصائص الخالق سبحانه وتعالى، وضرب من ضروب ربوبيته عزَّ وجلَّ كما قال سبحانه: ألا له الخلق والأمر {الأعراف: 54}.

شأن الدماء المعصومة:

الدماء المعصومة حرمتها عند الله تعالى عظيمة، وشأنها كبير، وغلظتها شديدة. ومن دلائل العناية بها، والتغليظ فيها: أن ذِكْرها، والتنويه بها؛ وقع قبل أن تنفخ الروح في آدم عليه السلام، وقبل أن تجري دماؤه في عروقه، فالملائكة عليهم السلام هم من أعلم الخلق بالله تعالى، وبما يرضاه وما لا يرضاه من الأقوال والأفعال، ولما أخبرهم سبحانه وتعالى أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء {البقرة: 30}، ولولا عظمة الدماء عند الله تعالى لما نوَّه الملائكة بذكرها من بين سائر وجوه الإفساد التي هي من الكثرة بما يَعِّزُ على العد والحصر.

تاريخ أول دم سفك ظلماً:

لما خلق الله تعالى آدم، وجرت عليه المحنة والبلاء والتكليف، ثم أهبط إلى الأرض، وتناسل بنوه من صلبه؛ كان أول ذنب عظيم وقع من بنيه: قتلَ أحدهم أخاه، في قصة عجيبة ذكرت في القرآن؛ لأهميتها، وأهمية ما تضمنته من تأريخ أول دمٍ سفك على الأرض ظلمًا وعدوانًا، وعقب ذكر هذه القصة العظيمة تأتي الآيات لتبين منزلة الدماء عند الله تعالى؛ حتى إن سافك دم واحد قد شُبِّه بمن سفك دم الناس جميعًا كما في قول الله عز وجل: من أجل ذلك كتبنا على” بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا {المائدة: 32} ولست أعلم ذنبًا في الشريعة يكون مرتكبه في حق واحد من الناس كمن فعله في جميع الناس غير هذا الذنب العظيم، فما أعظم شأن الدماء عند الله تعالى!!
قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: “من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرَّم دم مسلم فكأنما حرَّم دماء الناس جميعًا”(1) .
وجاءت السنة النبوية تؤكد على ذلك، وتزيده وضوحاً وبيانًا، فابنُ آدم الذي سفك أول دم في الأرض شريكٌ في إثم كل دم سفك بعده إلى يوم القيامة، فما أكثر ما سيتحمل من الدماء يوم القيامة!! نسأل الله العفو والعافية.
روى ابنُ مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله {: “لا تقتل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها لأنه أول من سنَّ القتل” رواه الشيخان(2).
القتل بغير حق من أكبر الكبائر:
من كبائر الذنوب التي توبق صاحبها، ويستحقُ بسببها العذاب يوم القيامة: قتلُ النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق؛ كما دلت على ذلك الأحاديث(3).
والمسلم في سعة من دينه، وفي فسحة من ذنوبه التي هي دون القتل، حتى يباشر القتل ظلماً وعدواناً، فيضيق عليه الأمر؛ لعظم شأن الدم؛ كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله {: “لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً” وفي رواية: “في فسحة من ذنبه” رواه البخاري(4).
قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: “الفسحةُ في الدين سَعَةُ الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتلُ ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول”(5).
ومن أعظم الخسارة، وأشد الخذلان: أن يورِّط الإنسان نفسه في دم حرام؛ كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “إن من وَرَطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حِلِّه”(6).
وروى أبو داود من حديث خالد بن دِهْقَان قال: كنا في غزوة القسطنطينية بذُلْقية، فأقبل رجلٌ من أهل فلسطين من أشرافهم وخيارهم يعرفون ذلك له يقال له: هانئ بن كلثوم بن شريك الكناني فسلّم على عبد الله بن أبي زكريا وكان يعرف له حقه، قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي زكريا قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله { يقول: “كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا” فقال هانئ بن كلثوم: سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة بن الصامت أنه سمعه يحدث عن رسول الله { أنه قال: “من قتل مؤمنًا متعمداً فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً” قال لنا خالد: ثم حدثنا ابن أبي زكريا عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن رسول الله { أنه قال: “لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دمًا حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلَّح”(7).
ومعنى: مُعنقاً أي: خفيف الظهر، ومعنى: بلَّح، أي: صار ثقيلاً بسبب الدم الذي حمله.
إن الدم المعصوم له شأن عظيم عند الله تعالى، فلا يجوز سفكه بغير حق، أو التهاون في أمره، وإذا كان النهي الشرعي قد زجر عن قتل البهيمة بغير حق، ورتب على ذلك وعيد فكيف بقتل الآدمي؟ ثم كيف بقتل المسلم؟! والنبي { يقول: “لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم” رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما(8)، وفي حديث آخر عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله {: “قتلُ المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا” رواه النسائي (9).
إن الدم الذي يُسفك ظلمًا وعدوانًا لا يضيع، ولو تمالأ أهل بلد على قتل معصوم لقتلوا به، ولو اجتمع أهل الأرض كلهم على سفك دم محرم لأُخذوا به، وعُذبوا بسببه، كيف!! والنبي { يقول: “لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار” رواه الترمذي(10).
سد ذرائع إيذاء المسلم:
حملُ السلاح على المؤمنين، وترويعهم به؛ من كبائر الذنوب ولو لم يقاتل به، فكيف بمن قاتل به؟!
قال النبي {: “من حمل علينا السلاح فليس منا” رواه الشيخان(11). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم {: “من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه”(12).
فإذا استحق الذي يشيرُ بالحديدة اللعن فكيف بالذي يصيب بها؟ وكيف بمن حمل على إخوانه المسلمين ما هو أعظم منها؟!
وروى جابر رضي الله عنه قال: “نهى رسول الله { أن يُتعاطى السيف مسلولاً” رواه الترمذي (13).
وهذه الأحاديث وأمثالها تثبت خطورة أمر الدماء، وتدل على حرمة المسلم على أخيه المسلم، وتسد كل ذريعة من ذرائع إخافته وترويعه، فضلاً عن إيذائه والاعتداء عليه، وأعظمُ الاعتداء سفك دم.

أول القضاء في الدماء:

لعظيم أمر الدم عند الله تعالى، وعلو شأنه؛ كان ابتداء القضاء به يوم القضاء؛ كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي {: “أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء” رواه الشيخان واللفظ لمسلم(14).
وقد جاء ما يدل على كيفية ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: “يأتي المقتول معلقاً رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله بيده الأخرى، تشخبُ أوداجه دمًا حتى يقفا بين يدي الله تعالى” رواه أحمد والنسائي. وفي رواية النسائي: “أن المقتول يجيء متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً فيقول: أي رب، سل هذا فيم قتلني؟”(15).
وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي { قال: “يجيء الرجل آخذًا بيد الرجل، فيقول: يا رب هذا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته؟ يقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذًا بيد الرجل فيقول: إن هذا قتلني، فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه” رواه النسائي(16).

حرمة التفجير في بلاد المسلمين:

بان بهذه النصوص الكثيرة أن قصد المسلم بالترويع والقتل من كبائر الذنوب، وأعظم ذنبٍ يتعلق بحق مخلوق: سفك دم حرام بغير حق، ومن أبين صور ذلك: التفجير والتخريب في بلاد المسلمين، وقصد المعصومين بالتخويف والترويع، والإيذاء والقتل، وما حصل من قصد معصومي الدم من المسلمين والمستأمنين بالقتل والترويع والتفجير والتخريب في المملكة، ما هو إلا ضربٌ من ضروب الفساد في الأرض، وفاعله قد أتى جرماً عظيمًا، وعلَّق في رقبته دماء معصومة.
مع ما نتج عن ذلك من إعدام للبنية البشرية، وإتلاف للممتلكات، واعتداء على الآمنين، وترويع للمسلمين.
وآثار هذا العمل الشنيع وأمثاله من قصد المسلمين بالقتل والترويع تطال نساءً بالترميل، وأطفالاً بالتيتيم لا ذنب لهم ولا حول ولا قوة، وفيها من الإثم والبغي ما فيها، ولا يستفيد منها إلا أعداء الملة والدين من الصهاينة الحاقدين، والمنافقين الموتورين؛ الذين يعجبهم أن يختلط أمر المسلمين، ويختل أمنهم، ويضرب بعضهم رقاب بعض.
إن الإفساد في الأرض لن يكون صورة من صور الإصلاح، والتخريب في بلاد المسلمين لن يكون سبيلاً للتعمير، ومن عظَّم الله تعالى عظَّم أمره، ومن عظَّم أمره عظَّم شأن الدماء المعصومة؛ فلا يسفكها بغير حق، فهل يعقل ذلك من يقصدون المسلمين بالقتل والترويع؟ وهل يعظمون حرمات الله تعالى في ذلك؟!.
أسأل الله تعالى أن يكفينا شر كل ذي شر، وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كيد الحاسدين، من أعداء الملة والدين.

الهوامش:
(1) تفسير ابن كثير (2-75) عند تفسير الآية (32) من سورة المائدة، وانظر: تفسير البغوي (2-32).
(2) أخرجه أحمد (1-383)، والبخاري في بدء الخلق باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ()، ومسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب بيان إثم من سن القتل (1677).
(3) جاء ذلك في أحاديث عدة منها:
أ حديث أنس رضي الله عنه عن النبي { قال: “أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور أو قال وشهادة الزور” أخرجه البخاري (6871)، ومسلم (88).
ب حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي { قال: “اجتنبوا السبع الموبقات…. وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق” أخرجه البخاري باب رمي المحصنات ( )، ومسلم (89).
ج حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي { قال: “الكبائر الإشراك بالله… وقتل النفس” أخرجه البخاري (6870).
(4) أخرجه أحمد (2-94)، والبخاري في الديات باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم {النساء: 93} (6862)، والرواية الثانية للكشميهني أحد رواة صحيح البخاري كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (12-195).
(5) نقله عنه الحافظ في الفتح (12-195).
(6) أخرجه البخاري موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما في الديات باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم {النساء: 93} (68630)، والبيهقي (8-21).
والوَرَطات بفتح الواو والراء، وحكى ابن مالك أنه قُيِّد في الرواية بسكون الراء، قال الحافظ ابن حجر: “والصواب التحريك” وهي جمع ورطة بسكون الراء. الفتح (12-196).
وأصل الورطة الهوة العميقة في الأرض، ثم استعير للناس إذا وقعوا في بلية يعسر المخرج منها. ذكره ابن الأثير في النهاية (5-173).
وفي اللسان عن أبي عبيد : “وأصل الورطة أرض مطمئنة لا طريق فيها” ا ه (7-425).
وقال الحافظ في الفتح “وهي الهلاك، يقال: وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله: التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها” ا ه (12-196).
(7) أخرجه بهذا السياق أبو داود في الفتن والملاحم باب في تعظيم قتل المؤمن (4270)، والبيهقي (8-21)، وهذا الحديث مشتمل على أحاديث ثلاثة: حديثين عن أبي الدرداء وحديث عن عبادة. وقد فَصَل الألباني هذه الأحاديث، وساقها ثلاثة أحاديث في صحيح سنن أبي داود مع اختصار السند وصححها (3588 3589 3590).
والحديث الأول منها: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله { يقول: “كل ذنب عسى الله أن يغفره…. الحديث”. أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (1308)، وفي المعجم الأوسط (9228)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4-391)، وصححه ابن حبان (5980).
وله شاهد من حديث معاوية رضي الله عنه عند أحمد (4-99)، والنسائي في كتاب تحريم الدم من المجتبى من سننه (7-81)، والطبراني في مسند الشاميين (497)، وفي المعجم الكبير (19-365) برقم: (858)، والأوسط (5135)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4-391).
والحديث الثاني: حديث عبادة رضي الله عنه: “من قتل مؤمنًا فاغتبط …” أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (1311).
والحديث الثالث: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: “لا يزال المؤمن مُعْنقاً…” أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (1309)، وفي المعجم الأوسط (229)، والصغير (1108).
قوله في الحديث الثاني: “فاغتبط” جاء بالعين المهملة “فاعتبط” وفي بعض النسخ بالغين المعجمة، كما في عون المعبود (11-353).
قال الخطابي في معالم السنن بهامش سنن أبي داود (4-464): “قوله: فاعتبط قتله، يريد أنه قتله ظلماً لا عن قصاص، يقال: عبطت الناقة، واعتبطها إذا نحرتها من غير داء أو آفة تكون بها، ومات فلان عبطة إذا كان شابًا، واحتضر قبل أوان الشيب والهرم، قال أمية ابن أبي الصلت: من لم يمت عبطه مات هرمًا” ا ه.
وقال ابن الأثير في النهاية (3-172): “من اعتبط مؤمنًا قتلاً فإنه قود، أي: قتله بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله؛ فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل من مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلان عبطة أي: شابًا صحيحًا…” ثم ذكر ابن الأثير الحديث، ونقل قول الخطابي.
وقد جاء في الحديث ما يدل على أن هذا التفسير غير مراد، وهو ما رواه أبو داود عقب هذا الحديث: قال خالد بن دهقان: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: “اعتبط بقتله” قال: الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله، يعني من ذلك” ا ه (4271).
قلت: هذا التفسير من الغساني يرد ما ذكره الخطابي من معنى كلمة “فاعتبط” ويدل على أن الرواية بالمعجمة “فاغتبط”.
قال ابن الأثير بعد أن أورد تفسير الغساني: “وهذا التفسير يدل على أنه من الغبطة بالغين المعجمة، وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد…” ثم ذكر ابن الأثير أن الخطابي لم يذكر تفسير الغساني لهذه الكلمة، انظر: النهاية (3-172)، واللسان (7-348)، وعون المعبود (11-353).
وقوله في الحديث الثالث: “لا يزال المؤمن مُعنِقاً” أي: خفيف الظهر، وهي بضم الميم وسكون العين وكسر النون، قال الخطابي في معالم السنن (4-464): “يريد خفيف الظهر يعنق في مشيه سير المخف، والعَنَق: ضرب من السير وسيع، يقال: أعنق الرجل في سيره فهو معنق…” اه.
وقال ابن الجوزي في غريب الحديث (2-131): “أي متبسِّطاً في سيره يوم القيامة”.
وقال ابن منظور: “أي مسرعاً في طاعته، منبسطًا في عمله، وقيل: أراد يوم القيامة” ا ه من اللسان (10-273).
وقوله في الحديث: “فإذا أصاب دمًا حراماً بلَّح” بتشديد اللام، وقد تخفف كما في عون المعبود (11-354) ونقله عن مرقاة الصعود.
قال الخطابي في معالم السنن (4-464): “معناه: أعيا وانقطع، ويقال: بلح عليَّ الغريم إذا قام عليك فلم يعطك حقك، وبلَّحت الركية: إذا انقطع ماؤها” ا ه وانظر: الغريب له (1-203).
وقال ابن قتيبة في غريب الحديث (2-101): “والمُبلح من قولك: بَلَح الرجل، إذا انقطع من الإعياء، فلم يقدر على أن يتحرك، ويقال: أبلحه السير” ا ه.
وقال ابن الأثير في النهاية (1-151): بلح الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك، وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد به: وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام، وقد تخفف اللام” اه وانظر: الفائق للزمخشري (3-31).
(8) أخرجه النسائي في تحريم الدم باب تعظيم الدم (7-82)، والترمذي في الديات باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن (1395)، والبيهقي (8-22)، وقد جاء مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح كما ذكر الترمذي والبيهقي.
(9) أخرجه النسائي في تحريم الدم باب تعظيم الدم (7-83)، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عند ابن ماجة في (874).
وقال الترمذي في جامعه (4-16): “وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود رضي الله عنهم” ا ه.
(10) أخرجه الترمذي في الديات باب الحكم في الدماء، وقال: هذا حديث غريب (1398)، والطبراني في الأوسط (1421)، والصغير (565)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1128)، وفي الروض النضير (925).
(11) أخرجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما البخاري في الفتن باب قول النبي {: “من حمل علينا السلاح فليس منا” (7070) ومسلم في باب قول النبي {: “من حمل علينا السلاح فليس منا” (98).
وجاء أيضًا من حديث أبي موسى عند البخاري (7071)، ومسلم (10) ومن حديث أبي هريرة عند مسلم (101).
(12) أخرجه أحمد (2-505) ومسلم في باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (2616)، والترمذي في الفتن باب ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح (2162).
(13) أخرجه أحمد (3-300) وأبو داود في باب في النهي أن يتعاطى السيف مسلولاً (2588)، والترمذي في الفتن باب ما جاء في النهي عن تعاطي السيف مسلولاً وقال: حديث حسن غريب (2163)، والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (4-322).
ونقل الحافظ في الفتح (13-28) عن ابن العربي قوله: “إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها، ثم قال: وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدًا سواءً كان جادًا أم لاعبًا كما تقدم، وإنما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد، وإنما نهى عن تعاطي السيف مسلولاً لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي” ا ه.
(14) أخرجه البخاري في الديات باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم {النساء: 93} (6864) ومسلم في القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب المجازاة بالدماء في الآخرة وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة (1678)، وأهل السنن إلا أبا داود.
(15) أخرجه أحمد (1-222 240)، والنسائي في تحريم الدم باب تعظيم الدم (7-85)، وابن ماجه في الديات باب هل لقاتل المؤمن من توبة (621)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (1941)، والألباني في صحيح سنن النسائي (3734).
(16) أخرجه النسائي في تحريم الدم باب تعظيم الدم (7-84)، والطبراني في الكبير (10-96) برقم: (10075)، من حديث الأعمش عن شقيق عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود رضي الله عنه به.
وأخرجه من حديث الأعمش عن عمرو ابن شرحبيل به ابن أبي شيبة في مصنفه (5-455 456) برقم: (27940)، ولم يذكر فيه شقيقًا ولا ابن مسعود ولا رفعه إلى النبي { وصحح الألباني رواية النسائي في صحيح سنن النسائي (3732) وذكرها في السلسلة الصحيحة وقال بعد إيراد سند النسائي: “وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين (2698)، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الطويل في ذكر الصور، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (10)، والطبراني في الأحاديث الطوال (36)، وسنده ضعيف.

-- د إبراهيم الحقيل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*